|
|
|
د. حلمي محمد القاعود |
تذكرت هذه العبارة، ومؤتمر لندن من أجل أفغانستان (28/1/2010م)، يحاول أن يشتري خروج القوات الاستعمارية الصليبية بأي ثمن؛ كما ذكرت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية؛ التي قالت إن المجتمع الدولي يلجأ إلى طريقة تعود إلى عدة قرون، وهي شراء خروجه من أفغانستان، بعد التخلي عن تحقيق النصر هناك عبر الوسائل العسكرية.
لقد أشارت الصحيفة 24/1/2010م؛ إلى إطلاق الرئيس الأفغاني حامد قرضاي خطة "لإعادة دمج" طالبان بدعم أمريكي وبريطاني، والدعوة إلى تمويل دولي بهدف توفير الوظائف والرشا لضم "المتمردين" إلى صفوف الحكومة.
وقالت الصحيفة إن مؤتمر لندن أول تجمع دولي كبير مختص بأفغانستان منذ إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما إستراتيجيته العسكرية، التي تضمنت إرسال ثلاثين ألف جندي إضافي إلى هناك.
ويهدف المؤتمر إلى اقتران زيادة القوات الأمريكية بإستراتيجية سياسية جديدة، ومساعدة الأفغان على توفير الأمن عبر تأسيس ميليشيات محلية قد تشمل عناصر سابقة في طالبان.
ولكن في ظل التقارير الاستخبارية التي تحذِّر من أن نفوذ طالبان آخذ في التمدد؛ فإن الهدفين باتا الآن في دائرة الخطر، كما تقول (الصنداي تايمز).
مشكلة الغزاة الاستعماريين الصليبيين أنهم يؤمنون بالقوة طريقًا لتحقيق أهدافهم الشريرة، وقد تصوروا أن الشعب الأفغاني المسلم سيمنعه الفقر والتخلف والفساد الذي يعشش في أركان إدارته السياسية؛ من المقاومة والتصدي للآلة العسكرية الاستعمارية الصليبية، وتجعله يركع لتنفيذ الأهداف الوحشية بتغيير عقيدته وإسلامه، وإلا فالموت فوق رأسه، ولكن الشعب الأفغاني المسلم من خلال طالبان وغيرها من منظمات المقاومة أو الجهاد، أكدت للصليبيين الأشرار أن الموت لا يخيف الأفغان، بل إنه الوسيلة الأكثر جدوى دفاعًا عن أرض الأسود الأشداء (الأفغان)، وكانت العمليات الاستشهادية طريقهم إلى إرغام القوات الاستعمارية الصليبية على الهروب أو البحث عن طريقة، تحفظ ماء الوجه للهروب من أتون الحرب الوحشية التي أشعلوها في وطن بائس، لم يدعهم أبدًا لمقاتلته أو التدخل في شئونه!
لقد أشارت صحيفة (وول ستريت جورنال) إلى أن جيلاً جديدًا من الأفغان يقود المقاومة ضد القوات الغازية، وقدَّمت نموذجًا لبعض الشباب الذين كان يتوقع منهم أن يكونوا مشغولين بذواتهم بعيدًا عن المقاومة وهموم القتال، وضربت مثلاً بسراج الدين حقاني ابن جلال الدين حقاني القائد السابق في جماعات المجاهدين التي تصدت للاحتلال السوفيتي الشيوعي في الثمانينيات، وقالت عنه الصحيفة (20/1/2010م): بوصفه مراهقًا لم يكن سراج الدين حقاني يهتم بشيء مثل ما كان يهتم بتصفيف شعره الكثيف الأسود؛ لدرجة أنه أصبح معروفًا بين زملائه بالأناقة، وكأن الاعتناء بمظهره كان أهم عنده من المعارك التي كان أبوه يخوضها بثمانينيات القرن الماضي مع الروس لطردهم من أفغانستان.
ولا يزال حقاني كما يقول من يعرفونه يهتم بأناقته، غير أن ذلك لم يفت في عضد هذا الرجل الذي يتولى اليوم قيادة جيش والده، بل على العكس من ذلك أصبح قاسيًا وهو يواصل سعيه الدءوب لتحرير أفغانستان، وتشن شبكة حقاني التي تتخذ من منطقة الحدود الباكستانية- الأفغانية منطلقًا لها حملة لا هوادة فيها ضد القوات الأجنبية والأفغانية.
لقد وسع حقاني استخدام الهجمات التي تسميها الصحيفة بالانتحارية التي لم تصبح جزءًا أساسيًّا من عمليات طالبان إلا السنوات القليلة الماضية، وتعتقد القوات الأمريكية أن مقاتلي حقاني هم من نفَّذوا العملية الدراماتيكية التي تعرَّضت لها وزارات ومقرات حكومية وفندق فخم في كابل في أواسط يناير 2010م، واستخدمت فيها القنابل والتفجيرات "الانتحارية".
كما يتهم حقاني بتدبير عمليات نوعية أخرى أو بالمشاركة فيها، ويعلق على ذلك في مقابلة سابقة مع صحيفة (وول ستريت جورنال) قائلاً: "إننا نحاصر الحكومة الأفغانية، وعدد ضحايانا قليل نسبيًّا، وباستطاعتنا أن نسبب خسائر فادحة بصفوف عدونا".
لقد أقرَّ المؤتمر الدولي الذي عُقد في العاصمة البريطانية لندن إستراتيجية تلزم الدول الغربية بالمساعدة على بناء الجيش والشرطة والاقتصاد في أفغانستان، إضافة إلى تمويل جهود الحكومة الأفغانية الرامية إلى محاربة الفساد وإقناع مسلحين من طالبان بالمشاركة في العملية السياسية الجارية في البلاد.
وتلزم هذه الإستراتيجية أيضًا الحكومة الأفغانية بأداء دور أكبر في مجال الأمن العسكري ومحاربة الفساد، وتحسين سجلها على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعزيز التعاون مع دول الجوار.
وأعلن بيان وافق عليه المجتمعون- الذين قدموا من نحو 70 دولة- أن هذا المؤتمر "يمثل خطوةً حاسمةً تجاه قيادة أفغانية أكبر لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في أفغانستان".
والغريب أن العالم الاستعماري يتناسى شيئًا بسيطًا وقريبًا إلى الأذهان؛ وهو أن الشعوب لا تنسى- مهما طال خداعها والمكر بها- أنها تتوق إلى شيء اسمه الحرية، وأنها لا تتخلى عن دينها وعقيدتها ببساطة، فالاستعماريون الصليبيون جاءوا إلى أفغانستان باسم الحرب على الإرهاب، ومع ذلك كانت حربهم الأساسية على الإسلام وعقيدة الشعب الأفغاني، ومع ما بذلوه من رشاوى ظاهرة ومقنعة لعملائهم في مقدمتهم من نصبوه رئيسًا لأفغانستان، فإنهم لم يحققوا إنجازًا سوى أن يعيشوا مع عملائهم في خوف دائم من هجمات المقاومة أو المجاهدين.
ومع أن الفارق العسكري بين الفريقين؛ الغزاة والمقاومة، كبير، ويحسب لصالح الأولين، فإن المقاومة تحقق مع مطلع كل يوم انتصارات جديدة، وتقوم بعمليات مذلة ومهينة للقتلة الصليبيين، وما عملية قتل سبعة من المخابرات الأمريكية قبل أسابيع إلا حالة من الإذلال للكيان الاستعماري الصليبي الذي يتناسى مقولاته عن الحريات وحقوق الإنسان، وهو يقتل الأبرياء والمساكين دون ذنب أو جريرة.
ومع كل الاستجداء الذي قدَّمه مؤتمر لندن؛ فإن طالبان والمقاومة لم تقبل بالاستسلام للإغراء، وتصر قبل أي حوار على رحيل القوات الغازية عن البلاد وتغيير الدستور ليعبر عن هوية أفغانستان المسلمة، ولا عزاء للنخب الثقافية في العالم العربي التي تهجو طالبان، وتوالي العدو الاستعماري الصليبي!
----------
