الصورة غير متاحة

 د. مصطفى هيكل

فرحة كبيرة لنا جميعًا أبناء الشعب المصري بهذا الفوز الغالي ببطولة كأس الأمم الإفريقية، وبتحقيق هذا الإنجاز غير المسبوق، بالاحتفاظ بالكأس لثالث مرة على التوالي.

 

لقد عمَّت الفرحة جميع المصريين على اختلاف شرائحهم العمرية والاجتماعية رجالاً ونساءً.. فرحة طاغية وحماس كبير، دفعهم إلى الخروج إلى الشارع في كل مدن مصر وقراها، محتفلين ومبتهجين ومهنئين بعضهم بعضًا "مبروك لمصر"، ورفرفت أعلام مصر في كل مكان.. روح عالية تجسِّد حبَّ المصريين لبلدهم ولفوز استحقوه بتأييد من الله لمنتخب الساجدين ولمديرهم الفني، الموصول بالله سبحانه وتعالى، والذي نقل لنا البث الحي صوته أثناء المباراة وهو يستمطر تأييد الله، قائلاً: "يا رب.. حبيبي يا رسول الله".

 

لقد عاشت مصر حقبةً من الزمن، كان الانتماء للوطن وللأمة المصرية وللأمة الإسلامية لدى المصريين في أوجه (مرحلة ما بعد 1952م)؛ حيث استطاعت حركة يوليو أن تحشد الشعب حول مشروع قومي وعربي، وحيث كان هناك عدوٌّ واضحٌ محدَّد؛ هو "أصحاب المشروع الصهيوني" ومن خلفه بريطانيا وفرنسا أولاً، ثم أمريكا، فكانت حرب 1956م، وكان التفاف الشعب المصري حول قيادته؛ ذلك الالتفاف الذي تناسى معه هذا الشعب كل أخطاء حركة يوليو؛ من ديكتاتورية وسلب للحريات والاكتفاء بشظف العيش؛ حيث كان الشعار المرفوع: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وجاء الانكسار الكبير لمصر في حرب يونيو 1967م، وتجرَّع الشعب مرارة الهزيمة، وذُهِل من هذه القيادة التي خدعته وغرَّرت به طوال هذه السنين، ولكن سرعان ما تناسى هذا الشعب العظيم هذه المرارة ووقف مرةً أخرى، ولملم شمله لخوض معركة الاستنزاف، ثم خوض معركة ردّ الشرف والكرامة في عام 1973م؛ ليثبت للعالم أجمع مقولة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن جنوده هم خير أجناد الأرض.. هذه المقولة التي تحتاج إلى القيادة الرشيدة التي تستخدم هؤلاء الأجناد وتحشدهم نحو الهدف الحقيقي وضد العدو الحقيقي.

 

ولكن.. وللأسف!! سرعان ما انكفأت مصر مرةً أخرى بتآمر أمريكي- صهيوني لجرِّها لسلام مفخَّخ نزع عنها انتماءها العربي وانكفأت مصر على ذاتها، وتميَّع مشروعها القومي، وأصبحت تسير بلا مشروع ولا هوية، وساد عصر الفوضى والانفتاح، وأصبح الشعار المرفوع هو: "مصر أولاً"؛ ليتقلص داخل كل مصري إلى شعار: "أنا أولاً"، فسادت الأثرة وانعدم الانتماء حتى وصل الأمر إلى أن يردَّ بعض شباب مصر على مُحاورهم، وهو رئيس تحرير إحدى الصحف المستقلة، حينما يسألهم: ماذا تفعلون لو اعتدى الصهاينة على مصر؟ فيردون: "خللي اللي ناهبين خيرها يدافعوا عنها أما نحن فلا"!!!.

 

 الصورة غير متاحة
جالت في نفسي هذه الخواطر وأنا أشاهد هذه الروح وهذا الحماس العارم بفوز كروي حقَّقناه، فقلت: "لماذا لا تستثمر القيادة المصرية هذه الروح لمشروع نهضوي حضاري لمصر؟ فمصر تستحق الكثير والكثير، فقد أوصى بها رسولنا صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا"، وقال: "... فاتخذوا منها جندًا فهم خير أجناد الأرض".

 

يا الله.. هل يدرك من يحكمنا هذا؟ هل يدركون أننا نستحق الحرية والكرامة؟ هل يدركون أننا نستحق أن نعيش في ديمقراطية حقيقية نستطيع من خلالها اختيار من يمثلنا اختيارًا حقيقيًّا؟، وهل يدركون أن هذا هو السبيل لإصلاح سياسي حقيقي يكون قاطرةً لإصلاح اقتصادي واجتماعي وإنساني؟!

 

اللهم ألهمنا وألهمهم الرشد قبل أن يعمَّنا الطوفان ويعمَّهم.