هذا هو ما قاله مناحم بيجين لكارتر عن السادات أثناء مفاوضات السلام المصرية مع العدو الصهيوني عام 1979م، طبقًا لما جاء في كتاب هيكل "عواصف الحرب والسلام".
لقد أسس بيجين حينئذٍ القاعدة الأساسية الحاكمة لدور مصر في المنطقة لعدة عقود قادمة،
فلقد قَبِل النظام المصري وعلى امتداد 30 عامًا هذه القاعدة، واعتمدها مرجعًا رئيسيًّا له في كل سياساته التالية.
ولم تدرك جموع الشعب المصري وقواه الوطنية، وطأة هذه القاعدة وخطورتها بقدر إدراكها لها الآن أثناء العدوان الصهيوني الحالي على غزة.
ودعونا نتذكر معًا ماذا أعطت مصر للعدو الصهيوني في العقود الثلاثة الأخيرة:
* أعطتها فلسطين 1948م، وهي تساوي 78% من مساحة فلسطين، بالإضافة إلى حق مستقبلي مؤجل في المطالبة بباقي فلسطين المسمى بالضفة الغربية وغزة.
حدث ذلك عندما اعترفت مصر بالكيان الصهيوني بموجب اتفاقيات كامب ديفيد؛ فالاعتراف بمشروعية الدولة الصهيونية، يعني الاعتراف بمشروعية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، والاعتراف بصحة الأساطير الصهيونية حول الأمة اليهودية والشعب اليهودي وحقه التاريخي في أرض الميعاد.
وهو يعني الاعتراف بأن الحركة الصهيونية حركة تحرر وطني نجحت عام 1948م في تحرير وطنها المغتصب من الاستعمار العربي الإسلامي، والتي يحتفلون بذكراها كل عام في عيد يطلقون عليه "عيد الاستقلال".
وإذا كان هذا صحيحًا- وهو ليس كذلك- فإن الضفة الغربية وغزة، هي الأخرى، وبذات المنطق، أرض يهودية مما يستوجب تحريرها عاجلاً أم آجلاً من الاحتلال العربي لها.
أو على أقل تقدير يعني حق الصهاينة في تجريد الضفة وغزة من حقهما في تأسيس دولة مستقلة ذات سيادة حقيقية قادرة على تهديد أمن الكيان الصهيوني ووجوده مستقبلاً.
ليس ذلك فقط بل إن الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني يعطيه كل الحق في كل ما يفعله دفاعًا عن وجوده وأمنه القومي.
فكل من لا يعترف به يمثل تهديدًا لهذا الأمن، عليها أن يطارده ويصفيه اغتيالاً أو اعتقالاً أو نفيًا أو حصارًا، وتكون المقاومة الفلسطينية بالفعل إرهابًا ويكون الإرهاب الصهيوني هو دفاعًا مشروعًا عن النفس.
* كما أعطت مصر للكيان الغاصب بعد كامب ديفيد ميزة الانفراد بالساحة الفلسطينية؛ مما مكنها من دخول بيروت عام 1982م، ونفي القوات الفلسطينية إلى تونس ومناطق أخرى، وتسوية القيادة هناك على نار هادئة إلى أن تمكنت من إخضاع إرادتها في أوسلو 1993م وإرغامها على الاعتراف بحق الكيان الصهيوني في الوجود والتنازل عن فلسطين 1948م.
* وأدى خروج مصر من الصراع ضد الكيان الصهيوني إلى ضرب كل الخيارات الأخرى ما عدا خيار التسوية؛ فالحرب بدون مصر غير ممكنة موضوعيًّا، والتسوية في النهاية هي تفريط في الأرض العربية.
* وبالفعل نجحت مصر على امتداد الـ25 عامًا السابقة في تعريب التسوية واستقطاب الأطراف العربية واحدًا تلو الآخر إلى خيار الاعتراف بالكيان الصهيوني والتعايش معه؛ فظهرت أوسلو ثم وادي عربة، ثم مبادرة السلام العربية 2002م.
* وأعطت مصر للكيان الصهيوني، بالإضافة إلى عوامل أخرى، واقعًا عربيًّا متفرقًا ومتصارعًا بعد أن انسحبت من قضية فلسطين التي كانت توحد العالم العربي بكل تناقضاته. فعرب اليوم يختلفون جذريًّا عن عرب مؤتمر الخرطوم 1967م وعرب الحظر البترولي في حرب 1973م.
* كما كسرت مصر المقاطعة الدولية للكيان الصهيوني، فأعادت أكثر من 80 دولة علاقتها بالكيان بعد كامب ديفيد؛ مما أعاد ضخ دماء جديدة في جسد الاقتصاد الصهيوني، وخفف العبء عن كاهل الولايات المتحدة.
* وشجع اعتراف مصر بالكيان الصهيوني، القوى الطائفية في المنطقة، على تكرار وتقليد نموذج الدولة اليهودية فبدأت محاولات إنشاء دول أخرى محررة من الاحتلال العربي! دول كردية وسنية وشيعية وقبطية وزنجية.. الخ.
* كما ضربت معاهدة السلام المصرية- الصهيونية اتفاقية الدفاع العربي المشترك في مقتل بما نصت عليه في مادتها الرابعة من أولوية هذه المعاهدة على ما عداها من اتفاقيات وعلى حظر الدخول في أي اتفاقيات جديدة تتناقض مع أحكامها.
* وحوصرت القوى الوطنية المصرية المعادية للكيان والداعمة لفلسطين، وأضعفت وطوردت أمنيًّا وجنائيًّا وما زالت.
* وأخيرًا وليس آخرًا تستمر مصر كامب ديفيد إلى اليوم في العطاء للكيان الصهيوني، وها هي تشارك في الحصار المفروض على غزة بغرض كسر وإخضاع القلعة الأخيرة المسلحة في الأرض المحتلة التي ترفض الاعتراف بالكيان، وتراقب بدم بارد حرب إبادة جديدة في حق أهالينا هناك.
* واليوم في يناير 2010م، تقوم ببناء جدار فولاذي تحت الأرض للقضاء النهائي على الأنفاق، لإحكام الحصار، تنفيذًا للرغبات الأمريكية الصهيونية.
* والبقية تأتي..
وماذا أخذت مصر في المقابل:
* أخذت سيناء منزوعة السلاح إلا من ثلثها المجاور لقناة السويس مما يهدد بإعادة احتلالها مرة أخرى في أي وقت.
* أخذت حماية أمريكية وضمانات بعدم تكرار العدوان الصهيوني عليها مرة أخرى إن هي التزمت حسن السير والسلوك.
* أخذت معونة عسكرية أمريكية قيمتها 1.3 مليار دولار سنويًّا هدفها الحقيقي هو ضمان التفوق العسكري للكيان الصهيوني.
* أخذت معونة اقتصادية أمريكية أدت في الحقيقة إلى خلق طبقة رأسمالية موالية لأمريكا سلموا لها مصر، وإلى تبعية اقتصادية، وإلى مزيد من الإثراء للشركات الأمريكية التي عادت لها أموال المعونة من الطرق الخلفية.
* أخذت مباركة أمريكية لبقاء النظام السياسي بحكامه الحاليين بدون تغيير، بدون تداول في السلطة، بدون انتخابات حقيقية.
ويا له من ثمن.
----------