قُدِّمت حتى الآن عدة نظريات لتفسير المشروع الصهيوني وأسباب الصراع العربي الصهيوني، ولكنها جميعًا لا تختلف على نقطة البداية، وهي أن المشروع الصهيوني مشروع سياسي يهدف أساسًا بدعاوى مختلفة إلى تغيير معادلات القوة لصالح الغرب في المنطقة العربية.

 

وقد شاعت خلال الستين عامًا الأخيرة في الجانب العربي عدة نظريات في تكييف الصراع العربي الصهيوني، ولكنها تلتف جميعًا حول محورين، المحور الأول هو أن الصراع صراع وجود، بمعنى أن المنطقة لا تحتمل "إسرائيل" والعالم العربي معًا؛ ولذلك يحسم الصراع عندما يختفي أحد طرفيه.

 

أما المحور الثاني فيدور حول أن الصراع مع "إسرائيل" هو صراع حدود بما يعني أن المشكلة تنتهي بالتسوية السياسية القائمة على مرجعيات قانونية وضعية.

 

ومن الملاحظ أن نظرية صراع الوجود هي التي تجذَّرت منذ البداية في العالم العربي، وفي الفكر القومي العربي، وربما رأى أنصار هذه النظرية ما حل بأحد طرفي الصراع في الحرب الباردة، وانتهت هذه الحرب باختفاء الاتحاد السوفيتي.. يترتب على هذه النظرية أن المفاوضات مع "إسرائيل" يجب أن تنصب فقط على استعادة الأرض الفلسطينية التي قامت عليها "إسرائيل"، ومن باب أولى لا تعترف هذه النظرية بعملية السلام مع "إسرائيل" على النحو الذي جرى على الأقل منذ قرار مجلس الأمن 242 عام 1967م؛ لأن عملية السلام تعني في الجانب العربي الاعتراف بـ"إسرائيل" وباقتسام ما تبقى من الأرض الفلسطينية والعربية معها، ثم وضع قواعد للتعامل في المنطقة على افتراض أن "إسرائيل" هي مجرد أحد اللاعبين الإقليميين، وأن المشكلة دائمًا هي في قدرة الجسد العربي على التعرف على الحقيقة والتصدي لهذا المشروع.

 

استندت هذه النظرية على أن "إسرائيل" شركة مساهمة استعمارية يُشكِّل الغربيون مجلس إدارتها، بينما المجموعات اليهودية هي التي تنفذ المشروع على أرض فلسطين؛ ولذلك فإن الصراع مع هذا المشروع كما قلنا يجب أن يستمر، وأن فترات الهدنة لا يجب أن تغفل هذا المشروع.

 

تقوم هذه النظرية أيضًا على حقيقة مؤكدة؛ وهي أن المشروع الصهيوني يريد كل فلسطين، وأنه استخدم قرار التقسيم لإضفاء المشروعية على أصل الادعاء، وليس على ما تضمنه القرار من نسبة في الأرض مخصصة لليهود.

 

ظلت هذه النظرية سائدةً بشكلٍ مطلقٍ حتى تمكَّن المشروع الصهيوني من أن ينزل بالجسد العربي طعنات قاتلة بدأت وانتهت بمصر، فهاجم مصر عام 1956م، واحتل سيناء بمساندة من قطبي الاستعمار صاحبي الحظ الأوفى من أسهم هذه الشركة العالمية وهي "إسرائيل"، والتي تمثل في المشروع رأسه وتجسيده وقيادته اليهودية، ثم عادت "إسرائيل" تضرب مصر بشكلٍ أشد في عام 1967م؛ لأنها قاطرة العالم العربي، ولا أظن أنني أضيف جديدًا إذا قلت إن انكسار مصر بالعدوان الكاسح الصهيوني عليها عام 1967م كان يمكن ألا يكون نهاية المطاف لهذه النظرية.

 

ورغم أن عبد الناصر عندما تحدَّث عن إزالة آثار العدوان فإن هذا لم يعنِ أنه قد تخلَّى تمامًا عن هذه النظرية، وهي التسليم ببقاء "إسرائيل" في ظل الحسابات الإقليمية، ولكن تخليص الأراضي التي احتلتها عام 1967م فقط منها، أي أن عبد الناصر قد سلم بحق "إسرائيل" في الوجود وحقها في 21.5% إضافية من الأراضي الفلسطينية، فأصبحت "إسرائيل" تحوز 78% حتى 4 يونيو 1967م، ثم أكملت في 5 يونيو احتلال 22% الباقية، ثم راحت تقضمها بالاستيطان والجدار العازل حتى بقي منها عند كتابة هذه السطور 10% فقط، ومن المقرر أن تلتهمها هي الأخرى وفق برنامج محدد، فإذا كان انكسار 1967م لمصر يمكن جبره ولو بتحقيق معادلة قوة جديدة تنطوي على تجاوز قيام "إسرائيل" إلا أن حرب أكتوبر 1973م لم تكن المعادل العسكري والسياسي لانكسار 1967م، وهو أمر يتطلب تفصيلاً يتجاوز هذا المقام، فإن اتفاقية السلام مع "إسرائيل" كانت نقطة التحول النهائية لتصفية القوة المصرية وإزالتها من حسابات القوة، ثم تفرغ المشروع الصهيوني لتفتيت المنطقة بما في ذلك تفتيت الوطن المصري.

 

أمام اكتساح المشروع الصهيوني بعد 1967م تعاقبت على مصر قيادات استحدثت النظرية الثانية في ضوء الواقع الذي كان فيه المشروع الصهيوني يتقدم والمشروع العربي التحرري ينكسر، فزادته النظرية مزيدًا من الانكسار.

 

تقول النظرية الثانية إن الصراع العربي الصهيوني هو صراع حدود، أي أن القوة النسبية لكل طرف هي التي تحدد حجم "إسرائيل"، ولكن بالتراضي بين الطرفين، فإذا كانت إزالة "إسرائيل" وهمًا، فإن التعايش معها وفق هذه النظرية هو عين الصواب.

 

بناءً على هذه النظرية جرت مياه كثيرة، بدءًا بزيارة السادات للقدس، ثم معاهدة السلام، ثم اتفاق أوسلو، ثم معاهدة وادي عربة مع الأردن؛ وذلك كان تحت مظلة كبرى خادعة اسمها عملية السلام، فسار العالم العربي وراء سراب كلما بلغه لم يجد عنده ماءً، فتراجعت القوة العربية، وتفككت الأوطان، وقادت مصر باقتدار هذه الموجة من تمكين المشروع الصهيوني من مصر أولاً ثم فلسطين بعد ذلك.

 

ومن الواضح أن النظريتين تقومان إستراتيجيًّا على أن مصر هي الركيزة الأساسية، فهي التي تكفل تحرير الأرض العربية من المشروع الصهيوني ومحاصرة المشروع حتى لا ينتشر إلى البؤر الحيوية في الجسد العربي.

 

وعلى العكس فإن مصر أيضًا هي التي تمكن المشروع كما حدث بعد عام 1979م وهي التي قادت عملية السلام بأوهام صراع الحدود، وبذلت جهدًا كبيرًا في سبيل ذلك، ولكن عناصر القوة في المشروع الصهيوني تغلَّبت على آمال التسوية عند مصر، فكانت النتيجة هي خروج مصر تمامًا من المعادلة الإقليمية لصالح المشروع الصهيوني.

 

وقد رأينا بعد تدبر هذه الحقيقة أن المشروع الصهيوني يستهدف حقيقة أن يقيم دولة وظيفية تتمتع بالمساندة الغربية وتحقق للغرب ميزتان كبيرتان، الأولى هي حراسة المصالح الغربية بمعناها الأيديولوجي وليس الحرفي، والميزة الثانية هي أن الأقليات اليهودية في أوروبا تستوطن الفلسطينيين؛ حتى لو احتفظ أفرادها بالجنسيات الأوروبية وبجواز السفر كضمانة نفسية إذا ما فشل المشروع الصهيوني، ورفض الجسد العربي تمدد السرطان إلى خطوط معينة.

 

أما الذرائع والأساطير التي ساقتها الحركة الصهيونية لتثبت علاقة هؤلاء اليهود بأرض فلسطين والقدس فإنها مجرد ذرائع لمساندة القرار السياسي الأصلي، ولو أخذنا بالمنطق الصهيوني في شقه اليهودي؛ لأحدثنا فوضة عارمة بسبب تغير الخرائط، ولادَّعى المسيحيون ملكيتهم لبيت لحم، كما ادَّعى المسلمون ملكيتهم لمكة والمدينة، ولكان الأولى لليهود أن يدَّعوا إرث موسى في مصر وسيناء باعتباره صاحب الرسالة الأساسية في اليهودية؛ ولذلك لا يجوز إهدار الوقت في الرد على هذه الأساطير.

 

معنى ذلك أن المشروع الصهيوني لكي يحقق هدفه الاستعماري كان لا بد أن يختار المنطقة المجاورة لمصر؛ لأن هدفه الأساسي هو السيطرة على مصر؛ مما يؤدي إلى استباحة بقية الأطراف، وهذه النظرية معروفة في الجغرافيا السياسية.

 

يترتب على ذلك أن استقرار المشروع الصهيوني في خاصرة مصر كان مقصودًا؛ حتى يقطع التواصل بين مصر والشام ووادي الرافدين، وهي منطقة القلب التي لعبت فيها مصر دورًا مركزيًّا في صدِّ الهجمات على هذه المنطقة العربية الإسلامية؛ ولذلك فإن موقع مصر ومكانتها المركزية دفع جميع الغزاة إلى أن يسيطروا على المنطقة من خلالها.

 

هكذا فعل الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر، والعرب والمسلمون، والأتراك العثمانيون، والفرنسيون والبريطانيون والأمريكيون؛ ولذلك يلحظ دارسو العلاقات الدولية أن مصر هي العامل المرجح لكفة الصراع بين موسكو وواشنطن، فعندما كانت القاهرة حليفًا لموسكو كان النفوذ الأمريكي محدودًا، ولم يكن لواشنطن موطئ قدم في عملية السلام، ولم تنجح في كسر الاستقطاب بينها وبين موسكو في المنطقة، وكذلك عندما أصبحت مصر حليفًا لواشنطن فإن ذلك أسهم بلا شك ضمن عوامل أخرى في تفكيك الاتحاد السوفيتي.

 

نخلص من ذلك إلى أن المشروع الصهيوني يستهدف مصر في الأساس؛ ولذلك فلو كان موقع مصر في أي دولة مثل المغرب أو الجزائر وظلت مصر تتمتع بنفس المواصفات بغير الموقع فأظن أن أكثر من 60% من الاعتبارات كانت ستدفع المشروع الصهيوني إلى مجاورة مصر، حتى يشل حركتها؛ لأن مقومات مصر أكبر من مجرد الموقع، كما أن الموقع هو أحد المقومات الهامة لمكانة مصر.

 

يترتب على ذلك النتائج الآتية:

النتيجة الأولى، هي أن قيادة مصر يجب أن تكون أول المدركين لهذه الحقيقة؛ ولذلك فإن نظرة مصر إلى المشروع الصهيوني يجب أن تنتمي إلى النظرية الأولى؛ لأنه يستحيل التعايش بين مصر وهذا المشروع، وأن سلوك مصر منذ عام 1979م هو خداع للنفس وتجاهل لهذه الحقيقة الساطعة.

 

النتيجة الثانية، هي أنه لا يمكن الحديث عن دور مصري يماثل أدوارًا عربية أخرى، أو الزعم كما يحدث الآن بأنه آن لمصر أن تستريح، أو أن مصر تحملت نصيبها من الصراع وآن للمحارب أن يأخذ قسطه من الراحة، أو القول بأن مصر ضحَّت وعلى باقي العرب أن يضحوا أيضًا، واعتبار مطالبة العرب لمصر بأن تتقدم الصفوف مخططًا عربيًّا يهدف إلى الوقيعة بمصر وتوريطها.

 

النتيجة الثالثة، هي أن مصر هي التي بحاجة إلى العرب حتى يساعدوها على مواجهة المشروع الصهيوني، وبذلك لا يعد دور مصر في الصراع تفضلاً منها على غيرها أو تضحية منها لصالح الآخرين، ويتفرع على ذلك أن فلسطين هي خط الدفاع الأول عن مصر، وأن من مصلحة مصر أن تزرع الأشواك لـ"إسرائيل"، وأن تجعل حياتها في المنطقة مستحيلة، وأن تعتبر المقاومة الفلسطينية هي خط الدفاع الأول عن أمنها القومي.

 

وفي ضوء ذلك تبدو سذاجة الطروحات المصرية بشأن حصار غزة؛ لأن مصر قد افتقدت هذه الرؤية الصحيحة، فانقلبت على نفسها ومصالحها، وهي تحسب أنها تسكت الذين يدقون لها أجراس الخطر، وقد شاع في الخطاب السياسي المصري أن مصر قد ضحَّت بكل شيء في سبيل فلسطين والفلسطينيين، وهي التي تحملت عبء الصراع فأفقرتها تبعاته بينما يسعد العالم العربي بثرواته.

 

هذا الخطاب المصري أدَّى إلى فتح الباب للهموش السياسي الذي يطالب مصر بالتقاعد، وأن يدفع العالم العربي لها مكافأة التقاعد على ما قدمته له في شبابها.

 

أتاح هذا الخطاب لبعض السوقة من المصريين أن يعتبروا الفلسطينيين هم أعداء مصر، وهم الذين يهددون أمنها القومي ويتآمرون عليها، وبذلك أصبحوا هم الأعداء بدلاً من "إسرائيل"، بل إن فريقًا من هؤلاء المصريين يستعدي "إسرائيل" ومصر على الفلسطينيين، وخاصةً المقاومة التي اتخذت مصر منها موقف العداء مهما تعددت الأسباب الأخرى التي تسوقها ضد المقاومة في فلسطين ولبنان.

 

النتيجة الرابعة، هي أن محاولات "إسرائيل" والولايات المتحدة تمزيق العالم العربي في وجود مصر القوية لم يكن ممكنًا، ولكنه أصبح ممكنًا فقط بعد إضعاف مصر والتأثير الفادح على قراراتها.

 

وقد يرى البعض أن هذه النظرية هي تكرار للنظرية الأولى، وأنها تغالي في تصوير موقع مصر في الصراع على المنطقة، كما أن هذه النظرية تتسم بالمثالية التي لا يسندها الانهيار الحادث والشامل في العالم العربي، ولكن من الواضح أن هذا الانهيار لم يحدث إلا بعد انحراف مصر عن هذه النظرية.

 

وقد يرى البعض أيضًا أن هذه النظرية تغفل آثر العولمة وانسياب أدوات النفوذ عبر الأقاليم، وعدم تصور وجود دولة قائدة في المنطقة، ولكني أقول إن العلاقة بين مصر والعالم العربي تستعلي على كل التقاطعات الخارجية؛ ولذلك فإنه لو استقرت الرؤية وفق هذه النظرية عن النظام المصري فإنه سوف يكون قادرًا على تحقيق التواصل الغائب بين مصر وبقية الجسد العربي، وهذا هو الضمان الوحيد لتحصين الجسد ضد السرطان الصهيوني.