![]() |
|
انتصار شعير |
إن الثقة المفقودة بين الشعب والحزب الحاكم في أكثر من موقف، وآخرها هو رفض نسبة كبيرة جدًّا من المواطنين الموافقة على تطعيم أبنائهم ضد فيروس إنفلونزا الخنازير التي جلبته وزارة الصحة، معلنين بذلك صراحةً عدم الثقة في الحكومة؛ فالحكومة التي منها من يجلب القمح الفاسد، والتي إلى الآن لا تملك رؤية تخطيطية نحو مستقبلٍ أفضل, والتي كانت سببًا في توزيع ثروات مصر على قلَّة من الكبار دون النظر ولو بعين الرحمة لشباب يعاني الفقر والبطالة.. هي هي تلك الحكومة التي جاءت بمصل شك المواطن البسيط أن يكون سببًا في معافاته من المرض.
وهذه الثقة المفقودة جعلت المراقب للواقع المصري السياسي لا يأخذ الأمور بما يظهر منها على السطح, ففي العديد من المواقف يتقن نواب مجلس الشعب عن الحزب الوطني مع وزراء حكومة الحزب الوطني أدوارًا تمثيلية أمام الشعب, مع وجود الحبكة الدرامية؛ لكي يظن المتفرج أن الأمر جد الجد, وهو قد يكون متفق عليه من ذي قبل داخل كواليس الحزب الوطني, مع وضع نهاية سعيدة بلا أدنى شك لجميع الأطراف.
فالحقيقة أنني لم أصدق تلك التمثيلية الدرامية التي تقدَّم فيها أمين التنظيم بالحزب الوطني السيد أحمد عز بطلب تشريع قانون يبيح حرية الاتجار بالآثار المصرية؛ ليؤجل وزير الثقافة السيد فاروق حسني سفره للأقصر؛ ليحضر جلسة المناقشة بمجلس الشعب، ويثور على أثر ذلك الطلب ويهدد باستقالته, وطبعًا هذا لا يجوز على الإطلاق إذ كيف يقدم وزير استقالته؟
هذا أمر لا يقبله عقل!! وينتهي الأمر وبغاية البساطة فلا وزير الثقافة قدَّم استقالته ولا تأثر الملياردير أحمد عز ببيع أو عدم بيع آثار مصر ويا دار ما دخلك شر, إذًا فما الغرض من عرض أمر على مجلس الشعب يستطيع أحمد عز أن يناقشه مع وزير الثقافة في مقهى الحزب إلا أنهما يريدان إظهار أن ها هم نواب الوطني يطالبون وزراء الوطني بمطالب يختلفون فيها أمام الشعب، وأن حزب السلطة الأوحد المتمثل في أغلبية مجلس النواب، والذي هو نفسه الذي يشكِّل الحكومة ليس (حزبًا.. منه فيه), أي منه أغلبية النواب وفيه تشكل الحكومة, وبذلك تتجمل الصورة, وينتعش الشعب من حالة الحراك السياسي بدلاً من حالة الجمود والشلل السياسي الذي نعيش فيه منذ عقود من الزمان.
موقف آخر يبيِّن مدى توافق نواب الحزب الوطني مع وزراء الوطني، وهو أنه حدث أثناء التصويت على قانون الضرائب العقارية، وبعد أن رفع بعض نواب الوطني أيديهم لا إراديًّا، فالقانون لا يقبل به أي نائب عن الشعب هدفه مصلحة الشعب, ولكن بنظرة واحدة حادة وبكلمة عتاب هي: (هو إحنا اتفقنا على كده)، وأكد ذلك شهود عيان كانوا حاضرين بالجلسة.. أنزل النواب المحترمون أيديهم طائعين لإرادة السيد أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني، ومر قانون الضرائب العقارية بموافقة أغلبية نواب الوطني لوزير مالية الوطني يوسف بطرس غالي، وهذا إثبات آخر أن الحزب الحاكم يحكم بطريقة "وطني .. منه فيه".
وموقف آخر وليس بأخير؛ وهو كم مرة تقدَّم نواب معارضة وإخوان بطلبات إحاطة تدين وزير الإسكان السابق محمد إبراهيم سليمان في مخالفات عديدة، وبسبب وجود أغلبية الحزب الوطني ومجاملتهم لوزير الحزب الوطني تُحفظ طلبات الإحاطة، وكأن شيئًا لم يكن إلى أن علت الأصوات في الآونة الأخيرة، وهي تصرخ بأعلى صوت لملاحقة الوزير السابق الملياردير, والله أعلم.. هل سيمثل أمام العدالة أم أن الموضوع هو "وطني.. منه فيه"، وليضرب الشعب رأسه في الحائط.
لمصلحة مَنْ ألا يحاسب من يخطئ, أليست المهمة الأولى لنائب مجلس الشعب هي محاسبة الحكومة وتقييم أدائها, وأيضًا من أولويات مهامه التشريعية أن يوافق أو لا يوافق على القوانين قبل أن تشرع بما يتوافق أولاً وأخيرًا مع مصلحة المواطن المصري.
لمصلحة مَنْ أن تكون السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس الشعب والسلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة تعملان لهدف واحد؛ وهو الاستمرار والبقاء في السلطة ولو على حساب مصلحة الشعب التي لا يمكن أن تكون أبدًا مع حزب واحد هو "وطني.. منه فيه".
