منذ بداية صعود الحركة الإسلامية المعاصرة، وهي تواجه الرؤية السياسية الغربية، والتي انتشرت في البلاد العربية والإسلامية، على يد النخب الثقافية المتغربة، وكان المشهد قبل سقوط الخلافة الإسلامية مختلفًا، فقد غلب عليه محاولة التحديث للمنظومة الإسلامية من داخلها، بما في ذلك اقتباس بعض الأدوات والآليات الغربية، لتطوير المنظومة الإسلامية. وبعد سقوط الخلافة الإسلامية، أصبح الخطاب الإسلامي ينادي بعودة المرجعية مرة أخرى، وبناء المنظومة الإسلامية من جديد. وفي كل المراحل، كان الخطاب الإسلامي السياسي يواجه بخطاب سياسي آخر، بني على أساس المنظومة الغربية السياسية. وبدأت حالة الجدل بين خطابين، حيث حاول الخطاب الإسلامي الإصلاحي، تحديد موقفه من المفاهيم السياسية السائدة، ليظهر ما يتفق معه وما يختلف معه. ظهر ذلك جليًا في خطاب حسن البنا، والذي ناقش قضية الحياة السياسية البرلمانية، أو الحياة الدستورية، وكذلك مفاهيم الوطنية والقومية. وكان خطابه يركز على المعنى الإيجابي لتلك المفاهيم الذي يتوافق مع الخطاب السياسي الإسلامي، وأيضًا المعنى السلبي الذي يرفضه الخطاب السياسي الإسلامي، وبهذا بدأت عملية بناء وصناعة المصطلحات المميزة لكل خطاب، حتى يظهر تميز كل خطاب، وفي نفس الوقت، تظهر المناطق المشتركة أو المتداخلة بين الخطابات.
التفاعل بين الخطابين
كانت القاعدة الإصلاحية المستمرة منذ بداية مرحلة رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر، ما زالت هي القاعدة المستمرة، فكل طريقة أو أداة أو معرفة مناسبة للمشروع الإسلامي، يمكن أن تستخدم من أجل تطوير حركة المشروع الإسلامي على الأرض، فكان النظام البرلماني مثلاً، هو الاختيار السياسي الأول لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وإن فضل أن يكون النظام البرلماني بدون أحزاب، حسب تصوره في ذلك الوقت، ولكن النظام البرلماني يقوم أساسًا على انتخاب ممثلي الأمة، والذين ينتخبون الحكومة ويحاسبونها، وهو نمط من أنماط التطبيق الديمقراطي السياسي، وإذا تابعنا العلاقة بين الخطاب الإسلامي والخطاب السياسي الغربي، سنجد التمييز بينهما كان واضحًا، كما أن استفادة الخطاب السياسي الإسلامي من النموذج السياسي الغربي المعاصر، كانت واضحة أيضًا. ولكن النخب المنتمية للخطاب السياسي الغربي، لم تكن تتفاعل مع الخطاب الإسلامي، ولم تكن تطور رؤيتها داخل إطار الخصوصية الحضارية الإسلامية، فكل ما شهدته النخب العربية والإسلامية، هي حالة المراجعة التي يمر بها بعض من ينتمي للنخبة، حيث يراجع فكره ويتجه للرؤية الإسلامية، ولكن حالة التفاعل الإيجابي بين من يحمل الرؤية السياسية الغربية وبين الخطاب السياسي الإسلامي، لم تتحقق، لذا نجد أن بنية الخطاب السياسي الغربي الوافد لم تتغير، بل ظلت بنية صلبة مستمدة من النموذج الغربي، دون أن تتفاعل مع النموذج الإسلامي، أو البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها.
لهذا لم تنته المواجهة بين الخطاب السياسي الإسلامي، والخطاب السياسي الغربي، فقد ظلت تلك المواجهة مستمرة عبر العقود.
بداية المعركة
وقد حدث الافتراق الأول عندما تولت الحكم في البلاد العربية والإسلامية نخب منتمية للمشروع السياسي الغربي، حيث عملت على مواجهة المشروع الإسلامي، من خلال توسيع الهوة بين الخطاب السياسي الإسلامي، والخطاب السياسي الغربي. وبدأت عملية التشويه المنظم للخطاب السياسي الإسلامي، ليصبح ممثلاً للرجعية من وجهة نظر النخبة، حتى يتم نشر الخطاب السياسي الغربي، سواء بشقه الاشتراكي أو بشقه الرأسمالي، وكانت الحقبة الناصرية نموذجًا مهمًّا في تلك المعركة، فقد بات واضحًا أن النخبة الحاكمة لا تقبل شراكة الحركة الإسلامية، والأهم أنه بات واضحًا أن خطاب النخبة الحاكمة السياسي، غير قادر على التعايش مع الخطاب السياسي الإسلامي، وكأن الخطاب الإسلامي ينزع شرعيته، ويعري تبعيته للنموذج الغربي، وعندما بدأت النخب تأخذ طريقها في التبعية الكاملة للنموذج السياسي الغربي، أصبح عليها التخلص من الخطاب السياسي الإسلامي، والذي يكشف تبعيتها الحضارية للغرب، ويؤكد خروجها على الخصوصية الحضارية للأمة. وهنا توقف الحوار بين النماذج والخطابات، وبدأت معركة يراد منها فصل الخطابات عن بعضها البعض وتعميق الفجوة بينها.
لذا شهدت هذه المرحلة خطاب المفاصلة الإسلامي، والذي يقوم أساسًا على أهمية التمييز الكامل بين الخطاب السياسي الإسلامي، والخطاب السياسي الغربي. فقد كان تمدد النموذج الغربي السياسي بعد الاستقلال، أضخم بكثير من تمدده قبل الاستقلال وأثناء مرحلة الاستعمار.
حيث ظل النموذج الغربي مرتبطًا بالاستعمار، ولكن بعد رحيل الاستعمار وتحول النخب الحاكمة لزرع النموذج الغربي السياسي، أصبحت عملية التغريب تأخذ مسارها بيد النخب المحلية الحاكمة.
فتم بناء نموذج الدولة الوطنية على المعيار السياسي الغربي، وتم رفض الخطاب الإسلامي سواء خطاب الهوية أو الخطاب السياسي. وفي المقابل بدأ الخطاب الإسلامي يبني لنفسه نموذجًا متحررًا تماما من المصطلح الغربي. وتكرس هذا الوضع مع نهاية ستينيات القرن العشرين.
مسار النهضة
إذا نظرنا إلى التجربة البشرية التاريخية، سنجد أن كل نموذج حضاري لم ينهض إلا من خلال تميزه، حدث هذا لكل النهضات الكبرى في التاريخ البشري. فسر نهضة أي حضارة يكمن في ما يميزها عن الحضارات الأخرى، ولهذا تظهر نقاط قوتها في لحظة تاريخية معينة، فتصبح بذلك متميزة عما سبقها، وتقدم نموذجًا جديدًا يحقق النهوض في لحظة تاريخية معينة.
ولكن المتتبع للعلاقة بين كل الحضارات التي نهضت وبين محيطها السابق عليها واللاحق لها، وبين الحضارات المجاورة لها، وأيضًا بين الحضارات المتصارعة، سيجد أن كل حضارات البشر المتقدمة استفادت مما سبقها وما تزامن معها. وهناك الكثير من الوقائع حول تبادل المعرفة والمعلومات والتجارب بين الحضارات. فمعظم الحضارات الناهضة أخذت من حضارات أخرى بعض المعارف والأدوات والطرق، واستخدمتها داخل منظومتها الحضارية، ووظفتها لتحقيق غايات أخرى، وذلك هو التعلم الحضاري، حيث يتم تعلم معرفة أو طريقة أو أداة، واستخدامها لتحقيق غاية أخرى، فالحضارات لم تنقل عن بعضها القيم والغايات العليا، بل نقلت الطرق والأدوات والمعارف، لذا أصبحت الأداة التي تقتبس من حضارة إلى حضارة أخرى، تستخدم لتحقيق غاية مختلفة.
مسارات الخطاب الإسلامي
منذ سبعينيات القرن العشرين والخطاب الإسلامي يتجه نحو مسارات ثلاثة، تبدو في النهاية مثل المسارات الرئيسة لحركة النهوض الإسلامي، والتي تحدد حالة الحركة الإسلامية من داخلها، كما تحدد موقعها من خصومها، وموقعها من تحقيق أهدافها. فحالة التدافع الحضاري الحادثة بين الخطاب السياسي الإسلامي، والخطاب السياسي الغربي، تؤدي إلى توزيع رد الفعل على مسارات ثلاثة.
وفي المسار الأول سنجد محاولة للاستفادة من المؤسسية السياسية للخطاب الغربي، داخل بنية الخطاب السياسي الإسلامي. والسبب في هذا، أن المؤسسية السياسية تمثل معرفةً وعلمًا بطرق تنفيذ المؤسسة وبناء قدراتها، واختيار الحكام. وبالتالي يمكن القول بأن المؤسسية السياسية هي المعرفة التقنية أو العلم التكنولوجي في المجال السياسي. والخطاب السياسي الإصلاحي الإسلامي، منذ بداية تأسيسه كخطاب لاستعادة المرجعية الإسلامية، وهو يركز على أهمية الاستفادة من الآليات الموجودة في التجربة الغربية السياسية، وأصبح التحدي الأساسي الذي يواجه هذا المسار، هو كيفية التمييز بين الأدوات وبين الغايات، بحيث يصبح اقتباس المؤسسية السياسية الغربية كآلية، غير مؤثر على الفكرة السياسية الإسلامية.
وبسبب المخاوف من تأثر الفكرة السياسية الإسلامية بسبب ما يقتبس من مؤسسية سياسية من التجربة الغربية، ظهر خطاب المفاصلة السياسية الذي بدأ من سبعينيات القرن العشرين واستمر بعد ذلك، مشكلاً المسار الثاني. والهدف من هذا الخطاب، هو فصل الخطاب الإسلامي عن الخطاب الغربي، حتى لا يقع الخطاب الإسلامي تحت أي نوع من الاستلاب ولو الجزئي بسب هيمنة الخطاب السياسي الغربي على واقع الأمة، وبسبب استخدام هذا الخطاب من قبل النخب الحاكمة كوسيلة لتحقيق مشروع العلمنة والتغريب.
أما المسار الثالث فقد ظهر بعد سيادة النموذج الغربي بصورة كاسحة في البلاد العربية والإسلامية، حيث بدأت تظهر محاولات للتصالح بين الخطاب الإسلامي والخطاب الغربي، تجعل من الممكن تبني الخطاب السياسي الغربي بكامله، دون تبني الخطاب الغربي الحضاري، وإقامة الحياة السياسية على النموذج الغربي، باعتباره النموذج السياسي الحديث. وبهذا أصبح المسار الثالث يقدم محاولة للتوفيق بين المشروع الحضاري الإسلامي والخطاب السياسي الغربي، بحيث يتم تحقيق المشروع الحضاري الإسلامي مع الاحتفاظ بالخطاب السياسي الغربي، وبعد الاستغناء عن وجود خطاب سياسي إسلامي له بنيته الخاصة أو تميزه الخاص.
ويقبل هذا المسار تبني المؤسسية السياسية الغربية بكل أهدافها وغاياتها، بحيث يصبح المجال السياسي تحت الهيمنة الكاملة للنموذج الغربي، مع بقاء المجال الاجتماعي والثقافي تحت هيمنة النموذج الإسلامي.
وبين رفض كامل للتجربة الغربية السياسية، وتبني كامل لها، تصبح عملية التعلم الانتقائي من التجربة السياسية الغربية، أكثر صعوبة، ولكن مسار النهضة هو المعيار المهم، فالنهضة كما أوضحنا هي التميز الحضاري، الذي يتعلم من تجارب الآخرين، ويقدم نموذجًا له تميزه الخاص. وكل تعلم من الآخرين لا ينتج تقليدًا لهم، بل ينتج منتجًا جديدًا وتميزًا خاصًّا، هو تعلم داخل مسار النهضة. فالنتيجة النهائية للحضارة المتقدمة، تتمثل في بناء جديد متميز يختلف عن غيره، رغم أنه تعلم من الآخرين، ولكنه تمسك بتميزه، بوصفه المعيار الأعلى والغاية النهائية.
مسار التفاعل الداخلي
دخلت الحركة الإسلامية عبر العقود في حالة تفاعل داخلي مناظر لحالة التفاعل مع المشروع السياسي الغربي. فأصبح التفاعل الداخلي يمثل حالة الفرز الداخلية للأفكار التي تنادي بها الحركة الإسلامية في المجال السياسي، وتحولت المواجهة مع المشروع السياسي الغربي، إلى حالة جدل داخل مكونات الحركة الإسلامية نفسها، لتحديد ما يناسب الحركة الإسلامية من مفردات العصر، ومن التجربة السياسية الغربية، وما لا يناسبها، ولكن حالة الجدل الداخلي لم تسر في مسار مستقيم، بل غلب عليها حالة التفاعل، حسب مقتضيات الظروف الخارجية التي تمر بها الحركة الإسلامية، مما نتج عنه تعدد مسارات الخطاب السياسي الإسلامي، ما بين مسار التمييز والمفاصلة، ومسار التقريب والاندماج، وتشكلت بذلك موجات، تتداخل تأثيراتها ودوائرها، لتصنع حالة من التشكل التدريجي للخطاب السياسي الإسلامي السائد، أو الذي سيسود في النهاية.
فمع نهاية الستينيات تشكلت موجة للاتجاه نحو اليمين، حيث يبرز خطاب المفاصلة مع الخطاب السياسي الغربي، ليتم بناء خطاب سياسي إسلامي يستخدم مفرداته الخاصة، ويفصل نفسه تمامًا عن أي شبه مع الخطاب السياسي الغربي. واستخدم هذا الخطاب لغة الفقه السياسي الإسلامي التقليدي، دون أي تجديد فيها. واتضح من مسار هذا الاتجاه أنه يتراجع أحيانًا، وتخف حدته، ثم يعود مرة أخرى من جديد.
وفي المقابل نجد موجات من التوجه يسارًا، ظهرت خاصة منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين، حيث يميل الخطاب السياسي الإسلامي لتأكيد المشترك بينه وبين الخطاب السياسي الغربي، بوصف الأخير ممثلاً للخطاب السياسي المعاصر. وهنا يتجه الخطاب الإسلامي لاستخدام لغة الحقوق العامة، ويقبل استخدام المصطلح الغربي، حتى وإن أعاد تعريفه بصورة مختلفة أحيانًا، وهو ما يبني مساحات مشتركة ما بين الخطاب الإسلامي والخطاب الغربي.
الدورة التفاعلية
إذا تابعنا خطاب المفاصلة التقليدي، وخطاب المشترك الحقوقي، سنجد أننا بصدد دورات من الاقتراب والابتعاد عن الخطاب السياسي الغربي. وأيضًا سنجد أنفسنا بصدد دورات من التركيز على مميزات الخطاب الإسلامي الخاصة، ودورات من التركيز على المتشابه بين الخطابات السياسية. والواضح أن كل دورة تبشر بالدورة التالية لها. فكلما أصبح الخطاب السياسي الإسلامي قريب الشبه ولو ظاهريًّا من الخطاب السياسي الغربي، جاءت دورة التركيز على الملامح الخاصة بالخطاب السياسي الإسلامي، وإبراز تميزه عن الخطاب الغربي. وكلما استغرق الخطاب السياسي الإسلامي في التقليدية والتميز، ظهرت موجة من التقريب مع الخطاب السياسي الغربي.
وهذه الدورات تفرز الحالة الإسلامية من داخلها. ففي الدورة المتجهة نحو اليمين، تفرز التوجهات شديدة التطرف، وتعزل تدريجيًّا لعدم واقعيتها أو لعزلتها الشديدة عن الواقع. وفي الدورات المتجهة نحو اليسار، تفرز التوجهات التي تندمج في الخطاب السياسي الغربي، وتفقد بالتالي تمييزها. وبحركة البندول، تبرز المقومات الأساسية للفكرة السياسية الإسلامية وتكتسب حصانة ضد التمييع أو الاندماج في غيرها من المشاريع خاصة الغربية. كما تبرز مساحة المرونة اللازمة للتعلم من تجارب الآخرين، مع الحفاظ على الثوابت، مما يعطي الخطاب الإسلامي فرصة الاستفادة من التجارب السياسية المعاصرة، ومنها التجربة السياسية الغربية. وبهذا تتم تقوية موضع الوسط في الخطاب السياسي الإسلامي، حيث إنه لا يفرز في أي موجة من الموجات، سواء تلك المتجه يمينًا أو تلك المتجه يسارًا، ويظل الوسط وسطًا في حالة التوجه نحو المفاصلة، وفي حالة التوجه نحو المرونة والتعلم من التجارب الأخرى.
ومع هزات حركة البندول يتقوى الخطاب السياسي الإسلامي الوسطي، والذي يستطيع فرز الثوابت عن المتغيرات، والاستفادة من آليات العمل السياسي الغربي وتطويعها لخدمة الغايات السياسية الإسلامية. فحالة الفرز والتفاعل داخل الحركة الإسلامية، هي التي تبني البنية السياسية للخطاب السياسي الإسلامي الناهض.