الاختلاف سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، هكذا خلقهم، وهكذا كانت مشيئته منذ الأزل!

 

ولذلك استوعب أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين- الخلافات التي اعترضتهم حين آلت إليهم أمور الدولة الإسلامية، ووضعوها في نصابها الصحيح، وتعاملوا مع الواقع البشري كما خلقه الله سبحانه.

 

اختلف سادتنا أبو بكر وعمر، واختلف خالد مع عمر، واختلف أبو ذر مع عثمان وغير ذلك كثير وكثير، ولم يستطع أحد من المهيجين أن يستغل هذه الخلافات بين كبار الصحابة في إشعال نوازع الحقد والضغينة بين نفوسهم الكبيرة أبدًا في فترة الخلافة الرشيدة وعصور القوة والعزة الإسلامية.

 

وما لنا نذهب بعيدًا؛ وقد اختلف الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع معروفة، وما صلح الحديبية بمجهولٍ عن أحد من المسلمين!.

 

إن القرآن الكريم، دستور المسلمين كلام رب العالمين هو الذي يربى المسلم على تقبل الاختلاف كطبيعة بشرية، وقد وضع القرآن الكريم القواعد والأصول لتقبل هذا الاختلاف والتعامل معه.

 

وقد ذهب القرآن الكريم إلى أبعد مدى حين لم ينفِ الإيمان والأخوة عن المؤمنين إذا اختلفوا حتى وإن وصل الأمر إلى الاقتتال فيما بينهم، بل دعا إلى الإصلاح بينهما، كما يعرف كل طفل مسلم صغير يحفظ سورة الحجرات.

 

هذه من المفترض بديهيات إنسانية وإسلامية وعقلية.

 

بيد أننا في هذا العصر العجيب مضطرون للتذكير بأن الشمس هي ما نسميها شمسًا وتظهر في السماء وتنير الكون نهارًا، وبأن القمر هو ذلك الجرم السماوي الذي يظهر في السماء ليلاً ونطلق عليه لفظة القمر!!.

 

عندما يختلف فردٌ مع جماعةٍ أو حزب أو دولة أو عائلة أو قبيلة أو أي تجمع بشري أو فريق كرة للقدم؛ فهذا حقه الإنساني.

 

ومن حق كل مختلفٍ أن يفاصل ويترك مَن خالفهم، إذا رأى أن خلافه تعدَّى مرحلة التعايش، أو يصطدم بما يؤمن به أو بما يحقق مصلحته الشخصية، أو يتعارض مع أفكاره ومع ما يؤمن به، أو يقف حجر عثرةً أمام طموحاته وأحلامه سواء السياسية أو المادية أو الفكرية أو حتى المهلبية والملوخية.

 

حدث هذا وما زال يحدث، وسيظل يحدث إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها في جميع الأحزاب والدول والجماعات والقبائل.

 

لا أعتقد أن الحدث والخبر هو أن فلان أو علان قد ترك الحزب الفلاني أو العلاني.

 

ولكن الحدث والخبر هو أن الحزب الفلاني أو العلاني يطلب ممن تركوه أو فصلهم الالتزام بسياساته أو تنفيذ أوامره الحزبية!!.

 

ولنا أن نتخيل على سبيل المثال مطالبة النادي الأهلي للاعبه السابق العملاق- أفضل حارس مرمى إفريقي وعربي- ألا يصد كرات لاعبي الأهلي عند لقاء الأهلي وأحد الأندية الجديدة التي يلعب فيها الحضري بعد هروبه من الأهلي، لفضل الأهلي السابق على الحضري!

 

أظن هذا المثال الخيالي السابق يُثير الضحك، ويدخل في باب اللامعقول والعبثي والاستهبالي والاستعباطي.

 

فما بالنا إذا انعكس المثال السابق وطالب الحضري النادي الأهلي ولاعبيه بعدم تسجيل أي أهداف في مرماه، وترك المباراة ليكسبها ويفوز بها نادي الحضري الجديد، إكرامًا للحضري صاحب الأفضال على الأهلي!!!!!!!!!!!!!.

 

أعتقد أننا في هذه الحالة قد تجاوزنا اللامعقول والعبثي والاستهبالي والاستعباطي بمسافات لا نجد لها تعبيرات مهذبة في اللغة، ونترك التعبير عنها لجماهير الكرة المتعصبة بقاموسها المؤذي الذي يعرفه السادة القراء أعزَّهم الله ووقى أسماعهم من كل بذيء وقبيح.

 

للأسف هناك بعض الإخوة الأعزاء قد فاصالوا الإخوان المسلمين وتركوهم وتركوا جماعتهم المحظورة اعتراضًا منهم- حسب رواياتهم هم أنفسهم وتصريحاتهم التي لا تنتهي- على الجماعة ومنهجها وتصرفات قيادتها.

 

إلى هنا والحدث حدث أقل من العادي، على المستوى السياسي واللإنساني، حدث من قبل مع النبي صلى الله عليه وسلم حين ارتد زوج السيدة حبيبة رضي الله عنها وأرضاها، وتنصَّر في الحبشة وترك الإسلام والمسلمين.

 

وحتى لا يتصيد المتصيدون والسادة المتفذلكون الذين يعيشون ويسترزقون من أخبار الإخوان وما يصدر عنهم من تصريحاتٍ أو أقوال أو أفعال نؤكد ونُبيِّن أننا لا نقصد التشبيه التام، وهذا من المفترض أن يعرفه ويفهمه كل ذي عقل، ولكن لا مانع أن نُؤكِّد ونُبيِّن ونوضح ونشرح ونسهب ونفيض ونعيد ونؤكد أننا لا نشبه مَن خرج من الإخوان تنظيميًّا أو فكريًّا بمَن ترك النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولكننا نضرب المثل لنوضح أن ترك الجماعة أو الحزب ليس أمرًا شاذًّا أو خارقًا للعادات، أو أمرًا يشين الأحزاب أو الجماعات أو الأديان أو الدول.. إلخ.

 

الاستطراد السابق ليس تحرزًا من لا شيء، كما تعتقد عزيزي وأخي القارئ الكريم، فلو طالعت العدد الأخير من مجلة أسبوعية وقرأت تصريحات أحد الإخوان السابقين وهو يقول إن المرشد الجديد الأستاذ محمد بديع يُكفِّر مَن ينتقد الإخوان، واستنبط سعادته واستنتج ذلك من استشهاد فضيلة المرشد بآياتِ الإفك عند تناوله للإشاعات والتخرصات التي طالت المجتمع الإخوني إبَّان انتخاباتهم الأخيرة، وما صاحب هذا من لغطٍ وافتراءات!.

 

إن الأخ السابق والباحث والخبير في الجماعات الإسلامية الحالي- كما يصف نفسه- رأى أن الاستشهاد بالآيات الكريمة يعني تنزيل نفس الأحكام التي تضمنتها بنصها وحرفيتها على مَن خاطبهم المرشد! وهذا لعمري شطط عجيب أنأى بمسلم أيًّا كان أن يقع فيه فضلاً عن أخ حالي أو سابق أو مُحَلِّل أو مُحَلَّل، وليذهب إلى طالبٍ أزهري أو طالب علم شرعي في السنوات الأولى أو الكيجيهات الشرعية- إن جاز التعبير- ليسأله عن صحة استنتاجه أو خطئه.

 

نعود إلى ظاهرة الانشقاق أو الخروج أو الفصل من الجماعة "المحظورة"، فنقول إن الخروج من الجماعة أمر طبيعي، حدث مع الأستاذ المؤسس الشهيد حسن البنا رحمه الله ورضي عنه، فقد فارقه صديقه وشريكه في تأسيس الجماعة أحمد السكري رحمه الله، وغيره الكثير، منهم الشاب أحمد رفعت الذي لم يعجبه منهج الإخوان التربوي وعدم ذهاب الإخوان للجهاد في فلسطين فورًا، فترك الإخوان وذهب إلى فلسطين، وسيطول بنا المقام إذا أخذنا في تعديد أسماء مَن خرجوا أو فُصلوا أو انسحبوا أو غير ذلك من الأمور الروتينية لجماعةٍ بحجم جماعة الإخوان.

 

فما السؤال الهام والمهم والأهم إذًا؟

السؤال يكون لمَن ترك وفاصل واختلف: لقد اختلفت ولقد تركت؛ فماذا فعلت بعد ذلك؟

 

إن الإخوان السابقين الذين يملئون الدنيا ضجيجًا وصراخًا، وللأسف تجريحًا وكثيرًا من المغالطات والافتراءات، يقولون إنهم تركوا الإخوان- كما سبق أن ذكرنا- لاختلافهم مع منهج الجماعة الحالي والقيادة وطريقتها، أو خلط الدعوي بالسياسي أو غير ذلك من أسباب صغُرت أم كبُرت.

 

وحتى لا يطول منا المقال أكثر من ذلك نذكر هؤلاء الإخوة السابقين في الإخوان، والإخوة الحاليين في الإسلام والوطن، أننا لم نرَ من أحدهم شيئًا يُذكر من العمل للمبادئ التي تركوا الإخوان من أجلها.

 

لم نرَ غير استرزاقٍ- للأسف ولا بد أن نقولها- على شتيمة الإخوان وكيل الاتهامات والافتراءات لهم ولرموزهم، خاصةً نسبة الأقوال لمَن مات منهم ولا يستطيع الرد أو التكذيب!.

 

فمن العجب العُجاب أن يقوم أحدكم ليدعي أن الأستاذ المرشد الأسبق مصطفى مشهور رحمه الله صرَّح له بأن الإخوان سيصلون إلى الحكم بالقوة، ولا نسأل لماذا قال الشيخ الذي قضى عمره في السجن ويصفه هذا المدعي شخصيًّا بأنه كان يتمتع بالمكر والدهاء السياسي الشديد، لماذا يُصرِّح الأستاذ مشهور لهذا الشاب الذي لا يتعدى عمره آنذاك العشرينيات دون غيره بهذا التصريح، الذي يتذكره هذا الأخ السابق بعد مفارقة الجماعة 14 سنة؟ ولماذا قَبِل هذا الألمعي منهج الإخوان آنذاك إن كان لا يختلف عن منهج الجماعة الإسلامية والجهاد وغيرهما من الجماعات التي كانت تنتشر في بلده بالصعيد؟!

 

وحتى لا يفهم كلامنا أنه مجرد مبارزة على الورق نوضح فكرتنا بالتالي:

اختلف الشيخ حسن الترابي مع الإخوان في السودان وتركهم، ولكن الرجل عمل واجتهد لما هو مؤمن به وسواء أصاب أم أخطأ، إلا أن الرجل كان صاحب فكر اجتهد في سبيل تحقيقه بوسائله التي تختلف عن وسائل الإخوان وفارقوه وفارقهم من أجلها.

 

أيضًا كان لجبهة الإنقاذ منهجًا في تغيير المجتمع مختلفًا عن الإخوان واجتهدوا في تحقيقه ولهم أجر اجتهادهم وعملهم عند الله سبحانه.

 

ولعل الإخوة الباحثين والخبراء في الحركات الإسلامية يعرفون أكثر مني بكثير في هذا الجانب، فلنا أن نسألهم بوضوح وصوت عالِ:

إذا كان الإخوان قد اختطفوا الوطن وحادوا عن النهج و.. وووو.. إلخ هذه الاتهامات التي تركتم الإخوان بسببها؛ فأين ما قدمتموه أنتم للوطن وللدين وللإنسانية، خاصةً أنكم قادة كبار لا يجوز في حقكم أن تقضوا حياتكم وتختصروا جهادكم في عمل واحد هو شتيمة الإخوان وكأنكم فؤاد علام أو حمدي رزق أو أحمد موسى أو عبد الرحيم علي.

 

لقد ضربتُ لكم مثالين لمَن اختلف وهو صاحب فكر وقيادة وعمل فلماذا لا تعملون بفكركم المستنير لعل مصر تشهد على أيديكم ما يُخرجها من اختطاف الإخوان وتقدمون نموذجًا يتعلم منه الإخوان، ونشهد لكم أنكم كنتم صادقين حين اختلفتم، وكنتم موفقين حين فارقتم.

 

أطرف ما يمكن أن نختم به هذا المقال الذي هو أطول من الليل البهيم والليل الجاموس هو طمأنة الإخواني السابق الباحث والخبير في الجماعات الإسلامية لمحاورته بمجلة الإذاعة والتلفزيون من أن الإخوان غير قادرين على الانتقام منه أو بمعنى أدق- كما قالت المحاورة- اغتياله!.

 

ونحن ننضم إليه ونقسم له بالله تعالى أنه صادق صادق صادق هذه المرة على عكس ما تعوَّد عليه من فبركات، فالإخوان فعلاً غير قادرين على الانتقام منه أو من غيره؛ لأن دينهم وإسلامهم يمنعهم من ذلك ويغل أيديهم عن ذلك، ويمنعهم مما هو أقل من ذلك وهو الدخول في مهاترات صغيرة كتلك التي اعتاد عليها خصومهم.

 

في النهاية لا يسعنا إلا أن نتوجه بالاعتذار لكابتن مصر عصام الحضري، وكذلك نعتذر للنادي الأهلي.