عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قرارها في الرابع من مارس 2009م لتؤكد على مذكرة المدعي العام للمحكمة؛ الذي طالب باعتقال الرئيس البشير وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته لعدد من الجرائم التي نسبها المدعي العام للبشير كان التعرُّض لطائرة الرئيس البشير من الموضوعات الافتراضية البعيدة عن البحث الجادّ.
ولكن بمضيِّ الأيام بدأت تظهر مواقف رسمية من بعض الدول تَعتبر أن التعرُّض لطائرة الرئيس البشير مسألة ممكنة، وأن الالتزام بذلك هو ممارسة مشروعة لتطبيق قرار دولي مشروع؛ فقد صرَّح المدعي العام للمحكمة يوم صدور القرار بأنه يعتبر صدور القرار انتصارًا شخصيًّا له، وأضاف أن جميع دول العالم ملتزمة بتفيذ القرار، سواءٌ كانت دولاً أطرافًا في نظام روما، وذلك بموجب التزاماتها في هذا النظام، والتعاون مع المحكمة في هذا الشأن، كما أن الدول غير الأطراف ملتزمة بمثل هذا التعاون بموجب عضويتها في الأمم المتحدة.
ولكن هذا التصريح الذي يحتمل التصدي للرئيس البشير قد أثار المخاوف من احتمال التفكير في ذلك فعلاً، ثم اقتربت المخاوف من الواقع بعد أن أعلنت الإدارة الأمريكية أن الرئيس البشير بعد هذا القرار يُعتبر هاربًا من العدالة، ثم كان الموقف الفرنسي الذي أعلنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية يوم 15 مارس 2009م، وقد ردَّ الرئيس البشير على ذلك بأنه سوف يحضر القمة العربية بالدوحة رغم كل هذه التهديدات.
معنى ذلك أن المشهد الحالي يقف فيه حدثان:
الأول: تربُّصٌ من جانب الغرب، واحتمال قيام "إسرائيل" نيابةً عن الغرب بذلك.
الثاني: استهجان العالم العربي والإفريقي، وكذلك تحدي السودان.
فهل التهديد حرب نفسية ضمن ما شنَّه المدعي العام ضد الرئيس البشير أم أن هذا التهديد حقيقيٌّ، ويمكن أن ينفَّذ فعلاً ما دام المجتمع الدولي تحكمه قواعد البلطجة الدولية باسم القانون الدولي، وما دامت الدولة الأقوى هي التي تدفع الآخرين إلى البحث عن القانون والشرعية؟!
لقد تزايدت المخاوف من تنفيذ مثل هذه التهديدات بعد تعيين مبعوث أمريكا الخاص إلى السودان، وهو قد تربَّى في صفوف الجيش الأمريكي وفي قوات حلف الأطلسي، وهو جنرال طيران سابق، له تاريخ طويل في هذا المجال، ولذلك فإن مجرد تعيين ممثِّل خاص لأوباما في السودان- رغم أن البعثات الأمريكية العديدة في الخرطوم تغطي قضايا السودان، بالإضافة إلى الطابع العسكري لهذا المبعوث، ثم توارد تقارير عن أن حلف الأطلسي يريد أن يقوم بدور مساند للمحكمة الجنائية الدولية يشبه الدور الذي قام به في تسوية البوسنة، وكذلك ما يقوم به الآن في أفغانستان- يزيد الشك والريبة.
ومعنى ذلك أن اعتراض الرئيس البشير في الجوّ، والذي يؤدي حتمًا إلى آثار بالغة الخطر في السودان وفي المنطقة بأسرها؛ يمكن أن تقوم به طائرات حلف الأطلسي أو الطائرات الأمريكية أو الطائرات "الإسرائيلية" في سابقةٍ لها ما بعدها، وبذلك تكون الولايات المتحدة في عهد أوباما قد أتت بتغيير حقيقي يترحَّم العالم في ظلِّه على أيام الرئيس بوش!!.
أما احتمال قيام "إسرائيل" بهذه المهمة فهو احتمال أكبر، خاصةً أن "إسرائيل" تبحث لها عن انتصار بعد هزائمها في لبنان وغزة، وهذا انتصارٌ رخيصٌ غير مكلِّف، في ضوء ما يمكن توقعه من ردود فعل عربية أو دولية، كما أن "إسرائيل" تدَّعي أنها هي التي تطبِّق القانون الدولي الصحيح، وأن ما قامت به في غزة كان نيابةً عن المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب، فهي بمثل هذا العمل تريد أن تخرج من الحلقة التي يتم التضييق عليها فيها بعد أحداث غزة، وفي ظل التزامات السلام التي تبدو الحكومة الجديدة غير مستعدة لأي منها.
يضاف إلى ذلك أنه سبق لـ"إسرائيل" أن أعلنت خلال عدوانها على لبنان عام 2006م أنها قامت بهذه العمليات تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 1559، الذي يدعو إلى نزع سلاح حزب الله وتفكيك قواته العسكرية، وهكذا تدَّعي "إسرائيل"- التي تعمل خارج دائرة أي شرعية دولية- أنها هي التي تؤكد وتؤمِّن أركان الشرعية الدولية، ولا شك أن "إسرائيل" تستطيع أن تدَّعي بأنها تساهم في تنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرارٌ حتى الآن مشروعٌ لم يتحدَّه أحد من الناحية القانونية، ولا يزال مطروحًا حتى الآن.
كذلك فإن من مكاسب "إسرائيل" في تنفيذ هذه المغامرة- التي لا شكَّ ستؤيدها الولايات المتحدة والغرب- تبديد "أوهام" العالم العربي بأنه يمكن أن يرى يومًا أحد المجرمين "الإسرائيليين" أمام المحكمة الجنائية الدولية، فما دامت هي الشرطي المكلَّف بتنفيذ أحكام المحكمة فلا يمكن أن تمثُل هي متهمةً أمام هذه المحكمة.
من الناحية القانونية الدقيقة فإن تعرُّض أي دولة لطائرة الرئيس البشير يُعتبر قرصنةً جويةً واعتداءً على سيادة السودان وانتهاكًا للحصانة التي يتمتع بها الرئيس وطائرته، سواءٌ تم التعرض في الأجواء الإقليمية أو الدولية، وقد سبق للولايات المتحدة أن ألقت القبض على الرئيس نورييجا رئيس بناما في غرفة نومه، ولم تجد المحكمة العليا الأمريكية حرجًا في محاكمته بتهم دبَّرتها المخابرات الأمريكية؛ بسبب عدم استمرار تعاونه معها.
كذلك فإن "إسرائيل" قد اختطفت أدولف إيخمان الألماني المتهم بالمشاركة في الهولوكوست من الأرجنتين، وحاكمته في "إسرائيل" وأعدمته وادَّعت لمحاكم "إسرائيل" سلطاتٍ لم يعرفها القانون الدولي في جميع العصور.