قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)﴾ (الأنعام) صدق الله العظيم.. يقول أديب الشهداء وشهيد الأدباء الأستاذ سيد قطب في ظلال هذه الآية إنه ليس من الصعوبة أن تكتشف وتستبين سبيل الإجرام والمجرمين مع الكافرين الملحدين الذين يُنكرون وجود الله بالكلية أو المشركين أو الذين على غير دين الإسلام، ولكن من الصعب على الحركات الإسلامية وضع الحدود والمعالم الفاصلة بين سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين, في أوطانٍ كانت في يومٍ من الأيام دارًا للإسلام, يُسيطر عليها دين الله, وتحكم بشريعته.. ثم إذا هذه الأقوام, تهجر الإسلام حقيقةً, وتُعلنه اسمًا، وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادًا وواقعًا، وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادًا.

 

ودائمًا ما يستغل المجرمون اختلاط المفاهيم لتمرير الإجرام دون أن يعترض أحد بل ويزينون لإجرامهم وباطلهم، راغبين قلب الحقائق، ويستغلون في ذلك جهل الشعوب وانشغال مَن يعلم الحقيقة منهم بالكفافِ من العيش؛ وذلك لضعف اليقين عندهم بأن الرزقَ والأجلَ بيد الله عزَّ وجلَّ، مستخدمين ضد مَن يفهمون الحقيقة ذهب المعز وسيفه، فهناك مَن يرهبه السيف، وهناك مَن يرغبه الذهب، ولا يبقي إلا فئة قليلة في كل زمان ومكان ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خالفهم أو خذلهم، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

ومن أساليب إجرام المجرمين مع الظاهرين على الحقِّ هو الإجرام الإعلامي، ولهم في كل زمان أبواق من نخاسين الإعلام أمثال نخاسين الصحافة والتلفزيون في هذا الزمان يحاولون من خلاله تزييف الوعي وتزوير المعارف وخلق مناخ إعلامي يسمح بالتنكيل بأنصار الحق ودعاته، إنها صورة مكررة لما فعله فرعون حين قال كما ورد في القران الكريم: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ (غافر: من الآية 26)، يقول العلماء "ذروني" أي اجعلوا مناخًا وجوًّا إعلاميًّا مهيئًا لعملية القتل.

 

وفي هذا الزمان نسأل كم من الناس يشعر بالظلم والنهب الذي تمَّ في العراق بأيدي الحكام المسلمين، وقد صنفت أمريكا مصر والسعودية في حرب العراق بأن كلاًّ منهما كان صديقًا متعاونًا في هذه الحرب في حين صنفت ألمانيا بالحليف الصامت، ومَن يشعر بما يفعله الكيان الصهيوني في فلسطين بمساعدة الحكام المسلمين له بالوقود، وأي وقود؛ إنه أرقى أنواع الوقود "الغاز الطبيعي"، وبثمن بخس مقارنةً بالأسعار العالمية؛ حتى تستطيع بهذه الإمدادات القضاء على الحركات الإسلامية ومساعدة الكيان بالحديد لبناء الجدار العازل كي تتم عملية الفصل العنصري، ويستطيع الصهاينة أن يعيشوا في أمان بعيدًا عن التنغيص عليهم من "الإرهابيين" أصحاب الأرض الذين يطالبون بأرضهم وما فعلته الدول العربية، وعلى رأسها مصر من دور خسيس في احتلال أفغانستان والعمل على إضعاف جميع الدول التي تساند حركات المقاومة، والسعي الحثيث على دخول مَن يحاول أن يستأسد إلى حلبة الخزي والعار والاستسلام والدخول في دائرة العمالة.

 

والغريب أنك لو حاولت معرفة السبب فإنك لا تجد سوى الكذب والتضليل والتبرير والظهور بمظهر المصلحين، وإن خلاف ذلك هو الفساد، وهو نفس منطق فرعون مع سيدنا موسي قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26)، وقال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29) صدق الله العظيم، وسخَّروا لذلك شخصيات إعلامية قمَّة في البرود وعدم الإحساس، فإذا تمَّ توجيه النقد أو الهجوم على هذه الأنظمة تتصدَّى لك هذه الشخصيات بمبررات وتبريرات أكثر برودةً منهم، وكأنهم كانوا يرضعون الثلج في طفولتهم.

 

ولكن إذا كان هؤلاء الحكام وأعوانهم والملأ الأمني والإعلامي الذين من حولهم قد خانوا أنفسهم وأماناتهم، وخانوا الله والرسول واختاروا سبيل المجرمين.. فالسؤال الملح لماذا تختار الشعوب طريقَ المتخاذلين المستضعفين؟ ولماذا ترضى بالذل والهوان؟ فالحقوق لا تُوهب ولكن تُنتزع، فان كان الحكام وأعوانهم اختاروا سبيل المجرمين فلا تكن الشعوب مشاركةً في هذا الإجرام بالسكوت عليهم والاستسلام لهم سواء خوفًا أو طمعًا؛ لأن في الحالين ذنبًا كبيرًا نُحاسب عليه، وفي كل الأحوال فإن الله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.