![]() |
|
جمال ماضي |
بكِ أوصانا الله بعد عبادته: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: من الآية 36).
ولا تكون الوصية من الله إلا لعظم الوصية، وجزيل الثواب منه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)﴾ )لقمان).
فعيدك يا أمي في كل أوقاتي بما فضلك به الله في ثلاثة مواضع: في الحمل والولادة والإرضاع، تنفردين بهن، بل قال البعض أربعة، فالرابعة بمشاركتك في التربية مع الأب.
وبعد شكر الله شكر الوالدين بل قال ابن عباس: ثلاث آيات مقرونات بثلاث ولا تقبل واحدة بغير قرينتها:
- ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فمن أطاع الله ولم يطع رسوله لم يقبل منه.
- ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه.
- ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾: فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه.
صلى عليك الله يا خير الناس، وفمك ينطق بالحق "رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما"، حتى عن الجهاد وعن الهجرة: فعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان (وكأنها بطولة)، فقال رسول الله: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، ويأتي آخر ليستأذن رسول الله في الجهاد، فأمره أن يرجع ويبر أمه، ولما كرر عليه قال صلى الله عليه وسلم: "ويحك.. الزم رجلها.. فثم الجنة".
ويا لها من دموع شريفة، وعبرات ساخنة، من الحبيب المصطفى، حينما وقف على قبر أمه ومعه أصحابه، وجيش تعداده ألف فارس، فأبكى من حوله.
وهكذا أنبياء الله، هذا نوح يقول ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (نوح: من الآية 28)، وهذا إبراهيم رغم عداء أبيه له، يقول له ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (مريم: من الآية 47)، وهذا إسماعيل يرى ذبحه ويقول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: من الآية 102)، ولذا فقد مدح الله يحيي بقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14)﴾ (مريم 14) ويقول عيسى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)﴾ (مريم).
وبعد كل ذلك: هل طاعة الوالدين تتعارض مع طاعة الله؟
الطاعة لله مطلقة أما طاعة الوالدين فالله جعل لها حدًّا حيث القاعدة: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ورضي الله عن سعد بن أبي وقاص حينما علمت أمه بإسلامه فامتنعت عن الأكل حتى يرجع عن دينه فأبى، وكلمها ثلاثة أيام لتأكل وهي تأبى، فقال لها: لو أن لك مائة نفس فخرجت نفس نفس ما رجعت عن ديني، فلما رأت منه ثباتًا وصلابةً أكلت، فنزل فيه، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: من الآية 15).
وتأمل معي هذه الإشراقات القرآنية في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء).
1- نحن المخاطَبين:
فوقت نزولها لم يكن للنبي أب أو أم: فكم سهرا لتنام، وكم بكيا لتضحك، وكم جاعا لتشبع، وكم تلذذا بضمك مع إزعاجك، وكم تلذذا بشمك مع عدم نظافتك، وكم سعدا بك وأنت لا تدري.
2- يبلغن عندك الكبر:
عندك وليس في دور المسنين، أو في الشوارع مطرودين، فهما في الكبر أحوج، لحاجتهما إلى المساعدة، وها هو صوت النبي يرويه أبو هريرة: "رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه"، قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر أو كليهما ثم لم يدخل الجنة".
3- لا أفٍ ولا نهر:
لا أفٍ في القول وهذا في حال الطاعة، ولا نهر في حال المعصية، وقد حذر الإسلام من العقوق فكل الذنوب يؤخر الله فيها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات، تروي كتب الأدب عن شاب جر أباه ليذبحه، وعندما وصل إلى مكان حجرة، قال الأب لابنه: اذبحني هنا فقد ذبحت أبي هنا.
لقد جاء رجل يقول: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت رمضان، فقال الحبيب: "من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا"، ونصب أصبعيه، ما لم يعق والديه.
4- قل لهما قولاً كريمًا:
في القرآن: وقولوا للناس حسنًا، فالقول الحسن مع كل الناس، والقول السديد مع المؤمنين، وهنا القول الكريم مع الوالدين، والكريم يعطي بلا حد، وبلا سؤال، وبلا انقطاع.
5- كن ذليلاً لهما:
هكذا قال السلف: كن ذليلاً ولا تكن ذلولاً، والسر في ذلك أن الذلول ظاهر والذل في داخل النفس، فإن توفر الذل ظهر الذلول وهي اللين والرقة والبشاشة والهشاشة، وليس في ذلك ضعفًا مثل النسر القوى حين يخفض جناحه لصغاره فيبدو ذليلاً وهو القوي.
6- رب ارحمهما:
كما ربياني صغيرًا، ليتذكر الإنسان هذه الفترة العمرية التي كان فيها لا حول له ولا قوة، ودائمًا الإنسان صغيرًا أمام والديه، ليدوم دعاؤه لهما بالرحمة.
قصة من الحياة
وهذه قصة من الحياة، يرويها أشهر الصحابة برًّا بأمه، إنه أبو هريرة يقول:
كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مُشركة فدعوتها يومًا فاسمعتني في رسول الله ما أكره، فأتيت رسول الله وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فاسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت مستبشرًا، فلما جئت قالت: مكانك يا أبا هريرة، فاغتسلت وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فأتيت رسول الله وأنا أبكي من الفرح، فقلت: أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى الله أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا.
يروي ابن سعد بسند صحيح أن رسول الله أعطى أبا هريرة تمرتين، يقول أبو هريرة: فأكلت تمرة وجعلت تمرة في حجري، فقال رسول الله: "يا أبا هريرة لم رفعت هذه التمرة"؟ فقلت: لأمي، فقال: "كلها سنعطيك لها تمرتين"، فأكلتها وأعطاني لها تمرتين.
وكان كلما دخل على أمه قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، قالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا، قالت: رحمك الله كما بررتني كبيرًا.. وكان مما اشتهر عنه: أنه كان من دعائه: اللهم حببني وأمي إلى عبادك المؤمنين.
هكذا يكون عند أمه
ومن التابعين ممن عرفوا ببر الوالدين: يقولون عنه؟ ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع، وروي أنه دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد؟ أيشكي شيئًا؟ قالوا لا: ولكن هكذا يكون عند أمه.
الباب مفتوح بعد موتهما
جاء رجل من بني سلمة قال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما".
ففيهما فجاهد:
قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لرجل استأذنه في الجهاد: "أحيّ والداك"؟ قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد".وأخيرًا:
نحن في غنى عن يوم للأم، أو احتفال بالأم، لأننا في كل لحظاتنا، الأم في وجداننا، وقلوبنا، وأعصابنا، فهل معنى ذلك أن نقاطع الاهتمام بالأم، في أيام الاحتفاء بها؟
يقول الشيخ فيصل مولوي (نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء): "تكريم الأم مطلوب على مدار السنة كلها، واحترامها وطلب مرضاتها وخدمتها وسائر أعمال البر مطلوب طلبًا مؤكدًا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما أصبح مشهورًا على ألسنة جميع الناس... والحرج الشرعي يكون في اعتبار هذا اليوم عيدًا بالمعنى الشرعي، ويكون كذلك في حصر تكريم الأم بهذا اليوم، فإذا انتفى هذان الأمران فلا حرج في تكريم الأم في يوم الأم، إلا عند الذين يعتبرون ذلك من قبيل تقليد غير المسلمين والتشبه بهم، ونحن نعتقد أن تقليد غير المسلمين والتشبه بهم لا يجوز فيما يكون من خصوصياتهم ولا أصل له في شرعنا، أما تكريم الأم فله أصل شرعي معروف وبالتالي فإن هذا الأمر لا يعتبر من التشبه الذي نُهينا عنه".
------------------------
