تلقَّيت خبر وفاته حيث كنت عائدًا من سفر؛ حيث اتصل بي أحد الأحباب مساءً وقال لي: هناك خبر محزن وصعب سأنقله إليك، وسكت برهةً مرت على نفسي كأنها ساعات طوال، سرحت فيها أفكر في هذا الخبر المزعج الحزين، ولم أكن أتخيل مطلقًا أن أتلقَّى ذلك الخبر، حتى أخبرني محدثي بأن المهندس محمد فرح قد تُوفي إلى رحمة الله، فذُهِلتُ من هذه المفاجأة الغريبة، وظننت أن محدثي قد أخطأ في الاسم، إلا أنه أكد لي ثانيةً صحةَ الخبر؛ حيث تُوفي في حادث وهو يقود سيارته.
وعلمت أنه كان في مبيت مع إخوانه لمدة يومين كاملين في تلاوة القرآن وقيام الليل ومدارسة أمور دعوته، وسمعت من أحد المشاركين معه أنه كان يؤمّهم في قيام الليل في ليلته الأخيرة، وأنه أكثر من الدعاء في صلاته، مردِّدًا: "اللهم خذ من دمائنا وعظامنا ولحومنا لنصرة دينك"، وبكى وأبكى المصلين خلفه، ثم بعد أن أنهى يومَيه لبَّى نداء الإخوان في الخروج لنصرة غزة؛ حيث كان عائدًا من وقفة الإخوان في القاهرة لمناصرة غزة الحبيبة، وأنه الذي بدأ بالهتاف هناك لتجميع الإخوان في الوقفة، وتجمعت الألوف حول صوته النديِّ بهتافاته العذبة، وبعد أن انتهى من أداء دوره في الوقفة توضَّأ وصلَّى المغرب والعشاء في القاهرة جمعًا وقصرًا، ثم نوى الذهاب إلى فاقوس عائدًا لإحضار زوجته وأولاده من بيت والدها؛ حيث كانوا يقضون بعضًا من أيام إجازة نصف العام هناك، ولم يرَ المهندس محمد زوجته وأولاده منذ عدة أيام وأخبرهم في طريقه بأن يستعدُّوا فهو في طريق الوصول إليهم؛ حيث كانوا في شوق إليه وفي انتظاره.
نعم.. لقد رحل عنا م. محمد فرح، ولكننا سنظل نذكره.. سنظل نتذكر ابتسامته المعهودة، وسنظل نتذكَّر صوته النديّ في القرآن والإنشاد، وسنظل نتذكَّر بساطته وحبَّه لإخوانه ولدعوته؛ حيث كان من المحبين والمخلصين جدًّا لدعوة الإخوان.
لقد رحل عنا ذلك الفنان المبدع م. محمد فرح؛ حيث كان فنانًا موهوبًا يعبِّر من خلال رسوماته ولوحاته عن فنٍّ راقٍ وعن قيم سامية، وقد شارك في كثير من المعارض بلوحاته ورسوماته، وكان آخرها ذلك المعرض الكبير الذي أُقيم بـ(دار الأوبرا) في القاهرة مناصرةً لرسول الإنسانية "محمد" صلى الله عليه وسلم ضد حملة الإساءة إليه، وعندما تدخل بيته تجد جدران منزله مزيَّنةً بكثير من لوحاته ورسوماته.
أخي الحبيب م. محمد فرح..
لقد رحلت عن دنيانا وذهبت إلى ربٍّ كريمٍ بخاتمة كريمة موفقة، فهنيئًا لك حسن الخاتمة.
لقد تركتنا في هذه الدنيا نصارع شهواتها وجواذبها، وأعلنت رفضك البقاء في دنيا الناس، وانتقلت إلى الدار الآخرة وأنت في ريعان الشباب.
لقد علمنا من الإخوان الذين حضروا جنازتك أن المشهد كان عظيمًا ومهيبًا، وأن الجميع قد تسابق لوداعك والدعاء لك، رغم أن الجنازة كانت في الساعة الثانية صباحًا بعد منتصف الليل.
لقد أثلج صدورَنا خبرُ ثباتِ زوجك وقوةِ تماسكها؛ رغم المصاب الجلل وقسوة الحدث، فهنيئًا لها ذلك، وصدق فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، كما نبشِّرها بقول الحق: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)﴾ (الزمر).
أخي وحبيبي.. نعاهدك على المضيِّ قدمًا في دعوة الله التي كنت تعمل تحت لوائها بصدق وحب، وأننا سنُكمل المسير رغم ما يحاط بنا من صعاب، وأننا على الدرب سائرون، ولدعوتك عاملون، وببيعتك التي بايعت مستمسكون.
وإننا لعلى يقين أنك ستُحشر مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، فتلك بشرى رسولنا الحبيب؛ الذي يقول: "يُحشر المرء مع من أحب"، فهنيئًا لك تلك الصحبة الطيبة.
ونسأل الله أن يرزقنا حسن الخاتمة، وأن يلحقنا بك على خير، وعزاؤنا للإخوان المسلمين في العاشر من رمضان على فقدان ابنهم البار م. محمد فرح.
وإنا لله وإنا إليه راجعون..
----------