قال بعضهم: كان معاذ بن جبل- وهو من فقهاء الأمة المعروفين- أُمّة، فقيل له: ذاك إبراهيم عليه السلام قال تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (النحل: من الآية 120)، قال: أو تدرون من الأمة؟ الأمة من يعلّم الناس الخير. وهكذا كان الإمام حسن البنا نضّر الله وجهه، وأضاء ضريحه، وغسّله من الذنوب دِقّها وجِلّها، وظاهرها وباطنها، وأولها وآخرها، وجعله من المقربين ولا نزكي على الله أحدًا. جاء حسن البنا وقد انطمست من الدين معالم، واهتزت منه في أعين الناس صورة، وعُمّيت منه أنباء، واداركت في العقول منه علوم. ودين الله أعزّ عليه سبحانه من أن يُترك سدى أو يذهب هباء ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17)، إن الله عزّ وجلّ أعز وأجل من أن يترك أمر الدين فوضى لا ضابط ولا رابط، ولهذا فهو سبحانه يبعث من يجدّد للأمة أمر دينها ليصبح كلمةً طيبةً باقيةً، أصلٌ ثابتٌ، وفرعٌ سامقٌ، وثمرٌ يانعٌ، عرقٌ ضاربٌ، وساقٌ بخنداة، وكعبٌ أدرم.

 

إنّنا عندما نحتفل بالإمام حسن البنا إنما نحتفل برجلٍ ملهم موهوب للنظر لافت، قال فيه المستشرق روبير جاكسون: (لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط ومظهره العادي وثقته التي لا حد لها بنفسه وإيمانه العجيب بفكرته). إننا إذا نحتفل بالإمام حسن البنا في سودان العزة والكرامة ومحبة الرسول الكريم في أيام مولده صلوات الله وسلامه عليه إنما نحتفل برجل درس السيرة النبوية دراسةً واعيةً مستوعبةً. إننا إذ نحتفل بالإمام حسن البنا في مجتمع  يتطلع لحكم إسلامي راشد وخط إيماني قاصد إنما نحتفل بمدرسةٍ إخوانية تسعى جاهدةً مخلصة مع الآخرين لبناء مجتمع مسلم متماسك مستقر. لقد قام الإمام حسن البنا ليدعو إلى الله عزّ وجلّ على بصيرة من أمره، مستفيدًا ممن سبقه، غير مستنكف عن نصيحة. الحكمة ضالته، والإصلاح هدفه، والحق طِلبته، بصرٌ نافذ وبصيرة متقدة وقريحة مشتعلة ولسان سئول وقلب عقول. قيل له: من أنت؟ فقال: (أنا سائح يطلب الحقيقة وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس ومواطن ينشد لوطنه العزة والكرامة في ظل الإسلام الحنيف، متجرد أدرك سر وجوده فنادى ﴿صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: من الآية 162).

 

نظر الإمام حسن البنا في كتاب ربه وسنّة رسوله وتاريخ أمته واجتهاد المجتهدين وبذل المجاهدين فهتف مُعلِمًا معَلّمًا (الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا).. حمل راية المجد وعنوان العزة ورمز الكرامة ولواء النصر:

إذا ما راية رفعت لمجد         تلقاها عرابة باليمين

 

وهكذا كان .....

يطال أناسًا هيبةً وجلالةً      عمامته بين الرجال لواء

 

وهبه الله حكمة في القول والعمل، ولباقة في النظر والتصرف، وأناقةً في الذوق والحِس ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد: من الآية 21)، ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾ (الإسراء)، لم يكن حسن البنا ببدع من الدعاة والمصلحين فقد كان رحمه الله وأحسن إليه محسنًا، أحسن إلى الأمة الإسلامية كلها وإلى الإنسانية قاطبة، أحسن إلينا هنا في السودان، وأحسن إلى أهله هناك في مصر، وامتدّ أثره وإحسانه إلى الشام والعراق والخليج، وتلاميذه وأصحابه يملأون أركانها اليوم علمًا وفضلاً وسماحةً ونبلاً، وزكاةً ونماءً، وخيرًا وبركةً.

 

بعض معاصريه وسابقيه ولاحقيه قد يكون أكثر منه معرفةً ببعض الفروع والجزئيات، والنظريات والفرضيات، وما إلى هذا ذهب الإمام حسن البنا، ولا إلى مثل هذا يشير الحديث النبوي الفارع: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". فالفقه في الدين فقه سبيل ومنهج، وطريقة وسلوك، ووجهةٍ وتوجه، وبصرٍ ومنهاجٍ، صبرٌ على تكاليف الدعوة وأعبائها، ومثابرةٌ على تربية الأفراد تربية ربانية قويمة، لا استعجال فيها ولا تهور، ولا تباطؤ فيها ولا تثاقل، ولا تخاذل فيها ولا خور، ولا تفاريق فيها ولا أوزاع. خطوات محسوبة، وخطط مدروسة، وأهداف مرسومة، وإعداد وترقب: إذا سمع رزّ كتيبة أعد لها قبل النزول قراها 

 

جسم رياضي متوثب، وعقل مدرب مثقف، وروح شفيف طليق، وبمثل من أراد أن يُعدّهم الإمام حسن البنا، وبمثل من ينبغي أن يُعدّهم من يحملون الراية من بعده- تخاض اللجج، وتقطع المسافات، وتقتحم العقبات، ويغزى الجبابرة والمستكبرون ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

 

قيل له لما لا تؤلف كتبًا- وقد ألف كتبًا ولكنها ليست كالكتب اللاهية العابثة التي يألفها كثير من الناس- فقال قولته الناصحة الناصعة الفصيحة: (إنما أريد أن أولّف رجالاً يؤلفون الكتب).

 

قالوا: (جلس رجالٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار لهم فقال بعضهم لبعض: ليتمنّ كل واحد منّا أمنية تحيط بها هذه الدار وتشتمل عليها. فشرّقوا وغرّبوا في الأمنيات، كأن يقول بعضهم: وددت أن يكون لي ملء هذه الدار مالاً أنفق منه ذات اليمين وذات الشمال، أُفرّقه في عباد الله من الفقراء والمساكين والأرامل. أو أن يقول آخر: أما أنا فأتمنى أن يكون لي ملئها سلاحًا أقاتل به وبمن معي من المؤمنين أعداء الله. فقال عمر بن الخطاب العبقري الملهم، الموهوب المحدث: أما أنا فوددت لو أن لي ملأها رجالاً من أمثال أمين الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح!!) وهذا هو المعنى الذي أدركه الإمام حسن البنا فكانت عبقرية التنظيم الممنهج الذي تخرّج فيه رجال الدعوة التي لن تموت، وحملة المشعل الذي لن ينطفئ، وقادة الركب وحداته من الغرّ الميامين الذين يشرّفون الدنيا، ويزينون المواكب معطرين المجالس.

 

ودعونا أيها السادة والسيدات نترنّم بأسماء بعضهم ونطرب، وهاك بعضهم بلا ترتيب ولا حصر فهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها:

من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم      مثل النجوم التي يُهدى بها الساري

 

منهم من مضى وأفضى إلى ربه ومنه من ينتظر﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، من ذكرنا ومن لم نذكر قولوا من (طرف) لا من باب التزكية والمفاخرة والمكاثرة والتمادح الذي يقصم الظهر ويقطع العنق، ولكن من باب التشبّه "إنّ التشبّه بالرجال فلاح".. الهضيبي وأبو ماجد، التلمساني والغزالي، سيّد ومحمد، أبو غدة وفرغلي، أبو بدر ويوسف، عاكف وصوّاف، مشهور ومنير، صادق وعقيل، أبو محمد ونحناح، وسبّال ورحمه، أو لم أدعكم سادتي إلى الترنّم الذي لا ينقطع والتطريب غير المجذوذ؟! لقد مضى الإمام الشهيد تاركًا تاريخًا مجيدًا، وأثرًا حميدًا، وأبطالاً صناديد، مضى آخذًا كتابه بيمينه بإذن ربه ولمّا يتجاوز حدّ الأربعين إلا قليلاً وما أحدٌ بمغنٍ فتيلاً عن أحد ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾ (الانفطار)، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)﴾ (البقرة).

 

لقد جعل الإمام حسن البنا من دعوة الإخوان المسلمين نورًا يسري، تحيا به النفوس، وترتاح به الأرواح وتشتاق. ومن مصر- التي نشأ فيها الإمام وعلّم فيها كيف نسعى إلى العلا أئمة ومأمومين وكيف تكون الريادة والقيادة وكيف تكون الجندية والطاعة- انداحت الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها تبني وتعمّر، وتنذر وتبشّر، وتعلّم وترشد، وتكسب وتجنّد. وممن كسبت الدعوة وجنّدت في سوداننا الحبيب الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد وإخوانًا له كانوا بمصر.

 

وما مصر سوى الشمس التي بهرت بثاقب نورها كل الورى، بها نال الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد حظًّا من دراسة القانون، بعد أن نال ما نال من علوم في بلده السودان، الذي أحبه وألفه وتغنّى بحسنه وجماله واعتزّ بأهله ومواطنيه ودافع عنه بلسانه وجنانه:

حدبت بنفسي دونه وحميته        ودافعت عنه بالذرى والكلاكل

 

لقي هو وإخوانه الذين درسوا بمصر الإمام حسن البنا، رجل القرآن، ومعلم الأجيال، ومؤلف الرجال، فأخذتهم أنواره، وجذبتهم شخصيته، فجدّ في أعينهم، وكبر في صدورهم، فساروا في طريق دعوة ربانية مباركة، دستورها كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:

لا تذكر الكتب القديمة عنده       طلع الصباح فأطفئ القنديلا

 

وزعيمها سيد الخلق الناطق بالحق وناصر الحق بالحق:

وما حملت من ناقة فوق ظهرها        أبرّ وأوفى ذمة من محمد

 

سبيلها جهاد كريم، وبذل وتضحية وإيثار، سمعوا صيحات الجهاد في فلسطين وفي القنال فأجابوا، وعبّروا بلسان الحال قبل المقال، فأحسنوا القول والعمل جميعًا وما نحن بمزكين على الله من أحد.

 

أقبل الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد وإخوان له من مصر وقد أُشربوا في قلوبهم حبّ دعوة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء. أقبل الشيخ صادق وهو متسربل بثوب التواضع الجمّ والأدب الرفيع والعاطفة الفياضة والسماحة والرفق والثبات على الحق بإذن ربه، أقبل بقلبه الكبير وجسمه النحيل وكأنه يقول للناس: إذا ما كنت ذا عودٍ صليب    فيكفيني القليل من اللحاء .. وها أنا ذا أسد هصور في الملمات.

 

سُجن في أربعينيات القرن الماضي وحوكم مع آباء استقلال السودان من أمثال الأستاذ خضر حمد رحمه الله، وحمل على دهاقنة الاستعمار الإنجليزي بقلمه الصارم وللقلم تأثير كتأثير سيف بتّار أو لم يقل محمد أحمد محجوب عليه الرحمة وقد سُرِق قلمه:

يا سارقًا قلمي جهلت مكانه           لا يعمل الصمصام إلا في يدي!

 

كتب الشيخ صادق المقالات النارية الحارقة داعيًا بني قومه أن يهبوا هبة رجل واحد حتى يزيلوا ما علق بأوطانهم من أوضار المستعمرين الكفرة.. غردون عن ظهر بعيره وكتشنر عن صهوة جواده، ولسان حاله يقول:

أمران لا لا تبحثن عن ثالث           نحيا كرامًا أو نموت كراما

 

لقد علم الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد ما للكلمة من تأثير فجاهد بها جهادًا كبيرًا، كيف لا وهو الأديب الأريب وقليل من الناس من يعلم أنه من وراء نشر (إشراقة)، وممن غيّر وجهات كثير ممن ورد من السودانيين إلى مصر متعلّمًا في ضروب من الحياة مختلفات، ولقد نال بفضل من الله ونعمة ثقة من تعامل معهم من السياسيين والصحفيين والمفكرين والتربويين والمشتغلين بالشأن العام، وكثير من هؤلاء وأولئك ممن تربّى على يديه ونهل من أدبه قبل علمه، كما أوصت أم مالك ابنها مالكًا بأن يأخذ من (ربيعة الرأي) أدبه قبل علمه. فمن من جيلنا ومن جاء بعدنا ممن كانت له صلة بالصادق، الصادق من لا يعرف للصادق فضله؟!! سلوا عنه الناس، فألسنة الخلق أقلمة الحق، سلوا زملاءه وتلاميذه، سلوا الموافق والمخالف، سلوا أهله وعشيرته، سلونا نحن إخوانه ممن صحبوه في حلّه وترحاله، وسفره وإقامته، وأسره وفكّه، وخصومته ومصالحته، فإن تسألوا عنه تجدوه سيّدًا!! رجل يألف ويُؤلف، قد توطأت منه أكناف، وتهرّتت منه أشداق، خطيب مُفوّه، وسياسي بارع، وكاتب متميّز، ورجل مصادم رأس ماله كرامته فإيّاك وإيّاها!.

 

كرّمته الجامعات ودور العلم ومؤسسات التربية، وهو بالتكريم قمِن، وبالتبجيل جدير، والله أسأل أن ينفع به، وأن ينسأ في أجله، وأن يبارك في أثره، وأن يحمي بلاده التي يحمي حماها ويتقي أذاها ويرمي من رماها بمنكب. تلك التي أحبّها فأحبّته، وكرّمها فكرّمته.

 

أما دعوته التي حملها بين جنبيه، وكان بها ضنينًا وعليها حريصًا، فقد خلّف من خلفه رجالاً ونساءً، وشيبًا وشبابًا، يحملون لواءها، ويرفعون رايتها، يصدون عنها- بإذن الله- كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وإفساد المفسدين، الذين يبغونها الغوائل، ويتربصون بها الدوائر، والله من ورائهم محيط ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)﴾ (الصافات).

--------------------

* المراقب العام للإخوان المسلمين بالسودان