ألا وقول الزور.. ألا وشهادة الزور..
ألا وقول الزور.. ألا وشهادة الزور..
ألا وقول الزور.. ألا وشهادة الزور..
كم من المرات قالها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر.." حتى يتمنَّى الصحابة الذين كانوا يتُوقون ويستمتعون بسماع صوت النبي وحديثه أن يكفَّ ويقولون: ليته سكت!!.
من المعقول أيضًا أن يكون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قالها عشرات المرات، بل إن سيدنا محمد كان متكئًا وهو يذكر أكبر الكبائر مثل الشرك بالله وعقوق الوالدين، لكن عندما جاء الكلام عن قول الزور اعتدل سيدنا محمد من الاتِّكاء وجلس.
ما معنى ذلك؟!
أن قول الزور وشهادة الزور أمرٌ جللٌ وعظيمٌ.. أمرٌ يغفل عنه الكثير من الناس، فأراد سيدنا النبي أن يلفت الانتباه إليه، ويشدِّدَ عليه؛ لأن مفسدةَ الزور متعديةٌ إلى الآخرين، ففي قول "وشهادة الزور" ضياعٌ لحقوق الناس، وظلمٌ لهم، وطمسٌ لمعالم العدل والإنصاف، ومن شأنها أن تعين الظالم على ظلمه، وتعطيَ الحق لغير مستحقه، وتقوِّض أركان الأمن، وتعصف بالمجتمع وتدمّره.
والحديث الآخر الذي قال فيه سيدنا رسول الله: "من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه" هو رسالة أخرى شديدة، ينقلها هذا الحديث الشريف للمزوِّرين؛ أن الله ليس في حاجة إلى صيامهم لو لم يردعْهم عن قول الزور، ويقول الله عز وجل في محكم كتابه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)﴾ (الحج).
مما سبق نجد أن الإسلام اهتمَّ كثيرًا بأمر المعاملات بين الناس، وزجر ونهى من يتهاون في حسن أدائها؛ فالمعاملات هي الميدان الحقيقي والعملي لإظهار أثر العقائد والعبادات على النفس البشرية، فلو كانت مخلَصةً متقَنةً، يفهَم ما وراءها، والحكمةَ منها، ويؤدي حقها.. فستظهر في معاملات راقية ونماذج فذة.
فهل يمكن لقلوب موحِّدة ونفوسٍ تعلم أن رزقَها بيدٍ الله وأيادٍ متوضئةٍ وجباهٍ ساجدةٍ لا تخشى إلا الله أن تشهد زورًا أو تأكل مال يتيم أو مسكين، وألاَّ ترقَّ وترفقَ بفقير أو ضعيف؟!
قد يكون سهلاً على النفس إقامة العبادة من صلاة وصيام وغيرها، ولكن قد يُزيَّن لها الكثير أمام سطوة المال والجاه والنفوذ.
كل ما أود أن أشير إليه في الذكرى العطرة لميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أن جريمة قول وشهادة الزور أمرٌ لا بد أن ننتبه إليه، فكما أسلفت ينتج منها فساد كبير وضياع للحقوق، قد لا يمكن إصلاحه، ويمكن منه إتاحة فرصة لمجرم أو فاسد أن يتمكَّن من رقاب الناس والعباد، فكل من يستصغر الزور والتزوير ويشارك فيه؛ فهو يضع نفسه في موقف في غاية السوء، فهذه حقوق العباد، وهي دَيْنٌ عليه، ولو غفره الله لأحد لغفره للشهيد الذي يبقى هذا الدَّين معلَّقًا في رقبته!.
ولننظر إلى بلادنا لكي نعرف أن الأمر الذي أجلس سيدنا محمدًا- وجعله يردِّد: ألا وقول الزور- أمرٌ عظيمٌ..
أليس ما تجنيه بلادنا من ضياع وفساد وانهيار ما هو إلا نتيجة قول الزور وشهادة الزور!.
أليس وجود هؤلاء الفاسدين والمفسدين والظالمين في بلادنا نتاجًا لقول الزور من تزوير لكي يوسَّد الأمر لغير أهله؟!
أليس رفع وترقية بعض الأشخاص الغير مؤهَّلين لمناصب عليا لا يستحقونها نتيجةَ شهادة زور لتغليب أهل الثقة على أهل الكفاءة؟!
نعم.. ردَّدها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عشرات المرات؛ لأنه يعلم الشرَّ والوبالَ الذي يصيب الأمة من هذا الباب، واستهانة الناس بهذا الأمر، فالشرك بين العبد وربه، والعقوق بين العبد وأهله، لكنَّ الزُّور بين العبد والناس.. فما أهونهم عليه؟!
وأصرخ وأقول:
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. يا من تقفون على أبواب المحاكم تشهدون زورًا من أجل المال!.
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. يا من تزوِّرون وتلفِّقون القضايا دون النظر للضحايا!.
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. يا من تزوِّرون إرادةَ أمة في كلِّ انتخابات، فمن جاء عن طريق تزويركم فإنكم تشاركونه الإثم في كل كارثة ومصيبة يقوم بها!.
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. يا من تبيعون أصواتكم من أجل المال وأنتم تعرفون أنها تذهب لمن لا يستحق!.
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. يا من تقفون أمام القاضي تُقسمون على كتاب الله أنكم اعتقلتم فلانًا لأنه كان يوزِّع منشوراتٍ في الشارع وأنتم اعتقلتموه من بين حضن أولاده لتصفية حسابات سياسية حقيرة!!.
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. ليس فيها: هذه تعليمات.. أو عملي ومنصبي سيضيع.. أو أنا عبد المأمور..
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. فاصلة في ديننا!.
ألا وقول الزور.. دَين في حق العباد لا مجال فيه للتهريج والاستخفاف!.
ألا وقول الزور وشهادة الزور.. هي ما جعلت حال بلادنا إلى ما هي عليه لعدم تمسكنا بها!.
فعندما ضاعت بيننا الحقوق وعندما لم نتقِ الله في أنفسنا وفي بعضنا البعض، وعندما أحب كل منا نفسه ولم يحب الآخر؛ حكَمَنا مَن نستحق.. فكيفما نكن يولَّ علينا.