هل للجمال مكان في عقول أصحاب المشروع الإسلامي وبرامجهم التربوية والاجتماعية؟
إنه سؤال له ما يبرر طرحه؛ بسبب ضغط موروث مزدوج، يكاد يُسقط الجمال من النسق الإسلامي؛ ذلك أن العقلية البدوية الأعرابية امتدت عبر تفكير نصوصي كثير الجنوح إلى التحريم والتبديع، فلم يترك استواؤها على الأذهان المشدودة إلى الماضي وحده أي فسحة للحس الجمالي، كما أن فكر المحنة الذي يستصحبه الدعاة منذ أكثر من نصف قرن ألقى بظلاله على الموضوع، وأحال العواطف إلى الطواف بالسجون والدماء والسياط والجلادين، فلم يترك للذوق الجمالي سوى مساحة ضيقة، فانتهت الأدبيات الإسلامية إلى مقاسات تطبعها الصرامة المفرطة والبرودة تجاه الجمال المبثوث في النفس والكون، وهذا أمر غير طبيعي ولا مفر من إدراج عنصر الجمال في منظومة إصلاح القلوب والعقول والمجتمعات والسلوكيات باعتباره من مكونات النفس السوية ومن دلائل الإعجاز الإلهي، وكيف يتلذذ بنعم الله من لا يفرق بين الحلو والمرّ والجميل والقبيح؟
كتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى قائد جيشه "إذا جاء الربيع فأخرج الأجناد إلى الوادي ليروا كيف يحيي الله الأرض بعد موتها". هذه مسحة جمالية رأى أمير المؤمنين أن يزوّد بها جيشه رغم ما يبدو من تباعد بين الخدمة العسكرية والجمال، لكنه فطن إلى التكوين المتكامل الذي لا يمكن أن يهمل عنصرًا فاعلاً كثيرًا ما استعمله القرآن الكريم لينفذ معانيه إلى النفوس ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)﴾(النحل)- ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6)﴾(الصافات)-﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: من الآية 31)- ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾(فصلت: من الآية 12)- ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16)﴾(الحجر)- ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 99).
إن الله جميل يحب أن يكسو الجمال البواطن والظواهر فيشبع العين والأذن، ذلك خلع مسحة الجمال على كونه الفسيح فآتى نبيه داود- عليه السلام- صوتًا نديًا جذب إلى ترنيماته تجاوب الطيور: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾(سبأ: من الآية 10)، وإن من تمام التربية الإيمانية التفكر في خلق الله والنظر فيه لإدراك الحسن والتأثر ببدائع الصنع وإمتاع السمع والبصر به ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: من الآية 88)- ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (يونس: من الآية 101)- ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) ﴾ (الغاشية)، فالقلب يتحرك والعين تبتهج بمشاهدة ظواهر الطبيعة الخلابة، ومنها- كما يقول صاحب الظلال رحمه الله- "هذا الليل الطامي السادل الشامل الساكن إلا من دبيب الرؤى والأشباح، وهذا الفجر المتفتح في سدف الليل كابتسامة الوليد الراضي، وهذه الحركة يبستم بها الصبح فيدب النشاط في الحياة والأحياء، وهذه الظلال السارية يحسبها الرائي ساكنةً وهي تدب كالطيف، وهذا الطير الغادي الرائح القافز الواثب السابح في الهواء، وهذا النبت المتطلّع أبدًا إلى النماء والحياة".
أليست هذه المشاهد تدغدغ العواطف وتصقل النفوس وترفع الإيمان؟ إنه سحر الجمال. كيف لا والمؤمن يرى يد الله وراء كل نجم يبزغ أو يأفل وكل برعم يترعرع أو يذبل وكل ورقة تنبت أو تسقط وكل نبع يرفرف أو يغيض وكل حي يولد أو يموت؟ إن الإحساس بجمال الكون وروعته عبادة فإذا سلك الفن هذا المسلك فهو من وسائل العبادة وذرائعها، وللسمع حظه من الاستمتاع بالجمال، فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام يشنف سمعه بقراءة أبي موسى وابن مسعود رضي الله عنهما ويطرب لشعر الخنساء ولبيد وكعب بن زهير ويتنبه إلى ما فجره الحادي بترنيماته من أحاسيس غلبت نساء القافلة في الهوادج فيشفق عليهن ويقول بعبارة فيها تأثر وإعجاب وتشجيع أيضًا: "رفقًا بالقوارير يا حادي"، ويأتيه رجل ثائر الشعر فينتهره ويأمره بتسريح شعره.
أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد فهموا عن الله ورسوله معنى التربية الجمالية فتفننوا فيها ويسجل التاريخ أن ابن عباس رضي الله عنهما- وهو العالم المتبحر في القرآن الكريم والسنة الشريفة والفتوى- كان- كما يقول هو- يتزين لزوجته كما تتزين له حتى اشتهر بنوع معين من العطر خاص به فإذا مر بطرق المدينة وجدت النساء رائحته وهن في البيوت فقلن: "أمر المسك أم ابن عباس؟". وورث هذا الحس الجمالي الأجيال الفاضلة فكان مالك بن أنس رحمه الله- وهو عالم المدينة الفذ وأحد أقطاب الفقه والحديث- لا يأتي حلقة درسه في المسجد النبوي إلا بعد أن يرتدي أحسن ثيابه ويتعطر، وقد كان من أرباب العبادة والزهد.
ومن روائع حضارتنا ما تفردت به من مسحة جمالية فريدة في العمران كالمساجد والقصور والحصون والخط العربي. أو ليس قصر الحمراء- مثلاً- آية في الجمال تضاهي عجائب العالم؟ وقل مثل ذلك عن المسجد الأزرق في إسطنبول وتاج محل في الهند.
إن الذوق الجمالي يهز المشاعر ويربط القلوب بالمعاني السامية، ومن علامات الخسف بالقلب أنه لا يزال جوالاً حول السفليات والرذائل ليس له تطلع إلى المقامات الرفيعة والأدب العالي وهذا من أفدح ما يصيب الإنسان، ولقد استشرى هذا الداء حتى كاد يطمس ملامح الجمال في المجتمع الإنساني فما أجدر المسلمين أن يؤسسوا أقسامًا للتربية الجمالية في الجامعات الإسلامية لبعث وتأصيل الأداة المفترض فيها تنمية الجمال ألا وهي الفن لتدارك ما أصاب الحس من تبلد من جراء استفحال النزعة المادية من جهة والروح الأعرابية من جهة أخرى.
فلا عجب من إهمال الوظائف الجمالية في ظل ذهنية التخلف الحضاري وسطوة المادة، وهذا ما يحمل دعاة الإسلام واجب تطعيم أدبياتهم ومشروعاتهم بالفن الرفيع الذي تلين له القلوب القاسية وترتفع به همتها لأنه فن يمتع السمع والبصر باللحن العذب والكلمة الطيبة المؤثرة والمشهد الخلاب والأداء الجيد، إنه الفن الذي لا يتمرد على القيم وإنما يخدمها بوسائله ولا يمجد الرذيلة بل يفضح قبحها ويقود الناس إلى ضدها، فن يكون بديلاً عن كتاب "ألف ليلة وليلة" وأغاني الأصفهاني وروايات نجيب محفوظ وأشعار أدونيس وموسيقى الراي وأصنام النحاتين، فن يتناول- بدل هذا الغثاء- آمال الإنسان وآلامه ويدفع المتذوقين إلى الانسجام مع الكون ويرفعهم إلى الأعلى بعد أن كان الأدعياء يهوون بهم إلى الأسفل، ويصنع البطولة من مواقف الأمانة والعفة والوفاء لا من مشاهد الخيانة والجنوح والانغماس في الشهوات البهيمية، ذلك أن الجمال يجليه الفن، والفنان المبدع ينفعل أمام الطبيعة ويعيش بمنهجية السلام والانسجام فيبدع وهو يتمثل مبادئ الصياغة الجمالية ويستشفها في مجال السمع أو النظر أو اللمس. إن له وظيفة حضارية فهو ينشئ الحس المرهف ويعلم الذوق الرفيع وينقل الإنسان من ضيق اللحظة والحيز إلى سعة الوجود والكون، كل هذا بتعبيرات وإيحاءات ورموز وأسرار وألفاظ وأشكال وأنغام، بالريشة أو الكلمة أو الآلة، يبدع فيطرب ويؤثر.
إن التربية الجمالية تمتد إلى المبدع والمتلقي حتى تتفتح العقول المغلقة والقلوب القاسية وينزاح التشدد والإفراط في الحسية وتنتشر المشاعر الرقيقة.