إن في القرآن السعادة لنا ﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2)﴾ (طه) وعكس الشقاء السعادة أي أن القرآن لم ينزله الله عز وجل على محمد- صلى الله عليه وسلم- إلا لتحقيق السعادة للبشرية جمعاء، ثم النجاة في الآخرة، فمن أراد السعادة في الدنيا فعليه بالقرآن ومن أراد الثبات في الدنيا حين الموت فعليه بالقرآن ومن أراد النجاة في القبر فعليه بالقرآن ومن أراد أن يأمن من الفزع الأكبر فعليه بالقرآن ومن أراد أن يستظل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله فعليه بالقرآن، ومن أراد أن يشرب من حوض النبي- صلى الله عليه وسلم- فعليه بالقرآن ومن أراد الدرجات العلا من الجنة فعليه بالقرآن "يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ وارتق فإن منزلتك عند آخر آية قرأتها من كتاب الله".

 

صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من أراد الدنيا فعليه بالقرآن ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن ومن أرادهما معًا فعليه بالقرآن".

 

- وها نحن نقطف زهرات من كتاب الله نستنشق عبقها وعبيرها، نستنير بنور الله، ونهتدي بهداه، حتى نصحح الفكر ونقوم السلوك، فتنصلح أحوالنا.

 

- زهرة مع موسى عليه السلام في مرحلة خروجه من مصر حتى وصوله إلى مدين آيات من سورة القصص من الآية 14 وحتى الآية 28 ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)﴾ (القصص).

 

- فهيا نفتح قلوبنا قبل عقولنا، متدبرين قول ربنا عز وجل ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ﴾ والأشد يعني القوة واكتمال النمو والاستواء أي اكتمال النضج الفكري وهذا نموذج للشباب والفتيان والفتيات الذين يبنى عليهم المجتمع الصحيح القوي. قوة في الجسم ونضج في العقل هاتان صفتان لا بد أن تكون مستهدفات في برامجنا التربوية لمؤسساتنا التعليمية.

 

أما المؤسسات التي تخرج شبابًا يتمتعون بهزال الفكر والجسد فهي مؤسسات هدم لا مؤسسات بناء.

 

- المؤسسات التي يتحكم فيها حرس الجامعة، والحزب الأوحد كيف تخرج شبابًا أصحاب نضج فكري؟!

 

- ثم يقص الحق سبحانه وتعالى فيقول ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)﴾
في مصر حينئذ يوجد فصيلان، بني إسرائيل وهم قوم موسى مضطهدين– مظلومين من الفصيل الآخر وهم القبط بقيادة فرعون حتى وصل الظلم مداه بحظر دخول بني إسرائيل بعض المدن.. (هكذا يفعل اليهود اليوم بحظر دخول الفلسطينيين المدن المحتلة والمغتصبة من قبل الصهاينة، وبناء الجدار العازل والحواجز الأمنية ليست عنا ببعيد).

 

فاختار موسى وقت غفلة الناس، فقيل دخل وقت القيلولة والناس في بيوتهم فوجد رجلان يقتتلان أحدهما من شيعته أي بني إسرائيل وآخر من عدوه أي من القبط ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي طلب منه العون والنجدة ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)﴾ أي ضربه بقبضة يده، فقضى عليه فسقط ميتًا.
- هنا أدرك موسى عليه السلام خطورة هذا الموقف الذي ساقته إليه عاطفته من نصرة أحد أبناء شيعته المظلومين ضد أحد الفئة الظالمة.

 

- أدرك موسى أن فرعون وقومه الظالمين سوف يستغلون هذا الحدث الفردي من خلال وسائلهم الإعلامية والأمنية في تشويه صورة الفئة الأخرى المظلومة الساعية إلى التغيير ورفع الظلم مما يزيد من صور الاضطهاد والتنكيل والاستبداد والتعذيب بقومه.

 

- أدرك موسى عليه السلام كل هذا فعاد إلى ربه تائباً مستغفرًا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)﴾ فشعر موسى بنعمة ربه عليه بعفوه عنه وغفرانه ذنبه فقطع على نفسه هذا العهد ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)﴾.

 

- رسالة إلى كل من ينتمون إلى جماعة إصلاحية تسعى إلى الإصلاح والتغيير ورفع الظلم عن العباد، والوقوف في وجه المستبدين الظالمين، رسالة لكل فرد من هؤلاء، انتبه أنت لا تمثل نفسك، أن تتحمل مسئولية جماعتك، يشار إليك هذا من جماعة كذا، انتبه لأفعالك، لسلوكياتك، لأقوالك، لا أدعوك لمراقبة العباد، ولكن أدعوك لمراقبة رب العباد، انتبه يا أخي فهفواتك وسقطاتك ومعاملاتك السلبية، وردود أفعالك الانفعالية لن تؤخذ على شخصك ولكنها تؤخذ على جماعتك، ستتلقفها وسائل إعلام الظالمين ويشوهون بها صورة إخوانك وجماعتك.

 

- ثم إن موسى عليه السلام يضرب لنا نموذجًا رائعًا لكل مسلم مؤمن إلى أن تقوم الساعة ألا وهو سلوك التوبة والإنابة إلى الله، نحن بشر نخطئ ونصيب ولكن المنهج القرآني يقول إن أخطأت فلا بأس "تب إلى الله، استغفر لذنبك".

 

- ولكن لا تعود مرة ثانية إلى هذا الذنب وهذا الخطأ؛ أي لن أعود إلى هذا الخطأ من جديد.

 

- منهج قبول التوبة من المذنبين المخطئين هذا منهج قرآني رباني عظيم من خالق البشر لإصلاح البشر وليس بصدهم، وإصابتهم بالإحباط، وفقدهم الأمل في التغيير والإصلاح فيتحول المذنب الصغير إلى مجرم عظيم ويتحول من سرقة بعض جنيهات إلى مختلس كبير للبنوك.

 

- فأين المؤسسات الاجتماعية التي يحال إليها هؤلاء المذنبون الصغار سواء كانت مؤسسات تعليمية أو مؤسسات تابعة لإدارة السجون أين شعار السجن تهذيب وتأديب وتعليم؟ كيف تتحول هذه الشعارات إلى واقع عملي (ونحن نعلم ما يدور داخل السجون من تربية لصغار المذنبين على يد عتاة الإجرام فيتخرج هؤلاء بعد قضاء دورة تدريبية على يد هؤلاء!!! فيخرجون إلى المجتمع بعد هذه الدورة وقد ازدادوا حنكةً وخبرةً في الإجرام).

 

- ثم منهج عدم العودة إلى الخطأ والذنب، أيضًا هذا منهج قرآني ومعيار أصيل من معايير الوصول والحصول على الجودة في الأداء على مستوى الأفراد والمؤسسات.

 

- ثم يقول الحق جل وعلا ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)﴾ أصبح خائفًا ينظر في وجوه الناس، يرقب انفعالهم نحوه فربما جاءوا ليأخذوه وهو على هذه الحال. فإذا بالإسرائيلي الذي استغاث به بالأمس يستصرخه أي ينادي عليه لكي يخلصه عندها قال له موسى ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ تريد أن تغويني لأفعل فعلة الأمس ومع ذلك ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ (19)﴾ إذا موسى عليه السلام يحن مرة أخرى لنصرة الذي من شيعته ولكن القبطي في هذه المرة واجه موسى عليه السلام بقوله ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ إذًا لقد انتشر الخبر وعرف أن القاتل هو موسى عليه السلام وأنهم يبحثون عنه في هذه الظروف من البحث والمطاردة وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (20).

 

- هذا الرجل مؤمن آل فرعون جاء من أقصى المدينة أي بذل من الجهد وقطع مسافة طويلة وجاء يسعى؛ أي مسرعًا، يقطع الوقت والمسافات.

 

– يضرب لنا هذا الرجل المؤمن نموذجًا للإيجابية بمعناها الراقي، فحين يتعرض المصلحون للابتلاء والاضطهاد والتعذيب فلا يجب أن نسكت قائلين "وإحنا مالنا" بل يجب أن نكون مثل هذا الرجل المؤمن في إيجابيته نبذل من الجهد والقول والنصيحة للذود وحماية هؤلاء المصلحين ونكون عيونًا لهم عند هؤلاء المفسدين، ومن يستطيع أن ينقل لهم ما يضمره وما يخططه هؤلاء المفسدون الظالمون فليفعل فذلك عمل صالح بل هو الجهاد في سبيل الله.

 

- وبعد أن قدم هذا الرجل المؤمن النصيحة لموسى حينئذ ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)﴾.

 

فمع الخوف والترقب لا بد من اللجوء إلى الله مصدر الأمن والأمان للعبد، ولعلنا نلحظ هذه المقابلة العظيمة المعجزة حينما وصل موسى إلى شعيب عليهما السلام، وقص عليه القصص قال له شعيب ﴿لا تخَف﴾ وهذه مقابلة لـ﴿فخَرَج مِنهَا خائفًا يَتَرَقَّب﴾ ثم قال ﴿نَجَوتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِيْن﴾ وهي استجابة الله لدعوة موسى عليه السلام ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِيْنَ﴾.

 

﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)﴾ أيضًا استحضار معية الله، واللجوء إليه وقت الأزمات واستشعار العجز والحاجة لعونه وهدايته سبحانه وتعالى.

 

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾ أي لما وصل موسى عليه السلام إلى مدين ومائها وجد جماعة من الناس يسقون ماشيتهم ووجد امرأتين يمنعان أغنامهما من الاختلاط بغنم القوم، فهاله ما رأى من عدم مروءة هؤلاء الرجال في تركهم لامرأتين وعدم مساعدتهما فذهب إليهما سائلاً.. ﴿مَا خَطْبُكُما﴾ فكانت الإجابة أننا لا نستطيع أن نسقى حتى ينتهي الرجال وأننا خرجنا لسقاية أغنامنا لأن أبونا شيخ كبير لا يقوى على العمل وهذا الحديث نرى فيه دروسًا عظيمةً لا بد من الوقوف أمامها.

 

أولا: أن المرأة إذا خرجت للعمل مضطرةً فلا يبرر لها ذلك أن تتخلى عن حيائها ولباسها الشرعي وترتدي بعض الملابس التي لا تتوفر فيها المواصفات الشرعية بحجة أنها ملابس عملية تتيح لها حرية الحركة.

 

ثانيًا: أن المرأة إذا خرجت أيضًا للعمل فلا يبرر لها الاختلاط غير المنضبط شرعًا ﴿لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن" رواه البخاري في النكاح

 

ثالثًا: نموذج الحوار الجاد بين سيدنا موسى والمرأتين ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾.. ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُوْنَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ﴾ ما أحوج أمهاتنا- وأخوتنا- وبناتنا- وشبابنا- للنظر في هذا الحوار الجاد الشريف الطاهر بين المرأة والرجل ولتكن حوارات الشباب والفتيات في الجامعة والمؤسسات على هذا المستوى في الجدية والطهارة والنقاء

 

رابعًا: إن موسى عليه السلام لم يسارع بالحكم على الفتاتين إلا بعد سؤالهما.. فلا يجب أن نحكم على الأمور إلا بعد السؤال.

 

لما رأى موسى عليه السلام من انعدام للمروءة عند هؤلاء الرجال وتركهم للمرأتين بلا مساعدة ولا عون- قام هو بهذا الدور الرجولي الإنساني، وبعد انصرافهما وقد بلغ التعب مداه وبلغ به الجوع والعطش منتهاه، ذهب ليستظل تحت شجرة ويستريح ولكن قلبه لا يغفل ولا يستريح عن ذكر ربه وسؤاله حاجته، حينئذ كانت الإجابة السريعة من الله.

 

ما أحوج رجالنا وشبابنا لتدبر هذه المعاني. ماذا تفعل حينما ترى امرأة تقف في الأتوبيس وأنت جالس لماذا لا أقوم لكي تجلس هي؟ ولماذا لا أقدمها لتقضي حاجتها في طابور ينتظر فيه الرجال والنساء ولتحتسب هذا الوقت والجهد في سبيل الله؟.

 

- افعل الخير والتمس الأجر من الله وثق بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً وأن صاحب المعروف لا يقع وإذا وقع وجد متكئًا- واصنع المعروف في أهله وفي غير أهله فإن صادف أهله فهو أهله، وإن لم يصادف أهله فأنت أهله. وهناك قول أن موسى عليه السلام لما استظل بظل الشجرة وتذكر العمل الصالح في مساعدة الفتاتين توجه إلى الله بالشكر أنه رزقه وأعانه على هذا الفعل وأنه فقير لهذا العمل الصالح وهكذا يجب أن نكون نشكر الله على ما يوفقنا إليه من فعل الخير.

 

- طريق مشى وسير المرأة على استحياء... حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وحتى لا تكون سببًا لفتنة الشباب الذين لا يجدون ما يعفون به أنفسهم- الشباب المصاب بالسعار الجنسي نتيجة وسائل إعلام لا تتقي الله فيما تبثه لأبنائنا وبناتنا.

 

- أدعو فتياتنا ونساءنا للاستماع والمشاهدة لهذه المرأة وهي تسير ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، أين هذه من هؤلاء النساء اللواتي يسرن بالطرقات كاسيات عاريات- يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا"  رواه أبو داود وأحمد وفي راوية للنسائي فهي زانية وسماها النبي- صلى الله عليه وسلم- زانية مجازًا- لأنها رغبت الرجال في نفسها، فأقل ما يكون هذا سببًا لرؤيتها وهو زنى العين".

 

﴿فَلَمَّا جَاَءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لا تَخَف نَجَوتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِيْنَ﴾

 

ويجئ موسى معهما كما يجئ الكرام ويقول ابن كثير في تفسيره قال عمرو ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاء معها تقدمت أمامه لتدله الطريق فقال لها: كوني ورائي فإذا اختلفت على الطريق فاحذفي لي بحصاه أعلم بها كيف الطريق لاهتدي إليه" إنها الأمانة في أروع صورها، ويفعل موسى ذلك وهو غريب- وعادة الغريب عن بلده أنه لا يبالي ما يفعل ولكن لا عجب فهذا حال العارفين بالله المرافقين له سبحانه. دعوة للاقتداء بموسى عليه السلام من كل مغترب من المسلمين في الدول غير الإسلامية أنت تركت أهلك وأبناءك في وطنك ولكنك لم تترك ربك سبحانه وتعالى فهو معك أينما كنت يسمعك يراك ينظر إليك فإياك أن يرى ربك أو يسمع منك ما يغضبه حتى تنال حفظه ورعايته.

 

قالها شعيب لموسى عليهما السلام مطمئنًا له، وهكذا بعد أن علم منه أنه قد أحدث حدثًا فرديًّا بقتله القبطي ولكن شعيبًا لم يكن أسيرًا للآلة الإعلامية التي تشوه صورة المصلحين فلم يتأثر بما روجه فرعون وقومه من حملة إعلامية لتشويه موسى ومن معه من المصلحين، بل وضع شعيب الأمور في نصابها، وسمى كل فريق بمسماه الحقيقي، ففرعون ومن معه هم الظالمون وموسى ومن معه هم المظلومون المستحقون للإيواء والمساعدة والنصر.

 

- أسوق هذا الموقف القرآني العادل من شعيب إلى الذين يقعون أسرى لهذه الآلة الإعلامية المضللة التي تزين الباطل وأهله وتشوه الحق وأهله فيقعون في عرض المصلحين ويضعونهم والفاسدين والمرتشين والمستبدين والطغاة في سلة واحدة.

 

- ثم إن المرأة تقول لأبيها ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمين﴾.

- يا شباب الأمة، يا من سلطت عليكم آلة إعلامية فاجرة، لا ترقب في أخلاقكم ولا دينكم إلاًّ ولا ذمةً، أيها الشباب يا من أحلت لكم وسائل الإعلام هذه الحرام وحرمت عليكم الحلال، ها هو موسى عليه السلام عف نفسه عن الحرام بطهارة الصحبة لهذه الفتاة، فماذا كانت نتيجة العفة والطهارة، رزقه الله هذه الفتاة في الحلال ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27)﴾ فرزقه الله الزوجة والمسكن والعمل.

 

- فعفوا أنفسكم عن الحرام يعفكم الله من حلال عاجلاً غير آجل.

- ما المانع أن نخطب لبناتنا الصالحين المتقين من الشباب- حتى لو ساعدناهم ماديًّا، بشقة سكنية، أو نفقات الزواج اقتداءً بهذا الهدي القرآني، وتيسير نفقات الزواج للشباب.

 

- ما أسعده من صاحب مال ولديه من البنات الذي يقدم من نفسه مثالاً وقدوةً للآخرين بخطبته لابنته من الشباب الصالحين ولا حرج في ذلك ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)﴾ (القصص).

 

روى البزار أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن موسى أجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه فلما وفي الأجل قيل يا رسول الله أي الأجلين؟ قال أبرهما وأوفاهما".

 

- وهكذا وفي موسى عليه السلام بما عاهد عليه شعيب بلسانه، لا بعقود موثقة في الشهر العقاري أو أحكام مذيلة بختم النسر ولا بشهادة شهود ولكن الله على ما نقول وكيل، وهذا عهد المؤمنين الذين يعلمون أن الله يرى ويسمع ما يقولون وما يفعلون فيتقون ربهم فيوفون بما عاهدوا عليه بألسنتهم.

 

نسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وأن يحيي قلوبنا بالقرآن وأن يجعلنا ممن يحلون حلاله ويحرمون حرامه.