﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: من الآية 15)..
تغشانا هذه الأيام ذكرى المولد الشريف، فتهفو إلى رسول الله قلوبُنا، وتحنُّ إلى سيرته أرواحنا؛ لنهتدي إلى توثيق العلاقة السامية بيننا وبين أمير الأنبياء وسيد الدعاة وأشرف الخلق سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم.
لقد كان صلى الله عليه وسلم النموذج الإنساني الوحيد الذي امتثل أمر ربه بنجاح لم يسبق إليه- ولم يلحق به- أحد.. نجاحًا أوجب علينا أن نتأسَّى به وأن نرضى به نبيًّا ورسولاً، نقدِّمه على ذواتنا وأهلينا وأموالنا؛ عن عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين"، فنأخذ من جهاده وكفاحه ونضاله وأخلاقه ومعالجته لشئون الحياة ما يملأ علينا حياتنا.. ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا هو طريق الفلاح ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157)﴾ (الأعراف).
لقد كانت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم متكاملةً، فهو مثال الداعية المربي، والإمام المفتي، والعسكري المحنَّك، والسياسي العبقري، والدبلوماسي الأريب، وصاحب الحجة في حواره، والفصيح في لسانه، والعدل في قضائه، رجل الإصلاح، اجتماعي لا يملُّه الجالسون.. خير كله.. نفع كله.. صلى الله عليه وسلم.
وليس مقدارُ محمد- صلى الله عليه وسلم- فينا أن علاقتنا به علاقة التابع بسيده، والتلميذ بشيخه، والجندي بقائده، والولد بأبيه، والطالب بأستاذه.. بل هو أعظم من كل ذلك؛ هو من مكونات عقيدتنا، لا يُقبَل منا عدلٌ ولا صرفٌ إلا ونحن تبعٌ له ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)﴾ (الأعراف) ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54)﴾ (النور) ولهذا لم يكن عابرًا أن يشهد المسلم يوميًّا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله في الأذان بالصلاة، وبعد أن نحيِّي ربنا في التشهُّد.
إنها حقيقة راسخة في وجدان كل مسلم.. حقيقة لا ريب فيها أن لا يُعبد إلا الله إلا بما جاء به رسول الله محمد.. عَن أبي عَبَّاسٍ قَالَ: "جلسَ ناسٌ من أصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ينتظِرونَهُ قَالَ: فَخَرَجَ حتَّى إذا دنا منهُمْ سَمعهُمْ يتذاكرُونَ فسمعَ حَدِيثَهُمْ فقَالَ بعضُهُمْ عجبًا إنَّ اللَّهَ اتخذَ من خلْقِهِ خليلاً اتخذ من إبراهيمَ خَليلاً، وقَالَ آخرُ: ماذا بأَعجَبَ مِنْ كلامِ مُوسَى كلَّمَهُ تَكلِيمًا، وقَالَ آخرُ: فعيسى كلمةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وقَالَ آخرُ: آدمُ اصطفاهُ اللَّهُ، فخرجَ عليهمْ فسلَّمْ وقَالَ: "قد سَمِعْتُ كلامَكُمْ وعجَبَكُمْ.. إنَّ إِبْرَاهِيمَ خليلُ اللَّهِ وهوَ كذلكَ، ومُوسَى نجيُّ اللَّهِ وهو كذلكَ، وعيسى رُوحُهُ وكلمتُهُ وهو كذلكَ، وآدمُ اصطفاهُ اللَّهُ وهوَ كذلكَ، ألا وأنا حبيبُ اللَّهِ ولا فخرَ، وأنا حاملُ لواءِ الحمدِ يومَ القيامةِ ولا فخرَ، وأنا أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مُشفَّعٍ يومَ القيامةِ ولا فخرَ، وأنا أوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الجَنَّةِ فيفتحُ اللَّهُ لي فيُدخِلُنيهَا ومعي فُقراءُ المؤمنينَ ولا فخرَ، وأنا أكرمُ الأوَّلينَ والآخِرِينَ ولا فخرَ".
الرسول القدوة
لقد كان لنا أسوة في كل حياتنا؛ لأنه تخلَّق بأخلاق القرآن فكان قرآنًا يمشي على الأرض.
في شجاعته.. "كنا إذا احمَّر البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه".
في عطائه.. "فإن محمدًا يُعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر".
في أخلاقه.. "خلقه القرآن".. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم).
مع مجتمعه.. "إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر".
في سياسته.. معاهدات.. صلح.. أمان.. سلم.. شورى.. حرب.. ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ (التوبة: من الآية 6).
في حكمه.. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)﴾ (النساء) "ومن ذا الذي يعدل إذ لم أعدل".
في اقتصاده.. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية 103).
ولا عجب أن كان قوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (21) في ثنايا الحديث عن غزوة من أهم غزواته صلى الله عليه وسلم الأحزاب.
لقد كان رسول الله- على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد- مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان، وإن في دراسة مواقفه العظيمة لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم؛ فهو يعمل في الخندق مع المسلمين، يضرب بالفأس، ويجرف التراب بالمسحاة، ويحمل التراب في المكتل، ويرفع صوته مع المرتجزين، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل، فيشاركهم الترجيع!.
ولئن جاء الأمر بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته، ومرابطته ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه عز وجل، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إِلى يوم الدين، ولئن كان هذا عتابًا للمتخلفين عن القتال؛ أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق.. فإن لكم فيما وراء ذلك فيه خير القدوة وأفضل أسوة؛ في مطعمه ومشربه وتكسبه وتجارته.. في معاملة أهله وجاره بل وعدوِّه.. في حبه لأصحابه وحب أصحابه له وتقديره لهم وتقديرهم له.. في رأفته ورحمته وعطفه وحلمه.
لقد شُجَّ وجهه، وكسرت رباعيته، وقُتل عمه حمزة وجاع بطنه، ولم يكن إلا صابرًا محتسِبًا، وشاكرًا راضيًا.. عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا (عن بطوننا) عن حَجَر حجر؛ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين، وقال لما شُجّ: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وصدق الشيخ الغزالي: إن الله ربَّى محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على عينه ليربِّيَ به العرب، وربَّى العرب بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليربِّيَ بهم البشرية".
ما أحوج العالم إلى محمد!
ما أشبه الحال الذي بعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم والحال التي بين ظهرانينا.. من عبادة الأهواء، وشرب الحرام، وجاهلية مقيتة، وإساءة جوار، وذي نفوذ قوي يزدري الضعفاء، وغشيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. ما أشبه الليلة بالبارحة لا ريب أن عالمنا بحاجةٍ متجددة لهادٍ يهديه السبيل.
إن حالنا العامة التي تعتري أمتنا اليوم ليست بأقل مما كانت عليه حال الجاهلية مما استدعى ميلاد رسول جديد ينتشل العالم الغريق من بين موجات التخبط والتيه.
كأني برسول الله الآن يرقب أحوال أمته شرقًا وغربًا ثم هو يطرح عليهم جوانب الحلول لكل مشكلات الدنيا يستخرج من بين سطور المصحف خلاصة الدواء الناجع، ويهدي بسنته المباركة إلى ما عليه يجب أن تكون صناعة الحياة، ويعالج أزمات هذا الكون بكل رويَّة، فإذا أتباعه نائمون ملء جفونهم، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، إلا من رحم ربي، وكأني به يبصر ما يوجَّه إليه من إساءة حاك خيوطها فجرة ماكرون ويهود أفَّاكون بينما أتباعه ممن يدَّعون حبَّه لا يبالون بمقدار نبيهم الأعظم ورسولهم الأكرم.. الذي يأخذ بحجزنا.. عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا".
ولتنصرنه..
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)﴾ (الأعراف).
دعوة للعالمين أن يتأسوا بمحمد ويسيروا في ركابه.. لقد نصره الله فقال ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ (التوبة: من الآية 40)، بل جعل نصرته من أغلظ ما أخذ الله من ميثاق على أنبيائه ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (82)﴾ (آل عمران) بل كان من فرائده العظمى ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلِّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُوراً وَمَسْجِداً، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ".
أفبعد هذه التوجيهات نقعد عن نصرته ونتخلف عن الفوز به ومنافسة أصحابه على الحوض؟!.
كتاب الله وسنتي
إن عالمنا اليوم في أشد الحاجة إلى الإسلام أكثر من أي وقتٍ مضى.. الحكومات والشعوب والمجتمعات على السواء.. مشكلات السياسة والحكم وكيف تحل؟! مشكلات الحرب والسلام وكيف تعالج؟ مشكلات الاقتصاد والغذاء وكيف يجد طريقه إلى الشعوب المعدمة؟ مشكلات الطاقة وكيف تنهض بالأمم المتخلفة؟ وهكذا بالنسبة لمشكلات الشباب، والمرأة والأسرة والطفل، فضلاً عن المشكلات والصراعات الدولية التي أصبحت من معالم عالمنا المعاصر.
لقد كان العربُ في أحطِّ دركات الجهلِ والعمى، ورغم هذا فالإسلام هو الذي خلَّد ذكرهم، وأعلى شأنهم، وأوجد لهم أعظم حضارةٍ عرفها التاريخ, وإن شئت فاقرأ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(2)﴾ (الجمعة)، ومن أجل هذا لن يعودَ المسلمون إلى سالفِ أمجادهم إلا بالعودةِ إلى محكمِ دينهم.. "كتاب الله وسنتي".
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.. ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: من الآية 44). "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه إلا أني أوتيت القرآن ومثله معه" إن محمدًا لم يورثنا دينارًا ولا درهمًا، وإنما كان الحظ الذي لُقِّيناه هو القرآن الكريم فيه نبأ من قبلنا وخبر من بعدنا وحكم ما بيننا، وسنة رسول الله.
* عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَن سرَّه أن يكتال المكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد".