عبد الرحمن أبو العلا
في مثل هذا اليوم الثالث من مارس لسنة ١٩٢٤م الموافق السابع والعشرين من شهر رجب لسنة ١٣٤٢هـ سقطت الخلافة الإسلامية، وهي الجريمة الأكبر التي حدثت للمسلمين في القرن العشرين، إن لم تكن هي الحدث الأصعب منذ وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم-، فلأول مرة يُصبح المسلمون بلا خليفة، ويصير الإسلام بلا كيان واحدٍ يلتف حوله المسلمون، ولم يعد للمسلمين دولةً واحدةً تجمعهم.. وهي صدمةٌ أي صدمةٍ وفاجعةٌ أي فاجعةٍ، وصدق في ذلك قول شوقي أمير الشعراء ..

ضَـجَّـتْ عليـكِ مـآذنٌ ومـنابــرٌ وبَـكتْ عليـكِ ممالـكٌ ونـَواحِ
الهـندُ والهــةٌ ومصـرُ حــزينـة ٌ تـَبْـكي عليـكِ بمَدمـعٍ سَــحّاحِ
والشّـامُ تسْــألُ والعِراقُ وفَــارسٌ أَمَحَــا من الأرضِ الخلافةَ ماحِ؟
إننا اليوم ومع ذكرى سقوط الخلافة العثمانية بحاجةٍ لأن نسترجع ماضي المسلمين التليد، يوم أن كان لهم دولة واحدة وخليفة واحد، حتى وإن ضعفت هذه الدولة حينًا، فقد قويت أحيانًا، نسترجع ذلك الماضي لا من بابِ البكاء على ما فات، ولكن لأخذ العبرة ومعرفة حجم المُصاب والعمل على إعادة هذه الأمجاد.
هذه الخلافة التي وصفها القلقشندي: بـ"حظيرة الإسلام، ومحيط دائرته، ومربع رعاياه، ومرتع سائمته، والتي بها يُحفظ الدين ويُحمى، وبها تُصان بيضة الإسلام، وتسكن الدهماء، وتقام الحدود فتمنع المحارم عن الانتهاك، وتُحفظ الفروج فَتُصان الأنساب عن الاختلاط، وتُحصن الثغور فلا تطرق، ويُذاد عن الحُرَمِ فلا تُقرع"، تلك المعاني التي نفتقدها أشد الافتقاد في أيامنا هذه.
وها هو أتاتورك أول رئيس تركي ومَن أُلغيت على يده الخلافة يجوب تركيا لابسًا القبعة الإفرنجية، وشرَّع قانونًا لنزع حجاب المرأة المسلمة، وكان نزع الحجاب يتم بالإرهاب والإهانة في الطرقات، فكانت الشرطة إذا رأت امرأةً محجبةً تقوم بنزع حجابها فورًا وبالقوة وألغى التعامل باللغة العربية، وألغى العيدين، وجعل عطلة الأسبوع يوم الأحد، وعطلت الصلوات بمسجد أيا صوفيا، وأُسكت المؤذنون، وتحول المسجد إلى متحف وبيت أوثان، حتى الآيات التي كانت على جدرانه أمر بطمسها.
في سنة 1926م ألغى الزواج الشرعي، وجعله مدنيًا فقط، وأصدر قانونًا يمنع تعدد الزوجات، واستبدل التقويم الميلادي بالتقويم الهجري.
حريٌ بنا أن نقف عند هذه الذكرى وقفةَ تأمل يتبعها عمل دءوب لتكوين جيلٍ يعمل على عودة الخلافة الإسلامية من جديد، كلٌ بما يستطيع.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ (ق).