وجه مضيء حين تلقاه     وتلقى الكرامة والندى والجودا

هذا مفتتح طفر على لساني، دليلاً على ما استكنَّ في القلب نحو واحدٍ من ألمع اللسانيين العرب المعاصرين على الإطلاق، إن لم يكن من أعظم المفكرين العرب المعاصرين، وهو الدكتور سعد مصلوح؛ أستاذ علم اللغة بكلية الآداب بجامعة الكويت، وهذا الذي صغته في افتتاح هذه المقالة شيءٌ قليلٌ لا يفيه حقَّه لمَن عرفه، ولا يقوم بواجب تحيته بعدما حملت الأبناء خبر حصوله على جائزة الشيخ زايد للترجمة، عن ترجمته الفذَّة لكتاب غينتسلر (في نظرية الترجمة.. اتجاهات معاصرة)، وهو الكتاب الذي صدرت ترجمته سنة 2007م عن المنظمة العربية للترجمة بمدينة بيروت العربية.

 

وهو الخبر الذي فتح لنا بابًا من القول لنحيِّي فيه هذه القامة العلمية الرفيعة، وهي تدلِف نحو ختام الخامسة والستين من عمرها.

 

وسعد مصلوح أستاذ مصري من مواليد منسفيس من أعمال محافظة المنيا بصعيد مصر، تلقَّى تعليمه في كلية دار العلوم، وحصل منها على درجة الماجستير في علم اللغة؛ بإشراف واحد من أثبت علماء اللغة العرب المعاصرين، وهو الدكتور عبد الرحمن أيوب، ثم حصل على درجة الدكتوراه من موسكو في علم اللغة في واحدٍ من الموضوعات المهمة جدًّا عن صوتيات القافية.

 

وقد عمل الدكتور سعد مصلوح في جامعات كثيرة، من مثل جامعة القاهرة وجامعة الخرطوم وجامعة الملك عبد العزيز، ثم استقرَّ منذ فترة في جامعة الكويت.

 

والنظر إلى سعد مصلوح محكومٌ بمنظور ثلاثي لا ينفكُّ أحدها عن الآخر، وهي جميعًا وجوه متآلفة لا يسع أحد أن يتخطى وجهًا منها؛ فسعدٌ إنسان تتفجر قيم الإنسانية من جنباته، ووضاءة وجه، وسماحة نفس، وندى كف، ونبل ضمير.

 

فهو بوجهه المضيء وحفوه وصدق لهجته وتوقُّد ذهنه ولسانه ومروءته، وهي كلها ملامح لا شبهةَ لمَجاز فيها، ولا شبهة لمبالغة في إقرارها، تُبرهن على أن النسق التعليمي الذي كان فاشيًا في حقبة ما قبل ما سُمِّي بثورة يوليو سنة 1952م كان أمرًا جديرًا بالتأمل وإعادة النظر إلى مفرداته، وهو لا يزال شيئًا مخبوءًا بفعل ممارسات أدبيات هذه الحركة ضد كل ما كان قبلها.

 

وسعد مصلوح الذي استحق هذه الجائزة المرموقة على الرغم من حداثة عمرها معجون غني جدًّا بمنظار النظر المعرفي والعلمي، يصح- بل لا يصح غيره- أن يوصف إجمالاً بأنه عبقرية تتحرك على عمادين من الإبداع والإتقان.

 

وفحصُ ما قدَّمه لحركة العلم المعاصر قائدٌ لمَن تأمَّله أن يدرك ذلك أتمَّ إدراك؛ من خلال محاور أساسية يمكن إجمالها ابتداءً في المحاور التالية:

أولاً: الطرق الكثيرة التي افتتحها من غير سابق تمهيد من أحد، وهو ما يتجلَّى في كثيرٍ من المناطق التي ارتادها في الدرس العلمي في اللسانيات المعاصرة (اللغويات)، ومن الأدلة على ما تقول ما يلي:

1- يعدُّ الدكتور سعد مصلوح من أوائل مَن بشَّروا بعلم لغة النص الذي يسمَّى أحيانًا باسم (نحو النص)، وهو العلم الذي تقوم مبادئه على الدعوة إلى أن نحو الجملة- وهو النحو التقليدي- قاصرٌ وغير قادر على الوفاء بما تتطلبه النصوص العربية من خدمة، وغير قادر على أن تفجر عطاءات هذه النصوص المكتنزة بالحكمة.

 

ودعوة سعد مصلوح المبكِّرة لاستثمار علم لغة النص باعتباره علمًا متداخلَ الاختصاصات مستثمرَ كل إمكانات النصوص، لغويةً وغير لغوية، فيما هو معروف من مبادئه السبعة الشهيرة؛ يعكس وجهًا من وجوه هذه الريادة، وللقارئ الكريم أن يدرك هذه العبقرية في ارتياد هذه الطريق؛ من خلال ما شاع الآن من سيطرة هذا الاتجاه على دراسات كثير من الدارسين اللسانيين المعاصرين؛ بسبب من جهود كثيرين من العلماء.

 

2- يعدُّ الدكتور سعد مصلوح من أوائل- إن لم يكن الأول بإطلاق- مَن بشَّروا بالدرس الأسلوبي، ولا سيما في منحاه الإحصائي تنظيرًا وتطبيقًا في غير ما كتاب وبحث، حتى غدا ما كتبه عن الأسلوبية مصادر أساسية مركزية لا يمكن تجاوزها على الإطلاق، وغدت عنوانات مفردة من مثل: التشخيص الأسلوبي للاستفادة، واستثمار الأسلوبية في الكشف عن الثابت والمنسوب من شعر الشعراء، والكشف عن منازل الانفعال باستعمال معادلات قياسية، عن طريق قياس نسبة الصفة إلى الفعل فيما هو مشهور من معادلة بوزيمان (ن ف ص)- محاورَ أساسيةً، يرجع إليه الفضل الأساسي في إذاعة أمرها في الأوساط العلمية العربية.

 

3- يعدُّ سعد مصلوح أول عالم عربي يفتح آفاقًا جديدةً لعلم بِكر؛ هو علم البلاغة المقارنة، بما سطَّره في كتابه الفذّ (البلاغة واللسانيات الأسلوبية)، ولا سيما بحثه في البلاغة المقارنة؛ الذي طبَّق فيه طرحَه هذا على القرآن الكريم بين العربية وترجماته في الإنجليزية والروسية؛ ليعكس ملمحًا جديدًا من ملامح إعجاز الكتاب العزيز، من خلال فحص كفاءة النص العربي.

 

4- كما يعدُّ سعد مصلوح من أكثر العلماء اللغويين المعاصرين الذين التفتوا إلى قيمة البحوث اللغوية البينية؛ التي تدرس مشكل الظواهر اللغوية، في تشابكاتها مع العلوم المختلفة، ليبشر بمناطق بِكر، لم يكتب فيها أحد من الدارسين العرب شيئًا من مثل "الجغرافيا الأسلوبية".

 

ثانيًا: الترجمات التي تختط منهجًا فريدًا يرعى جانب القارئ الهدف بمصطلحات نظرية الترجمة، وهو القارئ العربي هنا، لقد تجلَّت هذه الرعاية في ترجمته لكتاب "إرست بلوجرام" عن التصوير الطيفي للكلام، وفيما قام به من ترجمته كتاب غينتسلر عن الاتجاهات المعاصرة في نظرية الترجمة، وفيما راجعه من ترجمات من مثل مراجعته لترجمة الدكتور محمد بدوي لكتاب جان جاك لوسيركل عن عنف اللغة، وهي نصوص (نماذج) يشعر معها قارئها كأنما ألِّفت يوم ألِّفت بلسان عربي مبين، من دون مبالغة من جانبنا.

 

ثالثًا: وسعد مصلوح من جانب مهم جدًّا هو أحد أعظم العلماء العرب المعاصرين الذين رفعوا راية الحسبة العلمية، وهو تعبير صكَّه في كثير من مراجعاته اللغوية لدارسين أعلام ولدارسين خاضوا في غير مياههم.

 

وفحص ما كتبه في مراجعاته لأسماء من مثل: عبد المقصود شاهين وكمال أبي ديب وصلاح فضل وعبد السلام المسدي من أعلام الدارسين في مجالات الأصوات والبنية العربية والأسلوبية والعروض والبنية الإيقاعية؛ من أعظم الدليل على ما نقول ونقرر.

 

لقد صدر سعد مصلوح في كثير من هذه المراجعات النقدية عن روح إسلامية أصلية، تدعو إلى ما سمَّاه هو بـ"الحسبة العلمية"، وتنقية الأوساط المعرفية من كثير من الدخن والغش.

 

ولعل أهم ما يفاجئك وأنت تقرأ ما صدر عنه من علم وفكر؛ هو هذا التزاوج العجيب حقًّا بين الإبداع المبهر والإتقان المعجِب، إبداع الفكرة وإتقان المعالجة منهجيًّا وجمعًا للمادة، وتقسيمًا وتوزيعًا للمطالب، ومع ذلك كله يواجهك بلسان يضرب في العمق من الأسلوب العربي العريق؛ في امتدادٍ عجيبٍ مثمرٍ لمدرسة المنفلوطي وشاكر، ولكن بذائقة جديدة، يرفدها نهرٌ من لسان الشعراء القدماء ذاب في لسانه، ويغذِّيه نهر من لسان الأصوليِّين ومحكم منطقهم اختمر في ذاته فتجلَّى على لسانه ومعالجاته.

 

في عقل سعد روافد عمرها ستة عشر قرنًا هي مدة المعلوم من تراث العربية، وفي عقل سعد روافد من علوم الغرب من مناطق شتى من علوم الإنسان وعلوم التجربة، من فيزياء وتشريع وإحصاء؛ في تناغم عجيب جعلت من قلمه نموذجًا فريدًا.

 

لقد أذن لي في آخر زيادة مني له في الأسبوع الأول من فبراير 2009م أن أطَّلع على شيء  مما بثَّه على الورق مما سمَّاه بمرحلة إعادة الانضباط، ولا سيما في قسمها العملي واليومي؛ مما أرجو ألاَّ يعذلني بسبب من إذاعته.

 

لقد رأيت هذا العلم المرموق وهو يدوَّن بمداد أخضر أنه يرجو أن يزيد من راتب القرآن الكريم يوميًّا، وأنه يرجو أن يزيد من حرصه على النوافل، وهو وجه حاكم جليل في قراءة النفس الزكيَّة الطاهرة التي يتحرك بها بين الناس.

 

خالص التحية لهذا الوجه المضيء، وخالص التهنئة للجائزة التي شرفَت بحصوله عليها.

----------

* كلية الآداب جامعة المنوفية.