كان- رحمه الله تعالى- من رواد مسجد عمرو بن العاص (أول مسجد في مصر وإفريقيا) يواظب على سماع خطب الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- في السبعينيات من القرن الماضي، وكان الغزالي يصول ويجول ويحاور ويجادل بالحسنى يُضيء العقول، ويحيي القلوب ويغذي الأرواح، ويثبت الإيمان، ويُبدد الأوهام، ويُعيد الروح إلى الشباب المسلم الذي عاد إلى بيوت الله، بعد سنوات عجاف من الضلال والإضلال، وبعد خطبة بليغة مؤثرة التقى الدكتور الملط بصديقه القديم الشيخ الغزالي، فأمسك بكتفه وقال: "يا شيخ غزالي.. أنت تخطب فينا الجمعة، فتشعل فينا الحماس لدين الله، والرغبة العارمة لنصرته والدفاع عنه، فإذا عدنا لبيوتنا بردت العاطفة وسكن الحماس، ولم نفعل شيئًا يغير من واقعنا المر الأليم".. فرد عليه الشيخ قائلاً: "قدرنا نحن الدعاة- أن يكون جهادنا بالكلمة أما العمل فعليكم أنتم معشر الأطباء والمهندسين، والمدرسين، والمهنيين،- كل في مجاله وميدانه.. يحول الكلمة إلى عمل، والفكرة إلى مشروع، والخيال إلى واقع".
عاد الدكتور الملط مفعمًا بالفكرة ليلتقي بكرام وكبار الأطباء، أصحاب العلم والكفاءة والخلق والرسالة، ليقيم أول صرحٍ طبي للجمعية بحي السيدة زينب، بالتعاون مع فضيلة الشيخ محمد المطراوي (إمام مسجد السيدة زينب)، والحاج عبد العزيز زعير (أحد التجار الكرام بالحي العريق) رحمهم الله جميعًا- ويبدأ العمل بتجهيز المكان وتجميع الأطباء، وتوفير الأجهزة، ويُفتتح المستوصف عام 1979م ليضم نخبة من أطباء الجمعية (د. محمود عزت مديرًا- ثم الدكتور مأمون عاشور، د. أسامة رسلان، د. عبد الفتاح إسماعيل، د. إبراهيم عوف، د. عبد الفتاح نجيب، د. سناء أبو زيد، د. أحمد عزت..) وغيرهم من الأطباء أصحاب الرسالة والكفاءة والأمانة.
وتتوالى بعد ذلك الصروح الطبية الشامخة (الشرابية- مصر الجديدة- الطالبية- العمرانية- دار السلام- المواساة- الهدى- الفاروق... إلخ)، كنا لا نستطيع تلبية كل طلبات الجمعيات الخيرية في أنحاء القطر لإدارة مؤسساتها الطبية، فنكتفي أن نفتح كل عام مؤسسة واحدة، ونعتذر عن الباقي.
في هذا الوقت ظهرت موضوع المستشفيات الاستثمارية الكبرى، وكان من رأي الدكتور الملط أن أسوأ أنواع الاستثمار هو الاستثمار في صحة الإنسان؛ ذلك أن رأس المال يبحث عن مضاعفة الريح بأي وسيلة، وسيكون هذا على حساب المريض الذي سيعاني من آلام مرضه ومن تكاليف العلاج الباهظة، التي لن يقدر عليها إلا القلة من الأغنياء والميسورين.
ومن هنا وُضع أساس (المستشفى الإسلامي المركزي) بطريق المطار (الجلاء العسكري الآن) ليكون مؤسسة طبية كبرى تقدم أرقى وأحدث وسائل العلاج بسعر التكلفة فقط (مع العلاج المجاني للفقراء والمعدمين)، ولتلبي حاجة الطبقة الوسطى من الشعب؛ تلك الفئة الكريمة، التي لا تستطيع دفع تكاليف العلاج الباهظة في المستشفيات الاستثمارية، وكاد المشروع أن يتم لولا هبوب عواصف وزوابع مرت بالبلاد- تحملها الدكتور الملط ورفاقه، فلم ييأس، وتسلمنا أرضًا بديلة في منطقة الجولف بمصر الجديدة لنضع حجر الأساس من جديد، ويكون الدكتور الملط مع فضيلة الشيخ الغزالي هما مَن يضعان اللبنة الأولى في بناء الصرح الكبير، في وجود عددٍ كبيرٍ من كبار الدعاة والأطباء، وأرباب الخير في مصرنا الغالية عام 1993م.
نعم لقد تأخَّر المشروع طويلاً، وتوقف عدة مرات، فقد كانت رؤية في الانتشار الأفقي، وعدم التركيز في مشروع واحد، فتمت إقامة نحو من عشرين مؤسسة طبية صغيرة ومتوسطة تؤدي رسالتها على أكمل وجه في أنحاء القطر.
وبعد ذلك ظلت الحاجة- ولا تزال- ملحة لإنشاء صرحٍ طبي على مستوى عالمى ليؤدي الوظائف الكبيرة التي لا تستطيع المؤسسات الصغيرة تحقيقها.
وتشاء إرادة الله تعالى أن تأتي المنية لذلك المجاهد العظيم في ثالث أيام التشريق عقب أدائه فريضة الحج عام 1995م، ولا زالت أذكره- رحمه الله- بعد آخر اجتماع لمجلس الإدارة في أرض الجولف، وقبل سفره للحج بأيام قلائل- وهو يوصيني بالمستشفى، ويدلني على أمانات لديه، وعلى وعود بالتبرع من رجال خيرين بعينهم وكأنه يشعر أن هذا هو آخر عهده بالمكان والزمان، بل بالدنيا الفانية بأسرها.
أليس من حسن الخاتمة، وبشريات القبول أن يلقى ربه عقب أداء فريضة الحج ليبعث يوم القيامة إن شاء الله ملبيًا، وقد صلَّى عليه في المسجد الحرام 2 مليون حاج، ويُدفن في مقابر المُعلّى بمكة المكرمة (بجوار قبر السيدة خديجة رضي الله عنها).
تأبى الممات بأرضنا ** فتموت في حرم الإله
فهناك في أم القرى ** قد طيَّب المولى ثراه
وبعده بعام واحد يلحق به فضيلة الغزالي، ليدفن هو الآخر في أرض البقيع في جوار الحبيب النبي- صلى الله عليه وسلم-، وبجوار إبراهيم ابن النبي والإمام مالك- رضي الله عنه-.
طوبى لمَن سكن البقيع محققًا أغلى مناه ** رب الوجود تفضلاً بجوار أحمد قد حباه
هذه النماذج العالية التي تفعل الخير لآخر رمق في حياتها، غير عابئة بما يصيبها من أذى وعنت، تُحسن العمل، ونخلص النية، وتصدق الجهاد، فيكون الجزاء الأوفى حسن الخاتمة وروعة المستقر وجمال الذكر- هنا في الدنيا- مع ما ينتظرهم من الكرامة والفلاح والسعادة والهناء في دار الخلود.
هكذا نبتت فكرة الجمعية الطبية الإسلامية، غرست البذرة فأنبتت الزرع وأتت ثمارها يانعة يافعة، وتوشك أن تطرح الثمرة الكبرى في مشروعنا الكبير الذي كان حلمًا وضعت أساسه أيادي طاهرة، لقيت ربها ليستكمل المسيرة تلاميذ يحاولون السير على نفس الدرب ونفس النهج.. ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)، فهل نكون من الصادقين جهدًا وعملاً ووفاءً، لنحقق آمالهم ثم نلحق بهم ونلتقي معهم إن شاء الله تعالى.. ﴿...فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ (القمر).