ها هي التفجيرات تطل برأسها من جديد في وسط القاهرة في حي من أشد أحيائها ازدحامًا واكتظاظًا بالمصريين والأجانب، ولقد أسفر الموقف عن مقتل سائحة فرنسية وجرح العديد من الأجانب والمصريين.

 

لقد أعاد هذا التفجير مجددًا إلى الذاكرة المصرية ذكريات التفجيرات المتلاحقة التي مرَّت بها مصر في ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث عانت مصر منه كثيرًا سواء من الفعل الخاطئ أو رد الفعل المفرط المستغل.

 

غير أن هذا الحدث- والذي أُدين به كلٌّ من الإسلاميين بمختلف توجهاتهم، وعلى رأسهم التنظيمات الجهادية التقليدية- يطرح العديد من التساؤلات عن الجهة والفكر اللذين يقفان خلف هذه الأعمال.

 

ولقد شرَّقت الآراء وغربت من قائل "الموساد الصهيوني" وآخر يؤكد أن النظام المصري هو مَن قام بذلك ليتدثر بهذه الوقعة خلال حملات قمعية جديدة على المعارضين، وفي مقدمتهم الإسلاميين، وثالث يُبرهن أنهم الشيعة وليس سواهم.

 

ورغم حماسة القائلين بهذا التحليلات إلا أنهم (في نظري) قد أبعدوا النجعة في تصوراتهم، ولكن القليل من التفت إلى إمكانية قيام جيلٍ جديدٍ ممن يتبنى العنف كردِّ فعلٍ للواقع المرير، إنه جيل جديد من الجهاديين المحطمين (شلة من شلل) شباب مصر العاطل البائس من يومه اليائس من غده الذي لم يهنأ يومًا بشبابه وحاضره، وليس لديه ثمةَ أمل في قابل أيامه.

 

إنه الشباب الذي تراكمت عليه كل عوامل التحطيم والتجهيل والتعطيل والتخويف والإجهاض لكل أحلامه وطوَّقت العراقيل عليه كل مناحي حياته، بل وأغلقت عليه مستقبله ولوثته له قبل أن يأتيه فهرع الى فضاءات الإنترنت فتلقفته أفكارها وتجاذبته شباكها، وهو المنهزم نفسيًّا، والذي يعيش بلا هدفٍ أو رسالة، ويرى بعينيه الداخل والخارج، فأما الخارج فالاستكبار الأمريكي والبطش الصهيوني والتواطؤ العالمي والوهن الإسلامي والذل العربي.

 

وأما الداخل فيرى البطالة والاستبداد السياسي والفساد الخلقي والظلم الاجتماعي والفقر الذي تتسع رقعته يومًا بعد يوم بلا أزمة عالمية، فكيف وقد جاءت على الجميع، إنه ميت وإن تحرَّكت بعض أعضائه، فاقد للحياة الكريمة وإن دبَّت أقدامه على الأرض.

 

إن كل معالم هذا الواقع المر من شأنه أن يكون تربةً خصبةً لظهور العنف السياسي مجددًا، خاصةً إذا وضعنا في الاعتبار التعاطي الفاشي والفاشل الذي تقوم به أجهزتنا الرشيدة مع هذا النوع من القضايا والتي يكون لها أبعاد فكرية أو اجتماعية أو سياسية فإنها لا تفهم إلا التعامل الأمني أيًّا كانت أبعاد القضية.

 

ثم إن هذه العملية ليست الأولى منذ إعلان الجماعات الاسلامية التي كانت تتبنى العنف السياسي العودة إلى سلمية العمل الإسلامي، لقد شهد عام 2005م تفجيري ميدان السيدة عائشة وميدان عبد المنعم رياض.

 

فهل استوعب النظام الدرس؟ أم أنه نظر فقط إلى محدودية التأثير وقلة الخسائر في هذه التفجيرات الثلاثة وإلقاء القبض على المشتبه بهم؟!!.

 

إن هذا كله مرشح للزيادة والانتشار والعمق ما لم تتجه البلاد إلى إصلاحٍ حقيقي يتناول كافة المجالات، وإلا وقتها لن نقول (على نفسها جنت براقش)، ولكن نخاف أن نقول (علينا جميعًا جنت براقش).

-------------

* العضو المؤسس للتجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين، المسئول الثقافي، عضو الهيئة الإدارية العليا لاتحاد الجاليات الإسلامية في إيطاليا، الإمام والخطيب بالمجمع الإسلامي بمدينة ريجو إيمليا بالشمال الإيطالي.