د. إيهاب فؤاد

إنَّ من بواعث الهمم، وتجديد العزائم، وانتعاش النفوس بعد اليأس، أن نترقب فرجًا قريبًا وأملاً أضحى قاب قوسين أو أدنى من التحقيق.. أن نشعر أنه بعد كل ليلٍ طويل يأتي فجرٌ مشرق بنور الله، على يد كوكبة من المؤمنين الصادقين العاملين المتجردين لله تعالى، كوكبة ينضوي تحت لوائها من تجرَّعوا مرارة الصبر على المحن المتتابعة، ومشقة مجاهدة النفس، ومن تفطَّرت أكبادهم قهرًا حتى ظنوا أنَّ النصر أضحى ضربًا من الخيال، ثم ما لبثوا أن عادوا إلى رشدهم، وتألَّقت أرواحهم أملاً في يوم جديد على بقعة جديدة.
وليكن من تمام إيماننا وسلامة عقيدتنا أن نترقَّب نصر الله تعالى، وأن نلتمس تمكينه في الأرض، في تحقيق ما كنا نصبو إليه، ما كان بالأمس حلمًا وأضحى حقيقة تراه العيان، ما كان بالأمس كخيوط الشمس الذهبية، لا تمسك به، حتى بتنا نترقَّب إطلاله ليجدد العزم.
لقد عشت حياتي أتأمل قمم الجبال وأرقبها بنفس نهمة شغوفة كي تتسلقها وتجتازها، فإذا ما واجهتني الصعاب أزلتها وأنا ألتمس من الله القوي العون والنصر والسداد، كم ليالٍ أمضيتها أقلِّب في أمهات الكتب، ثم أقلِّب وجهي في السماء سائلاً المولى أن يلهمني رشدي وصوابي حتى أحقِّق ما أريد!! كم دموعٍ ذرفتها لقلة حيلتي ولضيق صدري، فإذا برحمة الله تمسح حزني وتزيل همي!!، كم أملٍ عاش يطاردني في ليلي ونهاري؛ فأعمل ما في وسعي لأحققه، فإذا ما حققته تطلَّعت إلى غيره!!.
لقد تنفَّست أريجَ الهمَّة من سير الصالحين والتابعين، وتعلَّمت كيف يصبح المستحيل واقعًا من سير الأنبياء والمرسلين، فبتُّ من ليلي وهمَّتي هي زادي وعتادي، تعلَّمت في مدرسة الهمة أنََََّ ترقُّب النصر هو مفتاح التمكين في الأرض، وأن التبعة الملقاة على عاتق أهل الحق أن لا تفتر عزيمتهم، وأن لا يكلّوا من العمل الدائم المستمر حتى تتحقق غايتهم؛ لأن وراثة الأرض تعني أن تتحقق الخلافة فيها، ولن ينجح المستخلفون بعزائم واهية وقوى خائرة، فهي تحتاج إلى عزمٍ شديدٍ وإلى نفس لا تركَنْ ولا تُهادن ولا تستريح؛ حتى ترى مقعدها من الجنة.. صدق ربنا القائل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105)
فالنصر يحتاج إلى جيل رباني، ينفض غبار النوم والكسل، يربط حبلَه بحبل الله المتين، يقوم حين ينام الناس، ويكتحل بالأمل حين ييأس الناس، ويزمجر حين يخبو صوت الناس، ويكون النصر بجيل يُقبل على العبادة وينهل من الطاعة وهو يستشعر التقصير، ويحبوه أملٌ في مزيد من القرب من الله ونُصبَ عينيه حسن الظن بالله تعالى.
الربانية تعني في أبسط صورها أنَّ كل أمر مصدره الرب سبحانه وتعالى، والرباني هو الذي يلتزم ذلك المنهج في كل أمرٍ من أمور حياته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 174).. قال الله تعالى: ﴿كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 79).
إنَّ الأمة أحوجُ ما تكون إلى رجال الليل الأتقياء البرَرَة، الذين إذا أقسمَ أحدُهم على الله لأبرَّه، بأمثالهم تنتصر الأمة، وبأمثالهم تعود الأمة إلى سابق عزِّها، والربانية تحتاج إلى عمل حقيقي، وإلى حسن توكُّل على الله، وإلى همَّة عالية، فطالب الجنة لا ينام.