الصورة غير متاحة

 د. إيهاب فؤاد

لم أكن أدري أن بين الماء في العين والسماء إلى الأرض رابطًا، مع إطلالة ذلك اليوم، وزخات المطر التي تتساقط فتكسو الأرض بلون الماء الذي يجمِّل كل شيء، فيحمل في نفسي معاني جميلة ممتدة جذورها منذ الصغر، حين كان ينزل الماء غزيرًا فنتسابق أطفالاً لنجري في ماء المطر؛ الذي اختلط بتراب الأرض فأصبح مزيجًا من ماء وطين، فنجري ونلهث ونتسابق، لا يهمنا برد الشتاء الزمهرير، ولا برودة حبات المطر المتساقط، فكل ما يهمنا أن نعيش الموقف الجميل ببراءته وعفويته، لا يكدر صفونا شيء، ولا ينغِّص عيشنا شيء، ومكثنا دهرًا حتى شابت قلوبنا قبل رءوسنا، وبلغنا أرذل العمر وما زلنا في ريعان الشباب..

 

شيَّبت قلوبنَا ونفوسَنا أحداثٌ تقلَّبت وتعاقبت علينا أحداثٌ وراء أحداث، سرقت منا أجمل لحظات العمر، وأفقدتنا براءة الطفولة، وكبَّلتنا بهموم الكهولة والشيخوخة..

 

لا شيء يبقى.. لا شيء يدوم.. كل شيء سرعان ما ينتهي.. فلَكَم أستشعر الرهبة في قلبي كلما وقفت على أعتاب عمري لأحصي سنواته، وأنا أتذكر أحداثًا زاد عمرها على ربما الثلاثين واقترب من الأربعين وهي شاخصة أمامي كأنها بالأمس..

 

أستشعر أننا اقتربنا من محطة الوصول، وأن العمر أسرع من طائرات الدنيا، وأن لحظات السعادة فيه سرعان ما تتتابع، كم أتمنى أن يتوقف الزمن وأن لا تدور عجلته بعضًا من الوقت؛ علني أغيِّر حساباتي وأراجع نفسي.

 

لقد اختلطت دموعي بفيضان الماء وجريانه المنهمر من السماء مع صوت تلك الطفلة التي تصرخ وتقول:

فلسطيني أنا اسمي فلسطيني

نقشت اسمي على كل الميادين

بخط بارز يسمو على كل العناوين

حروف اسمي تعايشني، تلاحقني، تغذيني

حتى وصلت إلى..

وصوت مؤذن الأقصى يهيب بنا أغيثوني

وآلاف من الأسرى وآلاف المساجين

تنادي الأمة الكبرى وتهتف في الملايين

 

لَكَم أوجعتني كلماتُها، وهزَّتني صرخاتُها، وأخذني صدقُ تعبيرها، وبلَّلت وجهي دمعاتٌ سالت على يخدها، فاختلطت المشاعر بالدموع، واختلط جمال التعبير بصوت ملائكي ينادي ليوقظ الأمة الموتى، وينفخ في أرواحها علَّها تصحو.

 

لكم نحن عاجزون، لقد تجمد بقايا الدم في بقايا العروق، لقد تبلَّدت المشاعر، وتحجَّرت الدموع في المُقَل، وتوارت حُمرَةُ الخجل، وذَبُلت أوراق النخوة وتساقطت تحت الشجر لعلَّ الأرض أن تواري فعلتها، فلم تعد الأوراق تواري عورةً، أو تستر خبرًا.

 

آه من تلك المشاعر المتأججة في صدري، ومن تلك الأنَّات التي تخنق أنفاسي، وكأنني أنادي في جزيرة منعزلة عن العالم، وسط جبال تصد الريح، وتكتم الصوت.. لقد أوجعتني كلماتها.. وأخارت قواي عزمتها، وأوهنتني وقفتها لتمسح دموعها ثم تتركني أدمع أنهارًا وأنهارًا.

 

لَكَم كان صوتها شجيًّا ودمعها غضًّا طريًّا، استقبلته وأنا أستقبل عامين بعد الأربعين من عمري بعد سويعات، أستقبلها بجراحات متنوعة، وأشلاء لأمة متناثرة، أحاول أن أستبق الساعات والأيام، وأحصي ما أنجزتُ في حياتي، وأترقب نورًا وبصيصًا، تتهلل نفسي لرؤيته، وترتجف لوثبته.

 

إنه تمام العمر الذي مر كلمحٍ بالبصر، كالبرق الخاطف، أفتش في أوراقي وأقلِّب في دفاتري، فلا أجد سوى الأمل الذي أُمِرتُ أن أحيا به، لم يعد في العمر مثل ما مضى، لقد ذهب طيف العمر ببراءته، وترك إرثاً ثقيلاً من المتاعب، وحملاً تنوء به الجبال من هموم هذه الأمة التي تتصاغر أمام همومها همومُنا.

 

كم ودعنا من أحبة، وكم استقبلنا من أعزاء جدد خرجوا إلى الحياة ولا يعلمون لهم مصيرًا.

تمام الأربعين تمام الرشد وكمال العقل، فماذا لو غاب العقل، وفقد الرشد، وتبدل الحال؟

تخنقني عبراتي وأنا أرى من حولي لا يقيمون لأعمارهم وزنًا، ولا يقدِّرون لأوقاتهم قيمة، فينصرم العمر ويمضي الزمن ثم يخرجون من الحياة كأنهم لم يكونوا فيها.

 

ثم أتهلل وأنا أرى أناسًا أتوا إلى الحياة وفارقوها ولم يفنَ ذكرهم، فأضافوا إلى أعمارهم أعمارًا، وإلى حياتهم حياةً.

 

أتمنى أن يكون الغدُ خيرًا من الأمس، وأن يكون الأمس دافعًا لمزيد من العمل في الغد المشرق بإذن الله..

 

وأن يكون غدٌ هو يوم عودة الأمة إلى سابق عهدها وعظيم مجدها.