بقلم: الشيخ/ خيري ركوة - من علماء الأزهر الشريف

أيها الإخوة، لقاؤنا معكم، في هذه الظروف التي تمرُّ بها أمتنا، نترسم الطريق، ونهدف أن نجتمع على كلمة سواء، ننظر في المحنة على أنها منعطف على الطريق، وليست النهاية.. فإن الأمة ستظل -بإذن الله- تؤدي دورها وتستأنف سيْرها واستمراريتها. فلم ولن تتوقف- بعون الله- عزماتُ المجاهدين؛ فما هذه أول مرة تتعرض لعداوات المتجبرين وظلم المستكبرين، فكم تكسرت على أرضها مطامح المستعمرين، وخابت ظنون الغاصبين ثم أفاقت تستعيد عافيتها وسلامتها، حدث هذا، وما تزال الأمة مؤهلةً لهذه الاستعادة. وإنْ هذه إلا جوْلة من جولات الزمن تُمتحن فيها العزائم التي لن تستسلم قناتها لطاغية لا يرعى للعدالة إلاًّ ولا ذمة، وفي "عين جالوت" و"حطين" عبرة وتذكار، وما يعقلها إلا العالمون.

وإننا في تجاوب مع الحدث الأليم وما أعقبه، مما لم يكن يتوقعه كثير من المتابعين. سنعيش مع الحدث، وما يلقيه علينا من تبعات ومسئوليات، من خلال محاور نتناول فيها جوانب من القضية في نظرات تطل على المستقبل؛ إنهاضًا للهمم، وإيقاظًا للعزائم. وقد اقترحنا عددًا من المحاور يدور حولها الحديث وليست على سبيل الحصر، بل الأمر متسِعُُ لمن يقترح محاور أخرى تَصُبُّ في مجرى تلك الأحداث وما تقتضيه.

وقد تعرضنا لبعضها بشيء من الشرح والبيان؛ ليكون تقدمة لبيان أغزر، وشرح أقوى وأقدر من ذوي الأقلام المسددة، والكلمات المجندة، وهذه المحاور التي اقترحناها هي:

1- وحدة الأمة.
2- متى يتحقق نصر الله؟.
3- بثُّ روح الأمل وعدم اليأس.
4- الثبات والجهاد والتضحية.
5- الإيجابية.
6- المخطط الصهيوني الأمريكي في المنطقة.
7- استمرارية الصراع بين الحق والباطل.
8- توظيف المناسبات لخدمة الأزمة.

وعسى أن يُهيَّأ لنا من الجهد والعطاء ما نتابع به استكمال الحديث الموجز حول هذه المحاور.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أننا قد توخَّيْنا بعض الأهداف نريد أن تتحقق من خلال هذه المحاور وذلك الحوار.

 

الخطاب والمخاطب (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله ومن والاه ... وبعد،

فإن أمتنا تمر بفترة من الزمن تمشي فيها على الشوك وتقتات المرارات، وكمن يخرط القتاد - كما يقولون-، وهي في هذا تحتاج إلى الكلمة الدافعة لا الدامعة، والعبارة الآسية لا القاسية، وأن تتعالى فيها الصيحات المتدبرة والمتفكرة لا المتعثرة و المتعسرة. وجامع ذلك في وصايا ربنا: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(الإسراء:53) ونستهِلّ ذلك بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران:200) ونقترح أن يكون هذا الخطاب لهذه المرحلة من خلال هذه المحاور.

  1. وحدة الأمة: أمتنا واحدة ربَّتها العقيدة الواحدة، وبلوَرَتْها الأحداث عبر الدهور. وكانت العداءات التي توالت عليها تستهدف-أول ما تستهدف– قيَمَها ورسالتها، ومواطنها ومقوماتها، وأهم المستهدفات تقطيع أوصالها، وتشتيت جمعها، وجعلها فرقًا ومزقًا يسهل ابتلاعها والسيطرة عليها، وكانت -وما تزال–قوتها واستمراريتها في هذه القيمة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا(الحج:77) وفي: "إياكم والتفرق، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" وأن تحذر الحكمة الخالدة "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".
  2. نصر الله: طريق تحقيقه، أسباب حصوله، وسائل القرب منه، ومنها المادي ومنها المعنوي، منها نوع الإنسان، وأهليته لتلقي النصر، ومنها الأشياء، والأسباب والوسائل، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ(التوبة:60) ومنها مدّ البصر إلى بطون الزمن؛ لنستلهم منه هذه العوامل وتلك الأسباب التي سعدت بالرسالات التي ورثناها مجمعة في رسالتنا (الإسلام ودعوته)، فللنصر أسبابه ومستنزلاته منذ نوح -عليه السلام- إلى خاتم النبيين محمد – صلى الله عليه وسلم، وللحصول على ذلك فلا بد أن نولي أنفسنا شطر القرآن والسنة، فقد حويا قوانين هذا النصر بعوامله ومستجلباته وتتركز كلها في ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ (آل عمران:126) ويتركز طريقه في ﴿إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(محمد:7)
  3. بثُّ روح الأمل والتبرؤ من اليأس: إن الأمر كله لله.... فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد حذرَنا من تسرب اليأس والقنوط إلى نفوسنا؛ لأننا نؤمن بأن الله قوى عزيز، لا غالب له. هو المستعان الناصر القادر المقتدر، المعز المذل الباعث، بيده ملكوت كل شيء، وله الحكم. هو خالق الأسباب والمسببات وربها، يوجِد الأشياء بأسبابها، وبغير أسبابها إن شاء الله. يجعل الضعيف قويًا والقلة كثرة، وما أكثر ما تجلَّت حكمته في إيجاد المسببات، وإن قلّت أو تخلّفت عنها أسبابها!! ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (آل عمران:123) .. و﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة:249)... سبحانه، قد يحول المهلكة إلى منجاة ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(القصص:7).
    ولما سُدَّ الغار على الثلاثة المشهورة قصتهم في السنَّة، لم يكن لهم أي سبيل إلى النجاة إلا دعاء الله متوسلين إليه بما سبق من عملهم؛ مما عساه أن يكون صالحًا مقبولاً... قال كل واحد منهم: اللهم إني كنت قد فعلت-كيت وكيت-  فإن كنت قد قبلته فإني أتوسل إليك أن تفرج عنَّا ما نحن فيه، دعا الثلاثة فانفرجت الصخرة بعمل الثلاثة، إذ كان باب الدخول إلى لطف الله وعونه وتفريجه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة:35)... فاجعلوا الآمال تلعق الآلام، وأشيعوا التعلق بحبل الله وأسباب الرجاء فيه، مع مضاعفة الجهود وصدق العزائم، واستعيذوا بالله من غوائل الهمّ والحزن، وطهِّروا ساحاتكم من بواعث العجز والكسل، وانتصحوا بالحكمة النبوية "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز".
  4. الثبات والجهاد والتضحية: هذه الثلاثية من القيم ينبغي أن ينشأ عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير؛ لأن كلاًّ منها ضمانة لتحقيق الأهداف وبلوغ المقاصد للأمة التي تحمل رسالة كبرى ومسئولية عظمى، وما أحوج أمتَّنا إلى التربية على هذه القيم؛ لتعوض ما فاتها، وتلحق بما يرنو إليه مستقبلها، وقد أحسن من قال وأصاب في مقولته: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب، ومناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة التي تحاول هذا-أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل- إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:
    - إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف.
    - ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.
    - وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل.
    - ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره.. على هذه الأركان الأولية، التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تُبنَى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتيَّة، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً"... ألا ما أروع أن نسمع من يقول: عرفتُ، فيقال له: عرفت فالزم!!.
  5. الإيجابية: ونعني أن يدور محورها حول تربية الأمة على الاندفاع الذاتي المحسوب وفي الاتجاه، فلا يُضيِّع جهد، ولا يُبدد وقت، ولا يستشري التكاسل والتواكل وانتظار عمل الآخرين. وننطلق في هذا من خلال قِيَم الإسلام التي حثَّت على الأوليَّة والسبق والمسارعة، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ(الزخرف:81)، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(الأنعام:163)، "لو يعلم المسلمون ما في الصف الأول لاستهموا عليه"، ﴿سَابِقوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ(الحديد:21)، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ(آل عمران:133)، ثم تبين هذا في التنويه بهمم الذين يسعون للسبق "سبقك بها عكّاشة" لقد سبق في الحرص على السؤال للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكون من أصحاب الجنة، وفي نشاطات الحياة تتعدد جهات التوجه، وفي كلٍّ يتحتم السبق إلى ما هو الخير ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ(البقرة:148)، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (فاطر:132)... وليس بخافٍ عنَّا ما فيه الثلاثة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(الشورى:22)... ويشير القرآن إلى المؤهلات التي ترشح أصحابها للسبق إلى اقتناص فرص الخير، وذلك فيما نتلو من قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ*نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ*إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ*وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ*وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ*وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ*أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (المؤمنون: 55-61).
    أجل!! السبق هو مظهر من مظاهر الإيجابية التي توجب على نفس صاحبها من التبعات والأعباء، ما لم يحتج فيه إلى آخر يوجبه، ما دام في إطار المهمة الرسالية المنوطة بالمسلم، فترى هذا الإيجابي، وذلك الإنسان الفَعَّال المجيب المتجاوب المستجيب، فإذا رنت المشكلات، وصاحت التبعات كان صداها حركته معها، وانفعاله لها ومعها، فهو في المظلمات إضاءة، وفي المعوجات تقويم وتسديد، وفي المتاهات والضلال هداية ورشاد، إنه الماء الطهور صالح مصلح، إنه حركة الخير والبر والإنقاذ حيثما كان، كما وصف في الحديث "المسلم كالغيث حيثما وقع نفع"، فلا يعرف الانعزال ولا الانطواء ولا الانكفاء على النفس، فليس في معجم كلماته، ولا في قاموس عباراته، "دع الخلق للخالق"، أو "للبيت رب يحميه" أو﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(المائدة:105). فالاستشهاد بالآية هنا خطأ في الفهم، وعوج في الإدراك، كما ردّ على ذلك أبو بكر-رضي الله- من ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن لم يفعل فلا يوصف مع المهتدين.
  6. المخطط الصهيوني الأمريكي: وفي هذا المحور نلفت الأنظار مذكرين بما يخطط هؤلاء، وما يرسمون من تصورات لمستقبل منطقتنا بل والعالم كله -لا سيما الإسلامي- منه؛ للسيطرة على أرضه، والاستيلاء على ثرواته، وقبل ذلك – لسهولة الحصول على هذه المطامع– إضعاف دينه، والقضاء على هويته وتغيير ثقافته، وتفتيت دوله، وتجزيء تجمعاته ومؤسساته، ومسخ تاريخيه في هجمات خفية حينًا ومعلنة أحيانًا، وتأخذ صورًا متعددة: تغيير المناهج المدرسية، والوسائل الإعلامية، والأنظمة السياسية، والمنظمات الإقليمية، والضغوط الاقتصادية، والضربات العسكرية، واستنزاف الثروات العقلية... وقد تمحورت الآن في مواقع من الأمة في- فلسطين والعراق، والتهديد لبقية الأمة العربية، ولسنا بعيدين عن الشرر المتطاير من "أفغانستان" وما جاورها.

 كل هذا جزء من إنهاك حضارتنا وتقطيع شراييننا، ووقف الدفق المتحرك في أمتنا؛ لتسود حضارة الجسد والمادة والمتع والشهوات، وثقافة الظلم والاستكبار، إنها ثقافة مَن ﴿إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ (البقرة:205)... وواضح ذلك من خلال ما يُطرح من الغزو الفكري والثقافي، وما يسمونه من صراع الحضارات، ووصف حضارتنا بأنها حضارة متخلِّفة، وواضح مما يُطرح من عقد المؤتمرات العالمية والإقليمية، اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية، وكلها تصُبُّ في مجرى إضعاف الإسلام وحضارته، وإخضاع أهله وشعوبه؛ لأنها الحضارة التي تسد الأبواب أمام عفَن الحضارة الحديثة، حضارة الجنس والربا والشذوذ، حضارة اللون وازدواج المعايير، وهي كذلك حضارة استغلال الشعوب، ونهب الثروات، واستعمار البلاد، واستعباد أهلها؛ لأنهم أصحاب حضارة عريقة تكرم الإنسان وتصون حياته وحريته وأمنه، وذلك مما يعلمه الناس جميعًا، ولا ينكره إلا منكر الشمس في صحو السماء رابعة النهار.

ذلك المحور هو ما ينبغي أن تدور حوله نفحات الأقلام؛ لترد لفحات السهام والانتقام، ولا يعزُب عن عقول الواعين من بني البشر جميعًا، أن الجولة إنما هي-بإذن الله- في صالح الحق الواضح، وفي جانب العدل الذي قامت عليه السموات والأرض، وأن البهرج الذي يظهر في قوة ظالمة متغطرسة ستهزمه قوة أكبر منه، تمهل ولا تهمل، فإذا أخذت لم تُفْلت، ﴿وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(الشعراء:227).

وإنا لنؤمن أن دعوة المظلوم لا تُرد، بل يقول فيها الحق، سبحانه "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين"، ونقول، لمن يستبعد ذلك أو ينكره، ما نؤمن به: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ*وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ*وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، (هود:123)... إنهم يكيدون، والله أحكم كيدًا، ويمكرون والله أسرع مكرًا ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا*وَأَكِيدُ كَيْدًا*فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (الطارق:15، 16، 17)، ومكر الظالمين إنما نتيجته أن يُردَّ عليهم، ويحيق بهم. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (فاطر:43)، وقد حكى لنا القرآنُ قبسًا من الطمأنينة تستقر به الأنفس المؤمنة عندما يتهددها الظلَمة بكيدهم وبمكرهم، فهذه دعوة الإسلام يبلغها لقومه نبي الله صالح -عليه السلام-، فيصرّون على ردها واستئصالها، فيدبرون لقتل صالح -عليه السلام- والتنكيل بأتباعه، ويتولى ذلك تسعة نفر من ثمود، هم المجرمون الذين أشعلوا الحرب، ونفخوا كيرها؛ ليزداد أوارها... والإجرام يتناسل، ويوجد من يحمله في كل قرية أعماها البطر وغرتها الأماني ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(الأنعام:123)، فماذا كان مكر المجرمين من ثمود؟!، طلبوا من معاونيهم وحلفائهم أن يتعاهدوا ويتواثقوا على المكر، ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ*وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ*فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ*فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ*وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (النمل:53)، فهذه ثمود ومكرها، وهو مصير كل ثمود تأتي بعدها.