داءٌ عضالٌ قديمٌ نُكبت به البشرية؛ تخلَّصت منه بعض المجتمعات، بينما ما زلنا في المجتمعات العربية جميعها نعاني منه أسوأ معاناة.. إنه داء النفاق.
يجمع المنافقون- على اختلاف صنوفهم- سماتٍ نفسيةً مشتركةً؛ هي: وضاعة النفس، والأنانية المفرطة، وعدم الانتماء لوطنٍ ولا جماعةٍ إنسانيةٍ، وانعدام الوفاء، حتى إن الشائع في عوالم المنافقين انقلاب المنافق على وليِّ نعمته والتنكُّر له فور أن يفقد القدرة على نفعه أو إيذائه، والأمثلة فوق العد والحصر.
وطوال تاريخنا لعب النفاق دوره الأسْود بلا انقطاع، وكان أكثر الناس ممارسةً للنفاق قديمًا الشعراء، حتى إن المتنبي أذهب أكثر من نصف عبقريته في النفاق، واعتاد أن يمدح فيرفع ممدوحه إلى الآفاق، ثم ربما تغيَّر اتجاه الريح فهوى به إلى أسفل سافلين، ومرَّغ كرامته في التراب طولاً وعرضًا.
وعلى سبيل المثال فقد قال في كافور الإخشيدي:
قضى الله يا كافور أنك أولٌ وليس بقاضٍ أن يُرَى لك ثاني
ثم عاد ليقول فيه:
مَن علَّم الأَسْوَدَ المخصيَّ مَكرُمةً آباؤه البيض أم أجداده الصيد؟!
أم أذنه في يد النخَّاس داميةٌ أم قدره وهو بالفلسين مردود؟!
وقال مُنوِّهًا بأصل كافور وأنه كان عبدًا:
لا تَشْتَرِ العبدَ إلا والعصا معه إن العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍ يُسيء لي فيه كلبٌ وهْو محمود
وشطرٌ هائلٌ من أشعار أحمد شوقي في المدائح والمراثي، وهو أمرٌ نحزن له أشدَّ الحزن، ونأسف أشدَّ الأسف.
على أن نفاق الشعراء لم يكن يمثِّل خطرًا يُذكر؛ فقد قُصِد من ورائه بعض الذكر لا أكثر، ولم يكن أحد يقيس الشعر إلا من خلال جوانبه الفنية، ولم يأخذ أحدٌ مدائح الشعراء مأخذ جد.
على أن النفاق في العصر الحديث، ومع تطوُّر وسائل الإعلام، صار نكبةً حقيقيةً لمجتمعاتنا؛ فقد انتشرت الصحف، وصار قُرَّاؤها بالملايين، وراح نفرُ من الكُتَّاب يمارس النفاق بدهاء ومهارة، وتطوَّرت فنون النفاق مع ظهور الراديو والتليفزيون تطورًا هائلاً؛ بحيث صار الإعلام يمارس فنون التعمية والخداع وقلب الحقائق وغسل أدمغة الناس بحرفيةٍ عاليةٍ، ولم يَعُد النفاق قصيدةَ شعرٍ تُلقى لقاء دراهم أو دنانير، وإنما صار صناعةً وتجارةً رائجتين إلى حدٍّ بعيد.
ويرتهن ازدهار النفاق بشيوع الاستبداد والقهر في أي مجتمع، وهذا هو سر نموه في المجتمعات العربية؛ حيث لا يزال بنيان الاستبداد قويًّا راسخًا.
غير أنني لست أعني بروح المنافق ما أسلفتُ عن تكوينه النفسي، وإنما أعني تلك الروح التي تتلبَّسه وهو يمارس النفاق؛ فلدينا ما لا يُحصَى من تلك الأرواح؛ أكتفي بالتعرض لبعضها لضيق المجال.
* هناك المنافق الذي تتلبَّسه روح الحكيم الذي لا ينطق عن الهوى: وهو عادةً يتحدَّث بصوتٍ رخيمٍ هادئٍ مُفعَمٍ بالوقار، ناطقًا بالزهد في الدنيا وما فيها، وهو عندما يكتب أو يتكلَّم يستميت في أن يُعطيَ القارئ أو الناظر إيحاءً بالتدين، ثم يبث سمومه بهدوءٍ واقتدارٍ، وهذا النوع من المنافقين أكثر انتشارًا بين كبار السن، سيَّما بعض رجال الدين.
* وهناك المنافق المتقعِّر: وسمته الأساسية أنه يقول كلامًا غير مفهوم، ويعمد إلى استعمال ألفاظٍ ثقيلةٍ غير شائعة الاستعمال مترجمةٍ عن لغات أجنبية غالبًا، وهو يروح يصول ويجول في مقارناتٍ ونظرياتٍ تُحبط القارئ أو المستمع، وتُعجزه عن المتابعة والفَهْم، فيسلم له بالتفوق منهزمًا، وفي النهاية يقرر صاحبنا- بعد الطواف بأرجاء الفكر في العالم- أن أحوال مصر في أفضل صورة، وأن من يجد ربع قوته عليه أن يحمد المولى؛ لأن مصر لو سارت غير مسيرها لمات الجميع جوعًا وكمدًا.
* وهناك المنافق العاطفي: فأنت تجده يتحدَّث حديثًا عاديًّا؛ فإذا مر ذُكر من ينافقه تغيَّر لون وجهه انفعالاً وتأثرًا، وأخذته نوبةُ خشوعٍ، فراح يتحدَّث وقد تغيَّر صوته فاكتسى بالوقار، ويُحصي مناقب معبوده وعبقريته وتفرُّده في كل شيء.
أذكر أن نوبةً مرضيةً عابرةً انتابت مسئولاً كبيرًا، فراح أحد المنافقين يبكي وينتحب على شاشات التليفزيون، وكلَّما اقتربت الكاميرا من وجهه علا صوت نحيبه؛ لما أصاب ربَّه من نزلة بردٍ عابرةٍ، ويقول المُقرَّبون من الرجل إنه ضلَّ طريقه في الحياة لأنه لم يحترف التمثيل، ويؤكدون أن قلبه قُدَّ من صخر، وإنما تظهر الأعراض العاطفية عند ممارسة الدجل والنفاق فقط، أو كما يُقال (لزوم الصنعة)!.
* وهناك المنافق الشتَّام: وهذا هو النوع السائد في مصر حاليًّا؛ فالبعض هيَّأته طبيعته وثقافته وتربيته لدورٍ فأبى طموحه والزمان الأسود إلا أن يُمسك قلمًا يمارس به غباوته وسوء تربيته، وأنت تطالع بعض الكتابات فتحار أشدَّ الحيرة في سبب ترك المجال لبعض الدببة تؤذي خلق الله، حتى من تريد نفاقه.
* وهناك المنافق البهلوان: وأبرز سماته أنه يبدأ بدايةً قويةً تُهيِّئ المُخاطَب بنوعٍ استثنائي من الصراحة، بعدها يبدأ أسطوانة النفاق.
ذات يوم في الزمان الغابر عرض التليفزيون برنامجًا عن شخصيةٍ ذات ثقل هائلٍ، وراح بسطاء المنافقين من المبتدئين يُعدِّدون محاسنها، وقال أحدهم إن خالةً له كانت تعرض صورة السيدة على الحوامل؛ علهن يلدن من ينال من جمالها حظًّا، وإن الخالة كانت تقول: "لا أظن أن الله يخلق مثل هذا الجمال ثانيةً"، تمامًا كما قطع المتنبي عهدًا أن الله لن يخلق نظيرًا لكافور لحظة مدحه.
وسار البرنامج الكئيب على هذا النحو، والمشاهدون يتثاءبون، وفجأةً جاء دور منافق بهلوان، فكان أول غيثه عبارات على شاكلة أن السيدة لا تُطاق، وأنها لا تتقي الله، وأنها لا تسمع النصح أبدًا، وأنه غاضبٌ منها، ساخطٌ عليها كل السخط، وخشيت على الرجل في اندفاعه أن يوجِّه إلى السيدة سبابًا أو يقول إنه مثلاً فكَّر في قتلها، ولكن ما كان يبث عندي بعض الاطمئنان أن الأمر مرتَّب- غالبًا- وانتبه المشاهدون وكفوا عن التثاؤب، وتماسك صاحبنا وراح يفسِّر من الأمر ما قال موجَزًا فغُمَّ على المشاهدين، فقال إن السيدة لا تُبقي لنفسها ساعةً ترتاح فيها من هموم الناس وسعيها إلى حل مشكلاتهم، وإنه طالما قال لها منبهًا: "إن لبدنك عليك حقًّا"، وإنه يأخذ عليها كرمها الذي يتجاوز كل حدٍّ؛ مما يُطمع الناس في هذا الكرم طمعًا لا يعرف نهاية، وإنها لا تسمع في هذا المقام نصيحةً، وإن ما في يدها يعرف طريقه إلى المحتاجين، وإن عليها أن تتقيَ الله في صحتها، وظل الرجل يردِّد ويقول ويُعيد ويزيد، ولم أعرف أأضحك أم أبكي.
وأيقظني من شرودي صوت أحد أقاربي كان يجلس معي، وهو رجل أمي بسيط، وقد كان سعيدًا بالرجل في البداية، وأفرط في الثناء على شجاعته، مرددًا: "ربنا يحميك"، فإذا به فجأةً يصرخ كمن لدغه ثعبان قائلاً في حسرة: "يا ابن الـ..."!!.
---------
* رئيس لجنة تقصِّي الحقائق بنادي قضاة مصر.