![]() |
|
د. إيهاب فؤاد |
وفي اليوم التالي أعاد سؤاله، فأجبته بمثل إجابتي، لكنني توقفت قليلاً مع سؤاله، وهو الذي لم يتجاوز خمس السنوات ونصف السنة، وقلت: شكرًا لكم بني صهيون وإن كنتم لا تستحقون الشكر.. لقد غرستم في ولدي دون قصد منكم حب الجهاد، وفطمتموه على كرهكم، لقد علَّمتم ولدي أن الشهادة أسمى ما يطمح إليه الطامحون.
شكرًا لكم أنكم أيقظتم هذه الروح في قلوب الصغير قبل الكبير.. ما خطر ببالي يومًا أن يسألني ولدي عن حماس، عن تلك الشجرة المورقة التي استمدت نهجها من معين صافٍ، بدأه رسول الله، ثم جدده شهيد الإسلام الإمام البنا في العصر الحديث.
لم أكن أعرف كيف كنت سأشرح له هذه المعاني العظيمة، وكيف كنت سأحدِّثه عن الجهاد ضد الأعداء، وهو الغض الطري، الذي في مقتبل حياته.
شكرًا لكم أن وحَّدتم الأمة، وجمعتم كلمتها، وأيقظتم الإيمان المُخدَّر في قلوب أبنائها.
لقد اجتمعت الأمة ولأول مرة على طريق واحد: شجبت، استنكرت، تفاعلت، أعلنت عن أرواحها لتُقدَّم رخيصة لترفع اللواء.
شكرًا لكم أن جعلتم عيوننا تذرف لحال إخواننا.. لقد جعلتمونا نسترخص الموت في سبيل الله، أشعرتمونا بعز الإسلام، وبمعية الله، وبفضله على من اصطفاهم لحمل اللواء حين سقطت كل الرايات.
لقد ذكَّرتموني في انتفاضتكم الأولى حين قلنا حان قت الجهاد بالمال، وإذا بطفلٍ صغير يتبعني خلف السيارة راكضًا وهو يقول: "يا عم.. خذ هذا لإخواننا في فلسطين"، وإذا به يناولني ما يحمله في يده من (البسكوت)، ونظرت فإذا امرأة طاعنة في السن تنادي: "يا بني"، فقلت لها: "لبيك يا أماه"، قالت: "خذ هذا لأولادنا في فلسطين"، وإذا به طبق به ما يقارب نصف الكيلو من الأرز، فسالت دموعي، وقلت إن أمة هذا حالها هي أمة لن تموت.
حقًّا.. هذه الأمة تمرض، لكنها لن تموت، وتكبر لكنها لا تشيخ، وتهرم لكن ظهرها لا ينحني، وتهادن لكنها لات عطي الدنية في دينها، واليوم يتأكد صدق حدسي.
إنها تلك اللحمة التي سطرتها ملاحم سيذكرها التاريخ بأحرف من نور، لقد أيقظ اليهود معانيَ العزة في قلوب رجال أشداء؛ سطَّروا بجَلَدهم صفحات ناصعة البياض، الجثث تتناثر، والدماء تلطخ الجدران لكنهم صامدون، وشامخون شموخ الجبال الشم الرواسي.
إن المرحلة وأحداثها توجب علينا تبعات جسامًا:
1- حسن الصلة بالله عز وجل: فإن المحن تقرِّب من الله بطول سجود، وصيام وقيام.
2- الدعاء: سهام الليل التي لا تخطئ طريقها، والإلحاح عليه سبحانه.
3- الثقة في نصر الله عز وجل: وإن تباهى الأعداء بما يملكون من عتاد؛ فما عند الله يغني، ويكفي، ويقي.
4- التذرع بالأمل: لأنه مفتاح النصر ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21)، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39).
5- إن معايير النصر الربانية غير معايير البشر: فليس النصر بقوة عتاد وسلاح، إنما بمدد الله تعالى لعباده، قال تعالى ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 249).
6- الجهاد بالمال: ولا أقول التبرع؛ فهو واجب علينا يرتقي إلى مرتبة الفرض؛ لحاجة إخواننا الملحِّة إليه، فأرُوا الله من أنفسكم خيرًا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245).
وفي موضع آخر في سورة الحديد يقول سبحانه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 11).
إن غاية المنى هي الفوز العظيم حين نقدِّم أنفسنا وأموالنا لله عز وجل، قال تعالى ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111).
