بقلم: فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب
على أساس من هذه القواعد التي نسوق بعضها انتصر المسلمون وسادوا وأقاموا الحضارات التي انبعثت من هذا الدين العظيم، ومنها:
* الإيمان الكامل بشمول الإسلام لكل جوانب الحياة، فهو دين ودولة، وعبادة وقيادة، واقتصاد وثروة، وهو سياسة لسعادة الدنيا والآخرة.
* النصح والتذكير بالله، قال رجل لعمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "اتق الله".. فاستنكر عليه البعض، فرد عليهم عمر "دعوه فليقلها، لا خيرَ فيكم إن لم تقولوها ولا خيرَ فينا إن لم نسمعها".
* الإحساس بالمسئولية عن الأمة كلها، حتى عن الدواب، يقول عمر: "لو عثرت بغلة على شطِّ العراق، لظننتُ أن الله سائلي عنها يوم القيامة، لمَ لمْ أسوِّ لها الطريق".
* وحين راجعته امرأة في المسجد وهو يتحدث عن تحديد المهور، أصابت امرأة وأخطأ عمر.
وفي الأثر: "أحب من الرجل إذا سيم الخسف أن يقول لا بملء فيه".
المساواة بين جميع الخلق بصرف النظر عن هويتهم يسمع- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: "أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، لا فضلَ لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".
لقد استوعب الخلفاء الراشدون معنى القرآن وعملوا به واتخذوه إمامًا فأنشأوا حكومة قضت بالتساوي بينهم وبين فقراء الأمة، في نعيم الحياة وفي شظفها، وقووا في المسلمين عواطف الأخوة ووثقوا روابط الاجتماع والتضامن.
يقول قاضي قضاة دمشق: "ليس في الإسلام نظام شبيه بنظام الكهنوت يتحتم معه عزل رجل الدين عن الحياة العامة؛ ولذلك ساهم رجل الدين الإسلامي في كل حركة سياسية أو إصلاحية عادت على وطنه بالنفع، وكان رجل الدين أقرب الناس إلى الجماهير، وأكثرهم اتصالاً بالرأي العام وكانت مشورته السياسية ذات قيمة لا تنكر، وآراؤه ذات صدى لما يدور في نفوس الشعب، ومرآة تنعكس عليها آماله وأمانيه...".
يقول الإمام البنا:
هذه مزية الإسلام الذي جمع بين الدين والسياسة كوحدة لا تنفصم، يقول: "... قلما تجد إنسانًا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام، إلا وشهدته يفصل بينهما، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ولقد حاول غير المسلمين أن يحصروا الإسلام في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواحٍ قوية عملية، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورًا من الأشكال والمظهريات، فافهموا المسلمين أن الإسلام شيء والاجتماع شيء آخر، وأن الإسلام شيء والقانون شيء غيره.
وإذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة وغير الاجتماع وغير الاقتصاد وغير القانون وغير الثقافة، فما هو إذن، أهو هذه الركعات، أم هذه الألفاظ؟.
إن الإسلام عقيدة ووطن وجنسية وسياسة وقوة وخلق ومادة وثقافة وقانون وعقيدة.
ولقد جاء الإسلام حضارةً كاملةً ونظامًا جامعًا، استطاع أن يمد بلاد الشرق بكل مقومات الدول وأساليب السياسة والحياة والتشريع.
يقول العالم المهتدى محمد أسد: "إن الإسلام لا يقسم حياة الفرد إلى قسمين اثنين، قسم للحياة الروحية والأخرى للحياة المادية، بل إن هاتين الحياتين في الإسلام تكونان كلاًّ متسقًا، فالإسلام لا ينظم علاقة الفرد بربه فقط، ويهمل علاقة الفرد بالفرد أو الفرد بالمجموع والإسلام يدفعنا إلى الكمال ويعلن أنه ممكن في الحياة الدنيوية، فلا تؤجله إلى ما بعد إقامة شهوات الجسد، ولا هو يعدنا لسلسلة متلاحقة الحلقات من تناسخ الأرواح على مراتب متداركة كما تفعل الهندوكية ولا يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية، والإسلام لا ينظر إلى الإنسان كأنه ملوث بالخطيئة منذ ولادته بحكم وراثته لأبيه آدم كما تقول بعض الديانات ولا يعتبر الحياة الإنسانية مدنسة...".
ويصور أحد الأدباء "المسلم" في أنه "يوحد بالله ولا يشرك به أحدًا من خلقه ويقدس جميع الشرائع التي أنزلها الله، ولا يفرق بين أحد من رسله، ويساوي بين الناس كافةً في الروح والعقيدة، لا في الجنس والوطن، ويسوي بين الإخوة أجمعين، في الحقوق والواجبات، فلا يُميز طبقةً على طبقة، ولا جنسًا على جنس، ولا لونًا على لون، ويجعل للفقير حقًّا معلومًا في مال الغني يؤديه إليه طوعًا أو كرهًا، فيستقيم ميزان العدالة في المجتمع ويجعل الحكم شورى بين ذوي الرأي فلا يحكم يأمره باغٍ ولا يصر على غيه مستبد، ويحرر العقل والنفس والروح، فلا يقيد النظر ولا يحصر الفكر، ولا يقبل التقليد، ولا يرضى العبودية، ويأمر معتقديه بالإقساط والبر لمَن خالفوهم في الدين وعارضوهم في الرأي، ويوحد الدين والدنيا ليجعل للضمير السلطان القاهر في المعاملة وللإيمان الأثر الفعال في السلوك....".
ولقد كان لتماسك الإسلام وقوته وربطه بين الدين والسياسة أبعد الأثر في تجنب الحروب الدينية.
وألغى الإسلام الوساطة بين الله والعباد، ودعا الحكام إلى أن يستمدوا وجودهم وحقهم من الأمة مصدر السلطات، كما نص على الشورى والحرية والمساواة والتسامح والبر والتكافل والموازنة بين حقوق الفقراء والأغنياء ومحا الإسلام الجنسيات القبلية المختلفة وتمكن من إدماجها ومهد بهذا لإنشاء الحكومة الإنسانية العالمية.
وتتمثل عظمة الإسلام في مظهرين واضحين هما: البطولة والقوة.
قامت البطولة الإسلامية على قواعد من الأخلاق القرآنية، هذه الأخلاق التي جاءت بالأعاجيب حين اندفع المسلمون يفتحون الممالك وينشرون الإسلام.
وليست سمة "القوة" الواضحة في الإسلام هي الاستبداد أو الظلم أو الثورة أو الطغيان، وإنما هي مزيج من الرجولة والخلق.
بهذه القوة التي تتمثل واضحةً في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، شاد المسلمون هذه الدولة الضخمة التي امتدت عبر آسيا وأفريقيا وركَّزت قواعدها في قلب أوروبا.
كانت هذه المزية تتمثل في أقوى مظاهرها، رجولة في الحرب لا تبالي بالأهوال الثقال: لا تقف أمامها الصفوف المتكتلة ولا الجيوش الضخمة ولا الفيلة والخيول، ولا الحديد والنار.
وظهر هذا واضحًا في الجمع القليل من المسلمين الذي هزم الجموع الضخمة.
وتتمثل البطولة في الرحمة بالضعفاء والعفو عند المقدرة والسماحة والندى، والعدالة التي يقف أمامها القوي والضعيف دون تفريق، كما تلمسها في الوفاء بالعهود ورد الحقوق.
---------
* من علماء الأزهر الشريف