كلمات بسيطة وعبارة موجزة وألفاظ واضحة قوية كررها الرسول- صلى الله عليه وسلم- على مسامع أصحابه الكرام "ثلاث مرات" نافيًا عن صاحبها مظاهر الإيمان وشواهده ودلائل التوحيد وبواعثه، فاستفسر الصحابة مستنكرين ومتعجبين قائلين "مَن هو يا رسول الله؟ "فأجاب الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إجابة واضحة وصريحة قائلاً: "مَن بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم".
تذكرتُ هذه العبارات الموجزة من الهدي النبوي الشريف كثيرًا جدًّا وأنا أتابع أخبار وأحوال إخواننا المسلمين في غزة الذين ضاقت بهم السبل وأغلقت عليهم جميع المنافذ- بحرها وأرضها وجوها- وتوقفت جميع سبل الحياة هناك، بل ووقف الجميع ضدهم يمنعون عنهم الماء والغذاء والدواء دون سبب واحد معقول أو غير معقول بل تحت حجج واهية خادعة، لا لشيء فعلوه ولا لذنب اقترفوه سوى اختيارهم الديمقراطي الحر النزيه، والذي جاء بحكومة نزيهة من رجالات حماس الأفذاذ المخلصين.
هل يُعقل أو يصدق أن يرى الجميع الأحوال المعيشية المتردية في قطاع غزة، ولا يحرك أحدٌ ساكنًا؟! لقد أكدت هذه المحنة- مثل مثيلاتها من المحن الأخرى- أن أنظمتنا الحالية فقدت صلاحيتها وشرعيتها وباتت غير مؤهلة لأي شيء حتى أن تدير قريةً صغيرةً أو نجعًا بعيدًا نائيًّا.
فقد أدرك القاصي والداني فشل نظامنا الحاكم في إدارة شئون مصر المحروسة حتى صار الفشل والتردي عنوانًا واضحًا لكلِّ معالم الحياة المصرية- بل إنَّ النظامَ ينتقل من سيئ إلى أسوأ ومن فشل وتردٍ إلى ازديادٍ في الفشل وكثير من النكبات.
فها هي سياساته التعليمية الفاشلة التي أدَّت إلى نكبةٍ في الأجيال، وكذلك سياساته الصحية المتردية التي ساعدت في انتشار الأمراض الخبيثة الموجعة، إلى سياساته الزراعية المنكوبة التي حوَّلت مصر بلد النيل والطقس المعتدل والأرض الخصبة إلى بلدٍ تتسول طعامها، فضلاً عن رغيف خبزها، إلى سياساته الاقتصادية الفاشلة التي ذهبت باقتصادنا إلى منحدرٍ مخيفٍ بل وإلى مستقبل مظلم، وكذلك الحال في شتى المجالات.
هذا النظام غير الموفق في كافةِ خطواته يعمل على تجويع إخوان الجوار وإخوان العقيدة والدين بل ويحارب بكل قوةٍ مَن يساندهم أو حتى يتعاطف معهم.
هل من المعقول أن يمنع النظام المصري القوافل الشعبية المتنوعة التي هبَّت لنجدة إخوانهم في غزة؟؟!! هل من المنطقي أن يضرب النظام بيدٍ من حديدٍ كل مَن يُبدي أي صورٍ للتعاطف معهم؟! رغم عدم مساءلته لشيخ الأزهر الذي ذهب ليصافح ويصادق- عن عمدٍ- رئيس وزراء اليهود السابق ومجرم بني صهيون اللعين، هل من الحكمة والعقل أن يواجه النظام رجال القضاء وأعضاء مجلس الشعب وكبار المفكرين والمثقفين بكل قسوة وبكل عنف حينما أرادوا أن يعبروا عن إرادة الأمة في كسر صور الحصار عن شعب فلسطين؟!.
إننا لا نطالب من النظام المصري أن يدعم إخواننا في غزة ولا أن يؤيدهم ويشجعهم... فهذا والله مطلب صعب المنال ومحرج له للغاية، بل كل الذي نُطالبه به أن يقف على الحياد، وأن يفتح الحدود للمرضى والجرحى والحجاج والطلاب والعالقين (وهذا أضعف الإيمان)، ثم يترك لطوائف الشعب التعبير عن مشاعرهم بمساندة إخوانهم بكل ما يملكون من صور الدعم المادي والغذائي والكسائي والمعنوي حتى يشعر إخواننا في فلسطين بصدق مشاعر إخوانهم في الجوار والديار نحوهم وتجاههم.
ألم يشاهد نظامنا المبجل سفن الإغاثة التي جاءت من أقطار بعيدة نائية وغير مسلمة دون ممانعة من أنظمتها؟!.. ألم يسمع رجال أمننا الأشاوس عن المظاهرات والوقفات التي تتم كل يومٍ في شتى بقاع العالم لمساندة إخوان فلسطين وللتنديد ببطش اليهود ولفضح تخاذل الأنظمة العربية دون مجابهةٍ من عسكري واحد؟!.
كيف يهنئ رجال النظام بالنوم الهادئ وهم يرون المرضى في فلسطين يتألمون لنقص الدواء وتعطل الأجهزة وانقطاع الكهرباء دون أن يكون لهم موقف واحد إيجابي؟!.. لماذا يصر نظامنا الحاكم على منع كل صور المساندة والمؤاخاة والمناصرة لإخواننا في فلسطين؟!.
لقد كان العيد تعيسًا جدًّا هناك وهم محرومون من أدنى مقومات الحياة والمعيشة ثم يشاهدون عبر الفضائيات وسائل الترف والإسراف لدى الأنظمة والشعوب في الاحتفال بمظاهر العيد.
- يا سادة لا تقفوا مع العدو في خندقٍ واحد.
- يا سادة لا تخونوا الأمانة وتنقضوا عُرى الأخوة.
- يا سادة لا تمنعوا العون عن المرضى والجرحى والمحرومين.
فالرسول يقول: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم".