﴿مَا يَفْتَحْ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (فاطر: 2).. أول سورة فاطر تلاوةً شاءت إرادة الله العلى أن تفتح أبوابًا للرحمة على بني سويف، فخرج من أهلها نفر حملوا همَّ النصح والإرشاد والدعوة العملية، فضلاً عن الإصلاح والبعد عن مزالق الحديث وكثرة الكلام، فشمَّروا وجدُّوا، وتحرَّكت معهم بيئة صالحة مهيأة بالفطرة للعمل في سبيل الله.
وانطلقت مسيرة الدعوة فكانت آيةً في ذاتها آتت ثمارها، فشربنا جميعًا من ينابيعها الصافية، وقطفنا من ثمارها الطيبة، تخرَّجت فيها أجيال، وبُنيَت أسر وعائلات، وتكافل المجتمع بشكلٍ لم يُعهَد في التاريخ الحديث.
قاد المسيرةَ رجلٌ تعوَّدنا منه على العطاء لا الأخذ، والبذل لا الطمع؛ حُبسَ واعتُقل، حوكم عسكريًّا وغُيِّب خلف قضبان الظلم، إلا أنه لم يَغِبْ ولو للحظة واحدة من وجدان مجتمعٍ اتخذه أبًا له.
كان إذا تحدث سُمِعَ له زئير، وإذا تحرَّك أحاطته مهابة المؤمنين، وحتى موته كان عجيبًا؛ مات واقفًا، وهكذا تموت الأسود.
ومن يكون أسد بني سويف إلا الأستاذ حسن جودة عليه رحمة الله، والذي انتقل إلى جوار ربه وهو يتحرَّك لصلاة الفجر يوم 18 رمضان منذ سنوات قليلة، ولكن عزاؤنا فيه أنه ترك من خلفه ذرية دعوية، ورجالاً أطهارًا فقهوا مهمتهم، وآمنوا بقضيتهم؛ واصلوا الليل بالنهار حتى يُتمُّوا مهمةً بدأها المخلصون، فكانوا خير خلف لخير سلف.
ولأن أحلام الأمس حقائق الغد، والعواطف تدفع أصحابها إلى العمل الجاد، فقد اندفع ثلة من أهل بني سويف مع قائد الدعوة فيها لإنشاء فصولٍ للتقوية بمدرسة الإعدادية الحديثة بنين عام 1977م، وبدأ حلم الإصلاح يدور بعقول ذلك الرعيل الأول من خلال إصبع للطباشير جاء به أسد الدعوة الأستاذ حسن جودة- عليه رحمة الله- ليكون بدايةً للعمل، وكأنه يعيد كرَّة قديمة ويقول للشعب "اقرأ.. اقرأ باسم ربك الذي خلق".
ودارت عجلة العمل في سبيل الله، وولد عملاق اسمه "الإصلاح والنهضة"، وتطوَّر العمل وصدح بالآذان معلنًا عن إسلامية الرسالة، وفرضية العمل من مسجدَي الحاج ناصف والأسيوطي، وتجمَّع فيهما الشباب، فصلُّوا وتعلموا، وصاموا واعتكفوا، وقرءوا وحفظوا، ونهلوا من كتاب الله واقتدوا بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.
ثم تبرَّع المرحوم الأستاذ بكري عسقلاني بأرضٍ ورثها لبناء مسجد الدعوة الأول، فحفر الشباب القواعد بسواعدهم، وتجمَّعت الجهود وشُيِّد المسجد وأُسِّست جمعية الدعوة الإسلامية، والتي ضربت أروع المثل في العمل الاجتماعي الذي يبني ويعمر ويعلم ويصلح.
تجمَّع أبناء بني سويف تحت الراية الغالية، وقد أعدوا العدة لعمل جاد، ولأن النوايا كانت خالصة، وهب الله بني سويف مجموعةً من المحافظين الجادِّين: المرحوم المحافظ محمد عثمان إسماعيل، والمرحوم المحافظ عبد المنصف حزين، وقد لمسوا صدق العمل بعدما زاروا أول صرحٍ تعليمي للأطفال (حضانة الدعوة الإسلامية)؛ تعلَّم الأطفال حبَّ الله والوطن واحترم الأنبياء كلهم، ولا تعلِّم الحضانة إلا الحبَّ لأطفالٍ لا يعرفون إلا البراءة، فوجدوا نتائج مذهلة: أبناء حضانة الدعوة أطفالٌ في أحجامهم، ورجال في إيجابيتهم.
نعم.. لمس كل زائرٍ لحضانة الدعوة يومئذ أطفالاً أطهارًا مُقبلين على التعليم، مُحبِّين له، لم يجد الزائر للحضانة المعلَّم التقليدي ولا التلميذ المتلقِّي وفقط، ولكن وجد آباءً وأمهات يعلمون ويربون ويدربون، كما وجد أبناءً ينهلون بحبٍّ من ضرعٍ للعلم عاد بعد طول غياب.
وهنا.. طلب رجال الدعوة أرضًا لتأسيس مدارس تعلِّم النهج القويم وتقدِّمه لمجتمعٍ فقَدَ بوصلة توجُّهه، فكانت منة الله يومئذٍ، والتي جاءت على يد السيد المحافظ عبد المنصف حزين رحمه الله؛ وذلك باقتطاعه جزءًا كبيرًا من مشتل محافظة بني سويف، وخصَّصه لبناء مدارس الدعوة، وعادت طيورٌ هاجرت لتساعد في ذلك الصرح الضخم، فإذا بأعمال التصميم يقدِّمها المرحوم الأستاذ عباس صفي الدين هدية، وجُمعت التبرعات وظهر البناء، وجاء أول أتوبيس ينقل أبناء الدعوة، وكان مشهد فرح ميَّزه صوت "سارينة" سيارة المدرسة إذا ما طرقت أسماع البيوت لتنقل الأبناء من وإلى المدارس.
كبرت المدارس وانتشرت وتنوعت: ابتدائي.. وإعدادي.. وثانوي، ثم فروع منتشرة في ربوع المحافظة (مركز ناصر- الواسطى- الفشن)، ونالت المدارس أعلى الدرجات حتى تفوَّقت، وأصبح من ديدنها أن تحجز أكثر من 7 أماكن من العشرة الأوائل على المحافظة في كل عام، فضلاً عن أن الرسوب لم يعرف لأبناء الدعوة طريقًا.
تنوَّعت المسيرة وخاضت الدعوة غمار المجال الطبي، وأُنشئ مستوصف طبي لخدمة أبناء بني سويف وبأسعار خدمية لدعم أبناء بلدة معدودة بين البلدان الفقيرة، ونما النشاط كذلك في هذا المجال، وافتُتحَت مستوصفات جديدة في مراكز ناصر وببا ومعمل للتحاليل وعيادات للأسنان.
ثم أُنشئت مستشفى الدعوة الإسلامية بتبرع كريم من المرحوم المهندس حسين حافظ، وكانت أول مستشفى في المحافظة يقدم خدماته الصحية بأسعار تناسب المستهلك، ولم تَنْسَ الدعوة حصة الفقراء؛ فقد وفَّرت لهم الجراحات والأسرِّة بالمجان.
كل ما سبق ثمار لعمل متواصل وجهد وعرق قام به رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وتكوَّنت نتيجةً لهذه الجهود شعبية جارفة وحب صادق وثقة متبادلة بين العاملين في الدعوة وأبناء محافظة عرفوا حقوقهم وبدءوا بالمطالبة بها.
والتقت مطالبات الجماهير مع رغبة المصلحين من الإخوان المسلمين، فترشح أسد الدعوة الأستاذ حسن جودة في انتخابات البرلمان عام 1984م على قائمة حزب الوفد، ودخل البرلمان ممثلاً عن محافظة بني سويف، ثم خاض الإخوان انتخابات 1987م على قائمة حزب العمل، وتوالت محاولات الإصلاح الديمقراطي السلمي الواعي من خلال دخول الانتخابات النيابية والمحلية؛ وذلك حتى المرحلة الأولى من انتخابات 2005م والتي حقَّق فيها الإخوان نجاحًا لم يتوقَّعه الجميع، ودخل أربعة من الإخوان البرلمان ليمثلوا شعب بني سويف تمثيلاً حقيقيًّا ينادي بصوت الفقير ويرفع صوت المقهور ويحاسب كلَّ من لم يُحاسَب من قبل، على الرغم من كم الزيف وظلام الكيد المحيط بهم.
وإذا بشياطين الإنس قد تآمروا وصوَّبوا سهام نفاقهم، وقذائف طمعهم، وأكاذيب حقدهم، فصنعوا المحاكم العسكرية لفئةٍ آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، ووقف أبناء مصر الأطهار أمام محاكم دنشواي العصر؛ المحاكم العسكرية، وظلموا وظُلم معهم الطهر والإخلاص؛ وذلك في سياسة مُبيَّتة بليلٍ، وقد سمَّوها (تجفيف المنابع)؛ وذلك حتى تجف ينابيع إصلاح المجتمع ومنابع الإصلاح الذي يُراد وأده، وحل مجلس إدارة جمعية الدعوة وأرادوا بها كيدًا، وحرم الإخوان من ارتقاء المنابر، وإذا فكروا في خوض غمار أي انتخابات كانت أبواب السجون منتظرةً إياهم.
إلا أن الشعب الأصيل الذي ارتوى من ينابيع الدين والقرآن، وذاق وعرف الطهر ووعاه من أبناء حركة إسلامية خالصة، ما زال باقيًا على العهد، وفيًّا لقيادته الشرعية المنتخبة، مبايعًا إياها في هتاف تغنت به مصر: "الإسلام هو الحل".
وذلك بعدما عاينوا حزبًا يحكم ويجلس فيه فاسدون ومرتشون ومحتكرون، وصار شعب مصر لهم سلعةً لا تُباع ولو بثمن بخس، ولكنها سلعة تُوهب لبطونِ أسماك البحر في عبَّارة ممدوح إسماعيل، والتي اختزلت مشهد فساد نظام مع شعبٍ مغلوب، وكذلك في حرائق للقطارات وقصر الثقافة وحوادث طرق وأدوية ليست فعَّالة، وكيماويات مسرطنة، وسلع إستراتيجية محتكرة، ورغيف خبز تنأى عنه الدواب، وغلاء فاحش ومرتبات ضئيلة، ويوم أن فكر النظام في رفع الأجور في صورة منحة تحوَّلت بقدرة الفساد إلى محنة للشعب المطحون، فتضاعفت الأسعار وزادت فواتير المياه والكهرباء والتليفونات، في الوقت الذي يباع فيه الغاز الطبيعي لدولة الاحتلال اليهودية بثمن بخس، وكانت خاتمة المصائب حريق مجلس الشورى الذي لم يجد من يبكيه، وصرخ الناس، وتألم الشعب، ولكن "قد أسمعت لو ناديت حيًّا".
نعم.. ماتت قلوب المزوِّرين، وقُتل إيمان المفسدين، وأصبحت صفة الوطني سبةً في وجه من يحملها؛ لأنها أصبحت تعني المتاجرة بالوطن وأبنائه، ولم يَبْقَ للشعب الجريح بعد الله إلا الإصلاح والاعتماد على ذاته والالتفاف حول الإخوان المسلمين وبعضٍ من التيارات السياسية المخلصة لتراب وطن مقهور.
وأضحى شعار الفساد "أخرجوا آل الإصلاح من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"، إلا أن الشعب الحر ما زال دمُ الحرية ينبض بين ضلوعه الكسيرة، ومسيرة الإصلاح فيه ماضية ما دامت السماوات والأرض، وسيظل شعاره الذي آمن به مرفوعًا مهما أقصوه "الإسلام هو الحل".
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227)، وما زال الشعب ينتظر عودة جمعية الدعوة وأملاكها (الحضانات والمدارس والمستوصفات والمستشفيات فضلاً عن المساجد) إلى من أنشئوها وعمَّروها وبذلوا فيها الدماء والأرواح لله، ثم إصلاح مجتمع أكله سوس الفساد.