الحج عبادة من العبادات، وأفضلها عند رب العالمين بعد الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله؛ وذلك لما رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيل الله".

 

قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور"، أي لا يخالطه إثم (رواه الإمام أحمد).

ويتجمع المسلمون الحجاج في هذه الأيام في أوائل شهر ذي الحجة في مكة المكرمة عند البيت الحرام، جاءوا من كل بلاد الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، جاءوا من "كل فج عميق" بحسب التعبير القرآني، ملبِّين نداء ربهم، مستجيبين لهذه الدعوة "لبيك اللهم لبيك".

 

ولا شك أن في الحج زادًا مكثفًا وخيرًا عميمًا وفضلاً وافرًا؛ يُكرم الله به زوار بيته الحرام، ويتفضَّل عليهم بعفوه وكرمه ورضاه؛ إذ الفيوضات الربانية أثناء فترة الحج وفي الأماكن الطاهرة المقدسة، وعند أداء هذه الشعائر والمناسك.. كلها فيوضات غامرة وأنوار باهرة من النور والهداية والتقوى والرحمة والسكينة، خاصةً إذا كان جهاز الاستقبال عند الحاج- وهو القلب- سليمًا نقيًّا نظيفًا مخلصًا الوجهة لله.

 

فالمشاعر الوجدانية التي تمتلك الحاج قبل سفره من رغبةٍ ملحةٍ وشوق كبير لأداء فريضة الحج وزيارة البيت الحرام وزيارة قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، والتي تزداد أثناء السفر، ثم اللحظات التي يقع فيها البصر على الكعبة المشرفة لأول مرة، ما أعظمها وأروعها من لحظات!، فكأن شحنة روحية تدفقت في قلب الحاج فملأته خشيةً وخشوعًا لله وتعظيمًا ومهابةً لبيته الحرام، وعند استلام الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وعند الوقوف بأعتاب الكعبة عند الملتزم؛ حيث تسيل العبرات وتذرف دموع الخشية والضراعة والندم، وهناك أيضًا على عرفات، وعلى جبل الرحمة.. فيض غامر.

 

الجميع في صعيد واحد يجأرون إلى الله بالدعاء، وقد أتوا من أماكن كثيرة من أنحاء العالم المسكون، فيَقبل الله في هذا اليوم توبة التائبين واستغفار المستغفرين: "أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم"، كما تتنزَّل عليهم السكنية وتغشاهم الرحمة، وتغمر قلوبهم بنور الله وتكون السعادة الحقة التي تذكرنا بسعادة أهل الجنة.

 

وإذا تدبَّرنا هذا الركن العظيم من أركان الإسلام نجد أن لله عز وجل حكمة وغاية عظمى من فرضه وإقراره على الذين يستطيعون أداءه من المسلمين؛ فهذا التجمع الهائل من المسلمين من كل الأجناس والألوان والأماكن، مجتمعون في وقت محدد وفي مكانٍ معين، ليقفوا جميعًا في عرفة، أو يقضون أيامًا معلومة في منى لرمي الجمرات، أو يقيمون حول البيت في مكة المكرمة؛ لا يشغلهم سوى العبادة والذكر والتحميد والتكبير، والطواف والسعي بين الصفا والمروة، والصلاة والدعاء والابتهال والتضرع؛ حتى ينالوا مرضات الله عز وجل، ويعودوا إلى أوطانهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

 

من هذه الحِكَم أن الحج يُذَكِّر المسلمين دائمًا بالأصل والجذور، وبالأرض المباركة التي نشأ فيها الإسلام وترعرع؛ ففي مكة والمدينة بزغ نور الإسلام، وعمَّت أضواؤه الكون بعد ذلك؛ حيث لم تَمْضِ عشرون عامًا بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم- إلا وعمَّ الإسلامُ بلادًا كثيرة من الهند شرقًا حتى المحيط الأطلسي غربًا.

 

فرؤية هذه الأماكن تُعيد المسلم إلى أصله وتُذكِّره بماضٍ كاد ينساه البعض، هذه الصحوة تعيد الحاج وغير الحاج إلى حقيقة دين الله عز وجل، وضرورة العودة الحميدة إليه والتزام طاعة الله وطاعة رسول صلى الله عليه وسلم، والاستقامة على الإسلام، قولاً وفعلاً، أخلاقُا وسلوكُا، وجهادُا وتضحية.

 

ومن هذه الحكم إدراك أن قوة المسلمين في وحدتهم، وعزهم في ترابطهم، وشرفهم في التحام صفوفهم، وأن الوحدة أخت الإيمان، وأن التفرق أخو الكفر ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).

 

وأن سلاح أعداء الإسلام جميعًا على مر العصور "فَرِّقْ تَسُدْ"، وأنهم هم الذين وضعوا الحواجز والحدود المصطنعة بين بلاد الإسلام، وقسَّموها إلى دويلات وإمارات؛ كل جزء مهموم بشأنه الخاص بعيدًا عن الآخر، وأنساهم الأعداء أننا أمة واحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، ومن شأن هذه الوحدة إزالة الغربة والوحشة بني شعوب الإسلام وبلاده، والمشاركة في السراء والضراء، وانسياب أسباب الخير بين الجميع؛ فهم شركاء في خيرات البلاد الإسلامية، فيعلوا بهذه الخيرات؛ حيث إن مصادر الثروة لا حدودَ لها، فيزدادون قوةً مع قوتهم، وعزًّا مع عزهم في المحافل الدولية والمنتديات العالمية.

 

ومن حِكم الحج كذلك أن التقاء المسلمين في المناسك، وبالأخص، يوم عرفة يعتبر مؤتمرًا عالميًّا لمناقشة قضايا المسلمين خاصةً وقضايا الإنسانية عامة، وهو أول صورة من صور المؤتمرات الدولية، وهو مؤتمر جامع للمسلمين من مختلف بقاع الأرض؛ يجدون فيه توحدهم في عبادة إله واحد لا شريك له في ملكه ولا منازع له في سلطانه ولا شبيه له من خلقه.

 

ولكن كيف السبيل إلى الاستفادة بهذا المؤتمر الحاشد، ونحن نعلم أن أغلب بلاد الإسلام تكاد ترزح تحت نفوذ وسلطان وتوجيهات بلاد الغرب الأوروبي والأمريكي؟!؛ حيث تتم أوضاع المسلمين وتتشكل توجهاتهم وتتحدد سياساتهم وفق ما يسربه لنا النهج الغربي العلماني، الذي يريد أن يسلخ الأمة عن جذورها ويخلعها من هويتها، ويسحق شخصيتها، لتتحقق العولمة في أسوأ تجلياتها وأشد انفلاتها من قيم الإسلام وموازينه.

 

السبيل إلى ذلك أن ينشط أهل الخير في هذه الأمة الذين أدركوا الطريق وأبصروا الحق، واتخذوا الإسلام سبيلاً بنشره والدعوة إليه وتبصير الناس بحقائقه، وفتح القلوب له والعودة إلى الله عودًا حميدًا، وإقامة شرعه في واقع الحياة تحاكمًا وانقيادًا وطاعةً والتزامًا.

 

ومن القضايا التي يجب أن تشغل المسلمين في موسم الحج قضية فلسطين؛ فهي أشد القضايا سخونة وأكثرها التهابًا، صحيح الحرائق مشتعلة في كثير من ديار المسلمين في أفغانستان، والصومال ودارفور والعراق فضلاً عن قلاقل هنا وهناك، غير أن قضية فلسطين تبقى أهم القضايا على ساحة الصراع الآن؛ فالاحتلال الصهيوني الغاشم هو احتلال استيطاني سيئ، وشديد الشراهة لأرض فلسطين، ويزرع المستوطنات في كل مكان من الأرض المحتلة، ويُسرع الخطى نحو تهويد القدس وأغلب بلاد الضفة بحيث يفرض نفسه بالأمر الواقع في غفلة من الحكومات والشعوب العربية والإسلامية.

 

كل ذلك شيء، وما تتعرَّض له غزة الحبيبة الصابرة شيء آخر؛ فمنذ بزغ نجم حماس وأصبح لها حضور على الساحة السياسية في فلسطين، واختارها الشعب في انتخابات حرة نزيهة؛ حيث شكَّلت الحكومة ولها غالبية الأعضاء في المجلس التشريعي.. فمنذ ذلك، وسهام الغدر والحقد تُسدَّد إلى غزة وسكانها من كل حدبٍ وصوبٍ، سواء من العدو الصهيوني المحتل، ومن يسانده من الغرب جميعًا، أو من الشقيق الفلسطيني من رجال السلطة التي تشايع المخططات الصهيونية، وتحاول القضاء على حماس بما تحمله من روح المقاومة والممانعة، ويُضاف إلى هؤلاء جميعًا ذوو القربى والجوار من حُكَّام البلاد العربية الذين وضعوا إمكاناتهم في خدمة أعداء الأمة؛ حيث تواطأ الجميع وتآمر على سكان غزة، وتركوا أهلها في معاناة قاسية من حصار ظالم وإجرامي يقطع عنها الكهرباء، فتتعطَّل كل مرافق الحياة المدارس والمستشفيات والمصانع والمعامل والمخابز، ويقع ذلك كله تحت سمع وبصر العالم أجمع، القريب والبعيد، العدو والحبيب، ولا حس ولا نخوة ولا شهامة، بل بلادة وبرود، وكأن الأمر لا يعني إلا أهل غزة الحزينة فقط!، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ويأتي ذلك متزامنًا مع موسم الحج، ومع تجمُّع ملايين الحُجَّاج في بيت الله الحرام انتظارًا ليوم عرفة، فهل من صحوة؟! هل من هَبَّة لنصرة المظلوم؟! هل من دعاءٍ حارٍّ من القلب بتضرُّعٍ وبكاءٍ أن يُغيث الله غزة، ويرفع البأس عنها، فهي الآن تستغيث؟!!