يعتقد كثير من الناس أن الحياة فرصة، وأن الفرص قد لا تتكرر كثيرًا، وأن الموفَّق هو من استغل الفرصة، ومن فاتته الفرصة فعليه الندم؛ حيث لا ينفع الندم ولا يلومن إلا نفسه.

 

وعلى هذه الخلفية الفكرية التي تأصَّلت في مجتمعاتنا حتى وصلت حد الاعتقاد الراسخ عند الكثيرين، وعلى هذا النهج جلس أناس ينتظرون أن يأتيَ الفرج وتأتيَ الفرصة لعمل محترم أو فرصة للكسب المادي أو فرصة للترقي و.. و..

 

والجميع شاخص الأبصار مشدوه من المحظوظين من الناس ممن أسعده الحظ وواتته الفرصة ليكون من الأغنياء أو من صار نجمًا مشهورًا يُشار إليه بالبنان وتدفع له الملايين ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص 79).

 

وعبارات: "ابتسم له الحظ"، "الدنيا حظوظ"، "ربك لما يآتي يخلى الأعمى ساعاتي"، "الدنيا إدِّته من وسع".. كم أقعدت هذه الكلمات شبابًا في ريعان شبابهم في ديارهم جاثمين ينتظرون ابتسام الحظ وانتظار الفرصة حتى مضى بهم العمر ومرَّ قطار الشباب دون أن يدركوه أو يستفيدوا منه!.

 

وحتى لا يكون الكلام إنشاءً وسجعًا، وحتى أُفضيَ إليكم بما أريد قوله، تعالوا بنا إلى ميدان الحقيقة والواقع؛ حيث إن الإنسان هو محور العمل والتغيير وخلق الفرص، وهو مجال الاستثمار "في العقل والنفس"؛ فمن أراد خطط لما يريد وسعى للتنفيذ وجاهد نفسه وصبر وصابر "ومن طلب العلا سهر الليالي"، وتعالوا بنا ننظر حولنا وفي زماننا ونسأل: من صنع أحمد زويل؟ وهو الذي كان يعلِّق على باب غرفته وهو تلميذ بالابتدائية ورقةً كُتب عليها "الدكتور أحمد زويل"؟ ومن صنع د. عصام العريان الداعية المميز والسياسي المحنك الذي تتسابق إليه الفضائيات؟! أليس هو الذي ملأ أرض المعمورة سعيًا لتبليغ دعوته ونشر فكرته منذ كان طالبًا في الجامعة؟!، وهو الذي عكف على فكرته فحفظ رسائل الإمام، وبعد أن أنهى دراسة الطب شرع في دراسة الشريعة والقانون ثم التحق بجامعة الأزهر ليدرس الدعوة وأصولها والعلم الشرعي، ومع هذا العلم تأتي الممارسة لتصقل صاحبها وتجعله مميزًا عن أقرانه؛ فإذا تحدث أخذ القلوب وشد الأسماع.

 

إن الحياة ليست فرصةً تأتي مرةً في العمر وتمر ليتحول الإنسان بعدها إلى سعيد محظوظ أو شقي منحوس، بل الإنسان هو الذي يصنع الفرص لنفسه وبنفسه مرات ومرات، وإذا لم ينجح في استغلال فرصة عليه ألا يندم، بل يصنع غيرها ويجرِّب أخرى، وسينجح حتمًا؛ "فإن من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له".

 

لقد ألفت الشعوب السلبية والذل من حكامها، وعاشوا في فقر مدقع وحكامهم يرفلون في النعمة، وما سألوهم يومًا وما فكروا في تغيير هذا الواقع المؤلم لهم، وما قصة فرعون وقومه منا ببعيد ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54) "قالوا يا فرعون اتفرعنت ليه؟ قال: ملقيتش حد يردني"، وما أبلغ قول الشاعر حين قال:
يا شعب لا تشكو الشقاء ولا تُطل فيه نُواحك!

 

لو لم تكن بيديك مجروحًا لضمَّدنا جراحك!

أنت انتقيت ولاة أمرك وارتضيت بهم صلاحك!

لكنهم ألقوا على خسيس دنياهم سلاحك!

أيسيل صدرك من جراحتهم وتعطيهم سلاحك؟!

لهفي عليك أهكذا تطوى على الذل جناحك؟!

 

فهذا حال شعب لا يصنع فرصة لعزته ولا يسعى إليها، بل يبالغ في الرضا والسكوت انتظارًا للحظةٍ يأتي فيها الفرج دون تعب أو جهاد؛ فبالجهد والجهاد تصنع الأمم عزها ومجدها "وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا سلَّط الله عليهم ذلاًّ لن ينزعه منهم حتى يعودوا إليه" (الحديث)، ولكن هناك من أبناء الحركة الإسلامية اليوم من يتحدث عن النصرة الغيبية دون سعي أو جهد من البشر، ويبشِّرون بذلك وينتظرون، ترى.. هل سينتصرون؟ ولقد صوَّر الشاعر سلبية الشعوب في التعامل مع ظلم حكامهم لهم فقال على لسان أحدهم:

يا سيدي.. شعبك قد بات على الحديدة!

يا سيدي.. شعبك قد تهرأته الحديدة!

يا سيدي.. شعبك قد باع الحديدة!

 

لقد صنع الشيخ أحمد ياسين الحياة لشعبه بعد أن باعه ساسته وقبضوا الثمن، وأشعل ثورةً في نفوس الشعب، وهو الرجل المُقعَد الذي لا يملك من مقومات الحياة إلا جسد أنهكه المرض وكرسي متحرك، وصنع محمد إقبال ثورة في نفوس المسلمين لتثور لدينها تطلب الاستقلال وهو لا يملك إلا القلم واللسان؛ يكتب الشعر ويقرضه، وصنع نيلسون مانديلا الحرية لجنوب إفريقيا من داخل معتقله الذي مكث فيه 28 سنة؛ لأنه ملك نفسًا قويةً أدركت التغيير وسعت إليه وصبرت وصابرت حتى حصلت على ما تريد.

 

وصنع ماكدونالدز الرجل الأمريكي لنفسه مجدًا بعد خروجه من الخدمة عند الستين، وبدأ حياته من جديد بفرصة جديدة حقَّق بها المجد والثراء لنفسه، وهناك قصص واقعية من زماننا هذا وأيامنا هذه تؤكد حقيقة ما نقول:

 

رجل يعمل ساعيًا في مكتب هندسي لا يجيد القراءة والكتابة، شجَّعه صاحب المكتب على تعلم القراءة والكتابة لاستلام المكاتبات حال غيابه، وقرَّر إعطاءه مكافأة على ذلك، وأحضر له مدرسًا على حسابه الخاص، فحصل الساعي على الابتدائية وكانت سنه تربو عن الأربعين، وأحبَّ العلم، فحصل على الإعدادية، وزاد طموحه فالتحق بالمدرسة الثانوية الصناعية وحصل على مجموع عالٍ، فالتحق بكلية الهندسة، وبعد تخرجه عمل مهندسًا في نفس المكتب، ولم يتوقف طموحه فحصل على الماجستير، وكان وقتها في الستين من عمره، فاكتفى بذلك.
قصة أخرى ما زالت تجري أحداثها وأنا شاهد عيان لتلك القصة.. "باسم" شاب في الصف الأول الثانوي الصناعي، مكافح يعمل ليساعد أسرته الفقيرة، فعمل في صيدلية عاملاً، وهنا ثارت نفسه وقرر تغيير مسار حياته، قرر أن يُعيد الامتحان في الإعدادية، ونجح بالفعل وحصل على مجموعٍ التحق به بالصف الأول الثانوي العام وأكمل الدراسة في المجالين معًا وحصل على الدبلوم وعلى مجموع 97% في الصف الثاني الثانوي، وهو الآن في المرحلة الثانية في كلية الطب.

 

أجريت دراسة في إحدى الجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية على طلبة الجامعة حول الخطط المستقبلية لهم؛ ماذا يريدون لأنفسهم؛ وذلك في استبيان عام، وكانت نتيجة الاستبيان أن 3% فقط هم من خطَّطوا بالفعل لأنفسهم ماذا يريدون في المستقبل أن يكونوا، وبعد 10 أعوام عاودت الدراسة الاتصال بهم مرة أخرى فوجدوا أن الـ3% فقط هم من صاروا رجال أعمال ويتصدرون المراكز القيادية دون أقرانهم.

 

نقول بعد ذلك كله: إنك أنت الذي تصنع حياتك بنفسك، وصناعة الحياة ليس لها وقت ولا سن محددة، فكن طموحًا وخطِّط لنجاحك وارسم مستقبلك بنفسك واملأ قلبك يقينًا بتحقيقه؛ فالحق سبحانه يناديك "أنا عند ظن عبدي بي"، والظن هنا يعني اليقين الذي يملأ خلجات النفس، حتى يبيت الإنسان يحلم بما يريد ويستيقظ من نومه ليخط بقلمه بعض الأفكار، ويرسم لنفسه خطوات للتنفيذ.

 

هذه الخطوات عاشها وطبَّقها رجل لا يملك من متاع الدنيا سوى حِمار (أعزكم الله) يقضي به حوائج الناس مقابل طعام يعود به لأبنائه يعنى (أرزقي)، جلس يحلم تحت ظل شجرة في الأندلس ويحكي لأصدقائه أحلامه:

- ماذا تريدون مني حين أصبح خليفة للمسلمين؟

-  يا رجل.. احلم على قدك.

- هذا حلمي، فماذا تريدون؟

- نريد قصرًا ومائة ألف دينار وعددًا من الجواري.

- سيكون لكم ما تريدون، وسأفي بوعدي.

 

هذا الحلم ملأ على عبد الله الحمَّار حياته وكيانه، ورسم الطريق.. ما هي أقرب الطرق إلى قصر الخليفة؟ ووجدها: العمل بالشرطة، واجتهد وترقَّى حتى وصل إلى رئيس الشُّرط، ومع هذا الاجتهاد والسعي وحسن الظن بالله فيما يريد فلا بد أن يعطيَه الله مراده، وكان هذا العطاء من قدر الله أن يُتوفَّى الخليفة، وولي العهد حدث لم يبلغ الرشد، ولا بد من وجود وصي على العرش، وحتى لا يكون للطمع سبيل إلى النفوس قرروا أن يكون الأوصياء ثلاثة، وهنا تتجلَّى عناية الله ومكافأته للمجتهدين ليكون عبد الله الحمَّار هو ثالثهم، وتتدخل عناية الله مرةً أخرى فيموت الاثنان ويبقى الوصي على العرش المدبِّر لأمور الملك هو عبد الله الحمَّار، وساعتها تذكَّر ما قاله لأصدقائه فأرسل إليهم وأكرمهم وأعطاهم ما وعدهم، وصدق رسولنا الكريم حين يقول: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة".

 

فيا رجال هذه الأمة ونساءها وشيبها وشبابها.. ماذا أنتم فاعلون؟ وبربكم ماذا تظنون؟ ولمستقبلكم ولأمتكم ولبلدكم ولدينكم ولدعوتكم ماذا تريدون؟.. الإجابة في قلوبكم وفيما توقنون.