سيظل دائمًا وأبدًا، بل ومن المقطوع به يقينًا أن الشباب هم عُدَّة الأمم والشعوب النهضوية والحضارية، بل وعين الأمة التي ترى بها مستقبلها، وأن واقع أمتنا اليوم لا يسر عدوًّا ولا حبيبًا، وأن الأمة أصابها من الداء العضال ومن الفساد الهزال.
وفي ظل هذا الوضع نشأت أجيال وترعرعت على الفساد، وبسببه أكل الفقر والمذلة والحقد نفوس الناس، وبات الأمر يحتاج ليس إلى مسكناتٍ ولا إلى ترميم بقدر الحاجة إلى بناء جيل جديد من الرجال (بما تحمل هذه الكلمة من معانٍ)؛ ليحملوا أمانة إصلاح هذه الأمة وهذا الوطن ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، والشباب هم أمل التغيير المنشود، فهيا إلى التغيير هيا إلى العمل.
الشباب وأمل النهضة
إن الرجال هم سر حياة الأمم، ومصدر نهضاتها، وإن تاريخ الأمم جميعًا إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين أقوياء النفوس والإرادات، وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما تُقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة، وإني أعتقد- والتاريخ يؤيدني- أن الرجل الواحد في وسعه أن يبنيَ أمة إن صحَّت رجولته، وفي وسعه أن يهدمها كذلك إذا توجَّهت هذه الرجولة إلى ناحيةِ الهدم لا ناحية البناء (*).
وإن الأمم تجتاز أدوارًا من الحياة كتلك الأدوار التي يجتازها الأفراد على السواء؛ فقد ينشأ هذا الفرد بين أبوَين مترفَين آمنَين ناعمَين، فلا يجد من مشاغل الحياة ما يشغل باله ويؤلم نفسه، ولا يطالب بما يرهقه أو يضنيه، وقد ينشأ الفرد الآخر في ظروف عصيبة وبين أبوَين فقيرَين ضعيفَين، فلا يطلع عليه فجر الحياة حتى تتكدس على رأسه المطالب وتتقاضاه الواجبات من كل جانب، وسبحان من قسم الحظوظ فلا عتابَ ولا ملامسة (*).
ومع أن ظروفنا هي ما علمت، فإن نفوسنا لا تزال تلك النفوس الرخوة اللينة المترفة الناعمة التي تجرح خديها خطرات النسيم، ويُدمي بنانها لمس الحرير، وفتياتنا وفتياننا هم عدة المستقبل ومعقد الأمل، لا يزال حظ أحدهم أو إحداهن مظهرًا فاخرًا أو أكلة طيبة أو حلة أنيقة أو مركبًا فارهًا أو وظيفة وجيهة أو لقبًا أجوف، وإن اشترى ذلك بحريته، وإن أنفق عليه من كرامته، وإن أضاع في سبيله حق أمته (*).
وهل رأيت أولئك الشبان الذين تنطق وجوههم بسمات الفتوة، وتلوح على مُحيَّاهم مخايل النشاط ويجري في قسماتهم ماء الشباب المشرق الرقراق، وهم يتألمون على أبواب رؤساء المصالح والدواوين بأيديهم طلبات الوظائف؟ وهل رأيتهم يتوسلون بالصغير والكبير ويرجون الحقير والأمير ويوسطون حتى سعاة المكاتب وحُجَّاب الوزارات في قضايا المأرب وقبول الطلبات؟ (*).
هل تظن- يا عزيزي- أن هذا الشباب إذا أسعفه الحظ وتحقق له الأمل والتحق بوظيفةٍ من هذه الوظائف الرسمية يُفكِّر يومًا من الأيام في تركها أو التخلي عنها في سبيل عزة أو كرامة وإن سيم الخسف وسوء العذاب؟ (*).
وقد شاءت لنا الظروف أن ننشأ في هذا الجيل الذي تتزاحم الأمم فيه بالمناكب، وتتنازع البقاء أشد التنازع، وتكون الغلبة دائمًا للقوي السابق (*).
بين أغاليط الماضي ومراراته وآمال المستقبل وإشراقاته
لقد شاءت لنا الظروف أن نواجه نتائج أغاليط الماضي ونتجرع مرارتها، وأن يكون علينا رأب الصدع وجبر الكسر، وإنقاذ أنفسنا وأبنائنا، واسترداد عزتنا ومجدنا، وإحياء حضارتنا وتعاليم ديننا (*).
وشاءت لنا الظروف كذلك أن نخوض لُجَّة عهد الديكتاتورية الأهوج؛ حيث تلعب العواصف الفكرية والتيارات النفسية والأهواء الشخصية بالأفراد وبالأمم وبالحكومات وبالهيئات وبالعالم كله، وحيث يتبدل الفكر وتضطرب النفوس، ويقف الربان في وسط اللجة يتلمس الطريق ويتحسس السبيل، وقد اشتبهت عليه الأعلام وانطمست أمامه الصور، ووقف على رأس كل طريق داعٍ يدعو إليه في ليل دامس معتكر، وظلمات بعضها فوق بعض، حتى لا تجد كلمة تعبِّر بها عن نفسية الأمم في مثل هذا العهد أفضل من "الفوضى"، كذلك شاءت لنا ظروفنا أن نواجه كل ذلك، وأن نعمل على إنقاذ الأمة من الخطر المحدق بها من كل ناحية (*).
الحلول المسكِّنة والوعود والأمنيات لا تصلح أمة
وإن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا، وتنهض لمهمة كمهمتنا، وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها، لا ينفعها أن تتسلَّى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تُعِدَّ نفسها لكفاحٍ طويلٍ عنيفٍ وصراعٍ قويٍّ شديدٍ بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وبين صاحب الحق وغاصبه، وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وإن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد، والجهد هو التعب والعناء، وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره، وعند الصباح يحمد القوم السرى (*).
إصلاح النفوس
وليس للأمة عدة في هذه السبيل الموحشة إلا النفس المؤمنة والعزيمة القوية الصادقة، والسخاء بالتضحيات والإقدام عند الملمّات، وبغير ذلك تُغلَب على أمرها ويكون الفشل حليف أبنائها (*).
نفوسنا الحالية في حاجةٍ إلى علاجٍ كبيرٍ وتقويمٍ شاملٍ وإصلاحٍ يتناول الشعور الخامد والخلق الفاسد والشح المقيم، وإن الآمال الكبيرة التي تطوف برءوس المصلحين من رجالات هذه الأمة، والظروف العصيبة التي نجتازها تطالبنا بإلحاح بتجديد نفوسنا وبناء أرواحنا بناءً غير هذا الذي أبلته السنون وأخلقته الحوادث وذهبت الأيام بما كان فيه من مناعة وقوة، وبغير هذه التقوية الروحية والتجديد النفسي لا يمكن أن نخطوَ إلى الأمام خطوة (*).
ثورة على الذات
أيها الشباب.. إن ميدانكم الأول أنفسكم؛ فإن انتصرتم عليها فأنتم على غيرها أقدر، وإن عجزتم فأنتم عما سواها أعجز، فاعلنوها ثورةً على الذات.. ثورةً على الخمول.. ثورةً على السلبية واليأس.. اشحذ همتك وأيقظ أخاك وقل له:
أخي طال عهدك بالمرقد وطال انتظارك للتالد
فحطِّم فراشك رمز الخمول وشمِّر عن الساق والساعد
بين القول والعمل والخيال والواقع
إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ، يسهل على كثيرين أن يتخيلوا، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالاً باللسان، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليلاً من هذا الكثير يثبت عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيع أن يعمل، ولكن قليلاً منهم يقدر على حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل المضني، وهؤلاء المجاهدون وهم الصفوة القلائل من الأنصار، قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله، وفي قصة طالوت بيان لما أقول، فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق، وامتحنوها بالعمل، العمل القوي البغيض لديها الشاق عليها، وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها (**).
أعلنوا للناس فكرتكم ومنهاجكم
إنكم الآن وقد أرغمتكم الدعوة على أن تتخطوا الحواجز الخاصة إلى الميادين الواسعة، وقد أظهرت الدعوة نفسها فأخذ الناس يتساءلون عنها وعنكم، وأخذ بعض الحاقدين يتطوع بتصويركم لغيركم على غير الحقيقة والواقع، فقد وجب عليكم أن تبينوا للناس غايتكم ووسيلتكم وحدود فكرتكم ومنهاج أعمالكم، وأن تعلنوا هذه الأعمال على الناس؛ لا للمباهاة بها ولكن للإرشاد إلى ما فيها من نفعٍ للأمة وخير لأبنائها (**).
كونوا عباد الله إخوانًا
إنه لا سبيلَ لتحقيق ذلك كله إلا إذا صفت النفوس، وتلاقت الأرواح وتآخت في الله على غير أرحامٍ بينها، وتوحَّدت الصفوف حتى صار الإيثار هو لغة التفاهم بينهم ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) فألزموا أنفسكم الوحدة والأخوة الصادقة، والارتباط الرباني القوي المتين، وسيكون الأمل عظيمًا في المستقبل، ما دمتم كذلك أخوةً في الله متحابين متعاونين، فاحرصوا على هذه الوحدة؛ فإنها سلاحكم وعدتكم (**).
--------
(*) الإمام الشهيد، رسالة "هل نحن قوم عمليون" بتصرف من الكاتب.
(**) الإمام الشهيد، "من خصائص دعوة الإخوان" بتصرف من الكاتب.