تُعَدُّ الحركات والجماعات الإسلامية إطارًا للاجتماع من أجل عودة الناس إلى الله تعالى ووسيلةً للعمل على تحقيق الأهداف والمشاريع المشتركة، وَفق القناعات والأفكار المنبثقة عن التشاور والمدارسة والمناقشة، والمُعبَّر عنها في الوثائق والخطط والبرامج المُسطَّرة، وهي كذلك بمثابة إطارٍ يعبِّر عن الإرادة الجماعية والقناعات المشتركة لتنظيم الأعمال وتنسيق الجهود وترتيب الأولويات والتعاون على التنفيذ والإنجاز.

 

وتبقى مسألة الانتماء أو الانتساب لهذه الحركة أو تلك، أو لهذه الجماعة أو تلك، خاضعةً ومتأثرةً بمدى قناعة أو إقناع الفرد بمشروعها، ومدى اتفاقه مع منهجها ومدى التوافق مع أفكارها، ومدى الاتفاق مع أساليبها ووسائلها ومنطلقاتها وأهدافها.

 

كما أن مغادرته كذلك تخضع وتتأثر بجملةٍ من العوامل المتعلقة بتغير القناعات أو الأفكار والتصورات أو الأهداف والأولويات، أو تغير الظروف والأوضاع، أو تغير الشخصية والوضعية الاجتماعية والمكانة الاعتبارية، أو عند الاختلاف وعدم الاتفاق حول القضايا والمسائل والمواقف الأساسية، وعليه فالعمل الجماعي المنظَّم وسيلة ضرورية لكل مشروع مجتمعي للإصلاح، والانتماء للجماعة فرصة لضم جهود الفرد إلى جهود الآخرين؛ لتوسيع المجال الحيوي للفعل الإصلاحي، ومغادرة بعض الأفراد للجماعة والانسحاب منها أمر طبيعي ويكاد يكون مصاحبًا لكل التنظيمات، وسنةً من سنن ديناميكية المجموعات.

 

لكن هناك مشكلة تعاني منها أوساط الإسلاميين في استيعاب الظاهرة وتقبُّلها والتعامل معها في إطارها الطبيعي، والمسألة في الاتجاهين: إذ ينظر إلى مغادر التنظيم كالخارج عن جماعة المسلمين والخارج عن الصراط المستقيم والضال عن سواء السبيل، ويواجه بالحديث القائل بأن "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه إلى أن يرجع"، ويُنعَت بالمتساقط في طريق الدعوة، وقد يصل الأمر إلى التشهير به وكَيْل التهم بالعمالة والخيانة والتشكيك في النوايا وغير ذلك، وكأنه خرج من الملة وزاغ زيغًا عظيمًا وضلَّ ضلالاً مبينًا وانحرف انحرافًا فظيعًا!، مع تجاهل كل ما قدَّمه للدعوة من داخل التنظيم وما قد يقدِّمه من خارج التنظيم، ومع تجاهلٍ لحقيقة أن العمل للإسلام وللدعوة يمكن أن يكون من مواقع مختلفة ومن جبهات متعددة ومن ثغور كثيرة، وأن الأساس في ذلك هو التكامل والتعاون والتعاضد.

 

ومن جهةٍ أخرى فإن المغادر من الحركة الإسلامية إلى إطار آخر أو من الحركة إلى مؤسسة دعوية رسمية أو شبه رسمية، قد ينزلق نحو الانخراط في تسفيه إطاره السابق وتحقير أعماله وبخسه حقه، والتقليل من دوره ومن أهميته ومن شأنه، قبل أن يبدأ في مناجاة الإخوان ورفاق الأمس وتنبيههم على عدم جدوى هذا الإطار وعبثية العمل فيه، وينتهي بتحريضهم على الخروج منه، متناسيًا كل حسنات الحركة الإسلامية وفضلها، ومتجاهلاً حال الواقع الحالي للأمة وللمجتمع بدون حركات إسلامية، وهو ما يسميه أخونا الدكتور "أحمد الريسوني" بالتاريخ الذي لم يقع، أي التاريخ الذي مضى لو أنه مرَّ ولم تكن فيه الحركة الإسلامية بنضالها ودعوتها وتنبيهها ونصحها وثباتها وصمودها وجهادها وترتيبها وتكوينها.. كيف لحال هذا الواقع وهذا الحاضر أن يكون؟!

 

ومتناسيًا فضل الحركة الإسلامية عليه ودورها في إنضاج أفكاره وقناعاته، وفي تشكيل شخصيته وتصوراته، وفي الأخذ بيده وصقل مواهبه، وربما في هدايته وفي تربيته وتكوينه، حتى صلب عوده وأصاب حظه من العلم واكتسب نصيبه من آليات التفكير والتمحيص والتحليل والإبداع، وبعد هذا كله ينقلب جاحدًا لهذه الحركات الإسلامية، معتبرًا أنها لا دور لها ولا أثر لها ولا جدوى من وجودها ولا من العمل فيها.

 

والكلام هنا لا يتعلق بالنقد وتوجيه النصح الذي يبقى مطلوبًا وواجبًا وضروريًّا في كل المراحل، سواءٌ من داخل التنظيم أو من خارجه؛ لأن النقد والمراجعات المستمرة والنقاشات وتعدُّد الآراء وتنوّعها وتنافسها وتفاعلها هو الذي من شأنه أن يصقل تجربة هذه الحركات ويُغني رصيدها، ويطوِّر فكرها ويرصُّ منهج تفكيرها، ويرسِّخ مصداقيتها، ويعزِّز الثقة بها وبمنهجها، ولكن الكلام هنا عن النقض والهدم وعن التشهير والتحقير وبخس الحقوق.

 

وتلك مسألة تتعلق بالوفاء وحفظ الجميل، وحفظ الفضل لأهله وشكر المعروف، وحفظ المكانة للجميع- للفرد وللجماعة- أثناء التعاقد وبعده، والكيل بالعدل والقسط دون بخس الناس أشياءهم، مصداقًا للآية الكريمة ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)﴾ (هود)، وإلا يكون الفراق أو الافتراق سببًا من نسيان الفضل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 237).

 

وحتى في حال الاختلاف في التقدير أو في الرؤى؛ فإن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يُفسد للود قضية، وإن المنطلق والمرجعية تبقى واحدةً والهدف يبقى مشتركًا، ويبقى للفرد والجماعة لكل واحدٍ منهما أسلوبه ومنهجه، وكل واحد من جهته ومن جبهته على أساس التعاون في مناطق الاتفاق والتماس العذر في مناطق الاختلاف.

------------

* رئيس حركة التوحيد والإصلاح المغربية.