تحكي كتب السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ يستقبل فترة الشباب من عمره، فبدأ بالسعي للرزق، وراح يشتغل برعي الغنم، ولقد قال (صلى الله عليه وسلم) عن نفسه فيما بعد: "كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة"، وحفظه الله من كل ما قد ينحرف إليه الشبان من مظاهر اللهو والعبث، قال (صلى الله عليه وسلم) فيما يرويه عن نفسه: "ما هممتُ بشيءٍ مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين.. كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني الله بالرسالة.. قلت ليلةً للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرتَ لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجتُ حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟، فقالوا: عرس، فجلستُ أسمع، فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس، فعدت إلى صاحبي، فسألني فأخبرته، ثم قلت له ليلةً أخرى مثل ذلك ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة، ثم ما هممتُ بعده بسوء".

 

وفي تحليله لهذا النص يذهب الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (فقه السيرة) إلى أن الله تعالى قد أراد ألا يكون في شيء من حياة الرسول قبل البعثة ما يعرقل سبيل دعوته أو يؤثر عليها أي تأثير سلبي فيما بعد البعثة، ويستخلص من ذلك حقيقتين؛ كلٌّ منهما على جانب كبير من الأهمية:

الأولى: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان متمتعًا بخصائص البشرية كلها، وكان يجد في نفسه ما يجده كلُّ شابٍّ من مختلف الميولات الفطرية التي اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها؛ فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما في ذلك من متعةٍ، وتُحدِّثه نفسه لو تمتع بشيء من ذلك كما يتمتع الآخرون.

 

الثانية: أن الله عز وجل قد عصمه مع ذلك من جميع مظاهر الانحراف، ومن كل ما لا يتفق ومقتضيات الدعوة التي هيَّأه الله لها؛ فعندما لا يجد لديه الوحي أو الشريعة التي تعصمه من الاستجابة لكثير من رغبات النفس؛ يجد عاصمًا آخر خفيًّا يحُول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيَّأته الأقدار ليتمِّم مكارم الأخلاق وإرساء شريعة الإسلام.

 

وفي كتاب (منهج الفن الإسلامي) يرى الأستاذ محمد قطب: "أن الدين يلتقي في حقيقة النفس بالفن؛ فكلاهما انطلاق من عالم الضرورة، وكلاهما شوق مُجنَّح لعالم الكمال، وكلاهما ثورة على آلية الحياة"، ومن هنا فهو يرد على القائلين بوجود علاقة نفور بين الفن والدين؛ إذ الأديان تبحث عن "الحقيقة"، والفن يبحث عن "الجمال"، ويرى أن ذلك فَهْمٌ ضيقٌ للدين والفن على السواء.

 

وليس من مصلحة الدعوة الفصل بين الدين والفن من جانب، ولا بين الدين والأخلاق من جانب آخر؛ إذ إن هذه القطيعة من شأنها أن تباعد بين الدين وتأثيره العجيب في كل مناشط الحياة وتنوعاتها، ومن بينها ألوان التعبير الإنساني الأدبية والفنية، وإنها كلها تتلوَّن في توجهاتها العامة بالحياة الفكرية والثقافية التي يُنشئها الدين في واقع حياة الناس؛ فيكون التعبير الفني والأدبي لونًا من ألوان الارتقاء بمشاعر الناس وأذواقهم والسموِّ بعواطفهم وترقيق نظرتهم للكون والإنسان والحياة.

 

والإسلام لم ينظر نظرة تحريم لكل ألوان الفن؛ فهو دين واقعي؛ لا يحلِّق في أجواء الخيال المثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع، ولا يعامل الناس على أنهم ملائكة، ولكنه يعاملهم على أنهم بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق؛ فاعترف بهم وبفطرتهم وغرائزهم التي خلقهم الله عليها، وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون، ويضحكون ويلعبون، كما خلقهم يأكلون ويشربون.

 

وفي كتاب (الحلال والحرام) يذهب الدكتور يوسف القرضاوي إلى أن الإسلام لم يأمر المسلمين بأن يُديروا ظهورهم لكل متع الحياة وطيبات الدنيا؛ فلا يلهوا ولا يلعبوا، أو تظل أبصارهم وأفكارهم متجهةً إلى الآخرة ومعانيها بعيدة عن الحياة ولهوها.

 

وهنا إشكالية!

إن التوفيق بين الالتزام بآداب الإسلام وقيمه وآدابه وأخلاقه، وكذا أمور الدعوة ومتطلباتها عمومًا وبين ساعات الترويح وفترات المرح.. هذا التوفيق بين الجدِّ واللهو واللعب والمرح والمِزاج، يحتاج من المسلم الملتزم أن يمسك بميزان دقيق جدًّا؛ بحيث لا يطغى جانب على جانب، ولا يجنح للون فيزيح الآخر أو يزاحمه.

 

ولعل المقصود من حديث رسول صلى الله عليه وسلم وهو يصوِّب لسيدنا حنظلة بن عامر الفهم المحدّد الذي كان عليه عندما شعر بالفجوة التي يستشعرها حين يترك مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعيش حياتَه بصورةٍ طبيعيةٍ؛ حيث معافسة الأزواج والأولاد والضيعات والانشغال بأمور الحياة والدنيا..

 

هنا يوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم المنهج المتوازن للمسلمين على مدار حياة البشر؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم لحنظلة رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده.. إنكم لو تدومون على ما تكونون عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة.. ساعة وساعة" وكرر هذه الكلمة ثلاث مرات.

 

إذن.. ما يلزمنا وما نسير عليه هو التوازن بين كل متطلبات النفس والحياة ومتطلبات الدعوة وأعبائها وواجباتها في النفس وفي المجتمع وفي واقع حياة المسلمين عمومًا، وينضبط كل ذلك بميزان الشرع ووفق توجيهات الإسلام الحنيف.

 

ولكن.. هل كل ما ترغبه النفس ويهواه الطبع يستجيب له الملتزم تحت مندوحة (ساعة وساعة)؟ أم أن هناك معايير أخرى تجعل المسلم يستعلي على كثير من مطالب الجسد وحظوظ النفس فيعفّ عن بعض الحلال مخافةَ أن يقع في الحرام، ويفطم نفسه عن بعض ملذاتها والولوغ في طيباتها ابتغاءَ لذة أو طيبات لا تنتهي هناك في الجنة؛ استجابةً للدعاء الدائم "اللهم إنا نسألك نعيمًا لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع"؟!

 

والإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله كان مهمومًا بدعوته، مشغولاً بها؛ حتى إنه كان يسهر اللياليَ الطوال ويترك الحلائل وحظوظ النفس؛ يفكر في حال الأمة وما آل إليه حال المسلمين، وهكذا يجب أن يكون عليه حال من يربط نفسه بهذه الدعوة، لا نقول يترك أمور الدنيا ويتفرغ كاملاً للدعوة ولدين الله وإصلاح حال المسلمين بل الدنيا كلها، ولكن يجب أن يكون الغالب على حياته التعفف عن حياة التنعم والترف والتخفف من أثقال الدنيا، والانشغال بهموم المسلمين وإصلاح النفس وتقويمها واستقامتها على منهج الله عز وجل؛ قولاً وفعلاً وسلوكًا، ثم الانشغال بالعمل مع الناس والأخذ بأيديهم إلى مرضاة الله، وهو المقصود بمعنى (أصلح نفسك وادْعُ غيرك).

 

ومن هنا نقول إن الكثير من ألوان التعبير الفني على الساحة الإعلامية يحتاج إلى الحيطة والحذر في تناوله أو مشاهدته، وأغلبه يعمِّق معانيَ كثيرةً تبتعد عن الحياة الإسلامية الصحيحة من حيث إشاعة اللهو والمجون والميوعة، فضلاً عما يعجُّ به من قيم هابطة وأغانٍ خليعة وما يحمله من بذور الإباحية والانحلال؛ ولهذا فإن الأخ الملتزم على خطر عظيم تجاه هذا الواقع السيئ، وعليه حتى تصلح وجهته أن يفرز ويختار الصالح ويترك الطالح ويوجه أهله وأحبابه إلى ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6)، وعليه أن يجتهد في إيجاد البدائل لهذا الواقع إن كان من أهل التخصص والموهبة والإبداع.

 

ومن هنا كذلك، بعد وضوح هذه الحقائق، لن نجده مشاركًا في الحفلات أيًّا كان نوعها، بالرقص أو الغناء، أو التصفيق أو ما شابه ذلك من أنواع البلاء الذي روَّج له المخرِّبون في أوساط الشباب والفتيان، التي لا يرى البعض حرجًا من المشاركة الفعَّالة فيها تحت دعوى المجاملة أو مسايرة الجو العام، في حين أن الأخ قدوة في كل مسارات حياته، وما يُقبَل من غيره قد لا يُقبَل منه بالضرورة؛ فحسنات الأبرار سيئات المقربين.

 

نعم.. لا شك أنها مناسبات فرح وسرور وبهجة، ولا يكون ذلك بانتهاج وسائل تتنافى مع الذوق الإسلامي الرفيع، أو يؤدي إلى استجلاب مغاضب الله، وعندنا- والحمد لله- الرصيد الواسع في مثل هذه المناسبات ما يحقِّق الهدف المطلوب، وهو إعلان الفرح والسرور، ثم المحافظة على وقارنا والمأمول فينا من حيث السمت المعهود والقدوة الحسنة للغير.

 

وتبقى كلمة أخيرة..

فقد يراود البعض ارتياد (السينما)، وأقول إننا تربينا على عدم دخولها والابتعاد عنها؛ خشيةَ أن يجرَّ ذلك إلى الأسوأ وتخدش حياء الفرد، وسبق للأستاذ حسن الهضيبي أن أفتى بأن حكم السينما حكم ما يُعرَض فيها، كما أن الشيخ القرضاوي قد وضع شروطًا أو ضوابط؛ منها أن موضوعها يجب ألا ينافيَ عقائد الإسلام وشرائعه وآدابه، وهذا متعذرٌ توفره الآن، وألا تشغلنا عن واجب ديني أو دنيوي، وألا يرتكب مرتاد السينما محرَّمًا بالملاصقة والاختلاط المثير؛ منعًا للفتنة ودرءًا للشبهة.

هذا وبالله التوفيق.