د. حلمي محمد القاعود

 

كان ضروريًّا الوقوف عند برنامج الإخوان المسلمين المقترح بالقراءة الجادة ومناقشة أهم قضاياه الحيوية؛ بحثًا عن نقطة ضوء في آخر النفق.

 

ومع أنني أؤمن أن الوضع الحالي في مصر غير مهيَّأ للعمل السياسي، بل يخلو أصلاً من موضوع اسمه السياسة؛ فقد رأيت أن طرح برنامج الحزب السياسي أيًّا كانت وجهات النظر حوله هو نوعٌ من تنشيط الذاكرة القومية من أجل الوطن وفَهْم حاضره والبحث عن مستقبله، ثم هو إطلاق للوعي بحقيقة النظام القائم والقوى المؤثرة فيه وعليه، داخليًّا وخارجيًّا، وطرحٌ لمشكلاته الأساسية التي يعيشها الناس ويجأرون منها دون مجيب أو مغيث.

 

إن جدب الحياة السياسية في مصر لن يسمح في ظل ما يُسمَّى لجنة شئون الأحزاب بقيام حزبٍ يتعاطى مع الإسلام أيًّا كان هذا الحزب؛ منبثقًا عن الإخوان المسلمين أو غيرهم.

 

فالإسلام يعني الكلمة الكودية للرفض والإقصاء والاستئصال؛ السياسة الدولية ترفضه والسياسة المحلية ترفضه أيضًا!

 

والحقيقة أن اعتماد الإسلام في العمل القومي منطقة حظر مفروضة على المسلمين منذ الحملة الفرنسية على مصر 1798م، وتأكد حظرها مع مجيء الاستعمار الإنجليزي على مصر، وصارت واقعًا بعد تغلغل الاتحاد السوفيتي- الذي كان- ومن بعده الولايات المتحدة الأمريكية التي استباحت بلاد المسلمين بنفوذها وجيوشها؛ ففرضت هيمنتها السياسية، وأطلقت جيوشها العسكرية، وجعلت من أفغانستان والعراق نموذجًا لمن تُحدِّثه نفسه بالمقاومة أو اعتراض سياستها، وفي كل الأحوال فقد كان إلغاء الإسلام هو الهدف الأول للإستراتيجية الأمريكية- والأوروبية بالتبعية- ثم حذفه من قاموس الحكومات في العالم الإسلامي، خاصةً بعد ربطه بالإرهاب وحوادث العنف في 11/9/2001م.

 

وإذا أمعنَّا النظر في أحوال الإسلام على امتداد العالم الإسلامي فإننا نجده محاصَرًا داخل أغلب الدول الإسلامية، وأكبر عددٍ من المعتقلين والمساجين في هذه الدول هو من الدعاة والإسلاميين، ويكاد يكون الأمن هناك محصورًا في مراقبة الإسلاميين والأدبيات الإسلامية، فضلاً عن توظيف النخب الثقافية للتبشير بالثقافة الغربية وتشويه الثقافة الإسلامية، ومن ثَمَّ فإن إقامة حزب إسلامي هو ضربٌ من المستحيل، خاصةً في بلدٍ مثل مصر.

 

صحيحٌ أنه يوجد حزب إسلامي في الأردن وآخر في المغرب وثالث في العراق، ولكن هذه الأحزاب محاصرة بواقعٍ يقيِّدها ويحدد مدى حركتها.

 

لقد تقدَّم عدد من مؤسسي الأحزاب في مصر إلى لجنة شئون الأحزاب المختصة بالموافقة على قيامها، ولكن اللجنة لم تسمح لها أبدًا، علمًا بأن الأحزاب المسموح بها في مصر تزيد عن عشرين حزبًا يصعُب أن نعد خمسةً منها، وكلها غير معروفة للجمهور، ولا تأثير لها، ولم يدَّخر النظام جهدًا في تشتيت شمل الأحزاب التي اشتم منها رغبةً في العمل والحركة، بل أوقف بعضها دون أن يعبأ بأحكام القضاء المتكررة التي تقضي بعودتها إلى ممارسة نشاطها.

 

وللأسف.. فإن الأحزاب المجهولة هي التي يوافق النظام على استمرارها؛ لأنها مجرد "ديكور" وهيكل أجوف؛ لا قيمة لها إلا تجميل وجه السلطة.

 

لن تسمح السلطة أبدًا بقيام حزب سياسي رسمي للإخوان المسلمين؛ لأنها لن تقبل شريكًا في الحكم أو المعارضة بمعناها الحقيقي.

 

بيد أن مجرد طرح برنامج الحزب المقترح للإخوان المسلمين كان مفيدًا على أكثر من مستوى؛ فقد فتح المجال أمام فقهاء الاصطياد من مثقفي السلطة للتشويش على الإسلام وتشريعاته، فضلاً عن التشهير بالإخوان والتيار الإسلامي عامةً، وهو ما أتاح فرصة الرد والتوضيح من جانب الإسلاميين، وأثار حركةً فكريةً أضاءت كثيرًا من الجوانب التشريعية والفقهية والإنسانية في الإسلام.

 

ومن ناحيةٍ أخرى يمكن القول إن إعلان برنامج حزب الإخوان المسلمين كشف حقيقة توجه السلطة نحو المزيد من الاستبداد وتجفيف الحياة السياسية تمامًا بسحق أية قوة سياسية يمكن أن تشارك في صنع المستقبل أو صياغة توافق اجتماعي يوفر على الأمة كثيرًا من العناء والمتاعب والآلام؛ فالسلطة اتجهت إلى وضع مزيد من القيود والسدود أمام أية مشاركة شعبية في تحمل مسئولية الوطن، مكتفيةً بالاعتماد على النخب التي تنفِّذ ما يُملَى عليها دون مناقشة أو مراجعة، وفي يقينها أنها وحدها أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، وأنها معصومة من الزلل، وأنها- أستغفر الله- رب الناس الأعلى!.

 

وبعد التعديلات الدستورية التي أُدخلت في الدستور المصري مؤخرًا؛ فإن الأمل في التغيير صار صعبًا، واختيار ممثلي الأمة الحقيقيين أضحي مستحيلاً، وهو ما يعني أن قيام حزب إسلامي من رابع المستحيلات.

 

لقد تعرَّض الحزب المقترَح لجوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافةً، وبسط القول في شتى نواحيها، وقد ناقشت كثيرًا منها من خلال منظور إسلامي، آملاً أن يجد ما قلته صدى لدى عامة القراء والعقلانيين منهم خاصة؛ فقد عرضت القضايا من خلال منطق واضح بسيط يسعى إلى فَهْم الواقع على ضوء الإسلام، وإذا كانت التجارب التي عاشتها بلادنا في ظل نظم استبدادية شرسة على مدى نصف القرن أو يزيد قد هوت بنا إلى الحضيض في شتى المجالات، لدرجة أن دولة شُذَّاذ الآفاق في فلسطين المحتلة وعمرها ستون عامًا تفوَّقت علينا عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وتقنيًّا، وفرضت إرادتها على العرب والمسلمين جميعًا وأذلَّتهم إلى الحد الذي صاروا فيه يستجدونها الصلح والمهادنة، وما تفوقت وانتصرت إلا بسبب ضعفنا وهزائمنا الداخلية التي صنعها الاستبداد والحزب الواحد الحاكم والفساد المستشري والاستغلال البشع وفقدان الكرامة الإنسانية.

 

بالطبع لم يتعظ المستبدون من الهزائم الداخلية والإذلال الخارجي، ويصرون على تنحية الشعب وإبعاده عن المشاركة في مصيره وصنع مستقبله، ويصرون على حرمان الناس من حريتهم وكرامتهم، وفي مقدمتها حق الاعتقاد، وخاصةً اعتناق الإسلام فكرًا وسلوكًا وتشكيل الأحزاب والجمعيات التي تقوم على أساس إسلامي.

 

وقد سبق حزبَ الإخوان المسلمين حزبٌ آخر هو حزب الوسط؛ رفضته لجنة شئون الأحزاب في أكثر من جلسة، وما زال المطالبون به يحلمون أن يأتيَ اليوم الذي يتلقون فيه موافقة اللجنة أو النظام بمعنى أدق، ونسي هؤلاء أن حكم الطوارئ الذي ابتليت به بلادنا على مدى نصف القرن أو أكثر باستثناء فترة قصيرة يمنع أي حزب غير حزب السلطة من إقامة سرادق في شارع أو ساحة أو ميدان ليجمع أنصاره ويناقش معهم قضايا الأمة وأحوالها؛ ولهذا أعتقد أن حزب الإخوان المقترح لن يرى النور أبدًا.

 

والسؤال الآن: ماذا بعد؟

أعتقد أن قيام هذا الحزب أو ذاك لا يعتمد على رضا السلطة أو غضبها؛ فالعمل الحزبي بل السياسي عمومًا يقوم على انتزاع الحرية التي لا يمنحها أي نظام مستبد مهما كان التوسل إليه ضارعًا وخاشعًا.

 

وانتزاع الحرية مرهون بإرادة الشعب، وهو ما يقتضي كفاحًا سلميًّا دائبًا؛ تشارك فيه القوى الفاعلة في المجتمع بإصرار وإخلاص وتوحد حول القضايا الأساسية المتفق عليها.

 

ويوم تكون هناك حرية حقيقية على أرض الوطن فإن قيام الأحزاب سيكون أمرًا سهلاً، وسوف يدعم الناس الحزب الذي يريدونه، وعندئذ يكون التنافس الحزبي وسيلةً لارتقاء الشعب وتقدمه ورخائه، ولن يكون هناك حزب للحيتان يبتلع الأحزاب الصغيرة البائسة ويفرض إرادة أصحاب المصالح والفاسدين على الأمة.

 

وحتى ذلك الحين على القوى الفاعلة أن تبنيَ عناصرها بالإيمان والمعرفة والصبر الجميل والعمل الإيجابي الممكن.

والله المستعان.

---------

* drhelmyalqaud@yahoo.com