أعجبني مقالٌ كتبه الأستاذ فهمي هويدي نقله موقع (إخوان الجيزة) يوم 7/10/2008م عن جريدة (الخليج) الإماراتية، ويبدو أنه هو المقال الأسبوعي له في جريدة (الأهرام) اليومية، وقد مُنع نشره في هذه الجريدة.

 

وقد عَنْوَن المقال بـ(الأصولية العلمانية) بعد أن تراجع عن تسميته بـ(التطرف العلماني)، وقد تجمع لديه من البراهين والأدلة ما يجعله يضع كل توجهات وكتابات العلمانيين في سلة واحدة وتصدر من منطلق واحد؛ ملخصه أن العلمانية "فكرة مقدسة ليست موازية للإسلام، وإنما هي مخاصِمةٌ له، معانِدةٌ ومُعادِيةٌ له، وإنما هي أيديولوجية، وهي عقيدة، وبمرور الزمن اكتسبت قداسة".

 

إن كثيرًا من الكُتَّاب وكُتَّاب اليسار وبعض العلماء، وخاصةً من لهم خلفية ومرجعية ماركسية، يعتبرون أن الإسلام هو الخطر الأوحد بعد أن أعادوا النظر في قائمة الأعداء، من وجهة نظرهم طبعًا.

 

ويشير الأستاذ فهمي هويدي إلى أن الدكتور نصر حامد أبو زيد المثير للجدل دائمًا أعلن إبَّان العدوان الإسرائيلي الأمريكي على لبنان في عام 2006م أنه "يجب عدم استنكار العدوان؛ لأنه يعني الوقوف مع حزب الله، وبالتبعية يكون أوثق الحلفاء في هذه الحرب هي أنظمة قطًّاع الطرق على اختلافها"، (ويعني بذلك حزب الله خاصةً والتوجهات والحركات الإسلامية عامة".. يعتبر كل هؤلاء قطاع طرق!!.

 

وكاتبة لبنانية يسارية أخرى قالت: "إن مشكلتنا ليست الإمبريالية، ولا أنظمة قطَّاع الطرق، بل إن الإمبريالية مسمى موهوم، وإن الولايات المتحدة تتصرف كدولة مسئولة عن العالم، وينبغي دعمها لئلا تنهار".

 

هكذا يتحوَّل اليسار إلى دعم الأعداء التقليديين، وتتحوَّل بوصلة قبلتهم إلى الغرب بعد ما كانت متوجهةً إلى الشرق؛ فالمسألة مسألة مصالح أولاً وأخيرًا، وهي لمن يدفع أكثر، ثم العداء يتجه إلى الإسلام حتى ولو تدثَّر بثيابٍ أو تحت دعاوى الإرهاب، وليس العداء لأي مبادئ أو رؤى أرضية أخرى.

 

ويذكر الأستاذ فهمي هويدي أن واحدًا من اليساريين المنظِّرين لحزب البعث العراقي- هو (هادى العلوي)- في كتابه "المرئي واللا مرئي في الأدب والسياسة"، يقول: "هكذا يصبح العدو الأوحد لـ90% من المثقفين هو الإسلام (السياسي).. العدو هو الإسلام نفسه؛ تاريخه الحضاري، وتراثه العظيم، ومنجزاته العالمية".

 

ويَمضي الأستاذ هويدي في هذا الموضوع الخطير فيكشف أن كثيرًا من الكتابات لأناس ركبوا موجة الحرب ضد الإرهاب واستثمروا أجواء الخصومة بين السلطة والجماعات الإسلامية وأعلنوها حربًا مفتوحة ضد ما يسمى بالإسلام (السياسي) والأصولية، وعندهم أن كل من اعتز بدينه ودافع عنه وانحاز إلى نموذجه الحضاري لا بد أن يكون أصوليًّا وامتدادًا لحركة الإخوان المسلمين وخليةً متقدمةً للإسلام السياسي، وداعيًا إلى استنساخ النموذج الإيراني أو نموذج طالبان، وفي كل الأحوال هو كائن مشوَّه لا يؤمن بالدولة المدنية ولا يحترم حقوق الإنسان؛ إذا امتدح الديمقراطية فهو منافق ومخادع، وإذا دافع عن التعددية فهو كذاب، وإذا تحدث في أمور الوطن فهو مُدَّعٍ يُخفي أجندته الحقيقية التي يريد بها إقامة الدولة الدينية!!.

 

عند هؤلاء فإن المسلم الملتزم لا يمكن أن يكون سويًّا ولا معتدلاً، ولا يمكن أن يكون مكانه خارج التصنيفات التي يحاصرونه فيها، حتى لو لم يكن أصوليًّا، ولا إخوانيًّا، ولا طالبانيًّا، ولا يكون مهمومًا بهموم وطنه وأمته، ولا جزءًا من التيار الوطني العريض، إنما ينبغي أن يظل محاصرًا في قضايا التكفير والحجاب والنقاب وتطبيق الحدود وإقامة الإمارة الإسلامية تمهيدًا لإقامة الخلافة وتنصيب الإمامة العظمى!!.

 

"الموديل" السعودي

وتحت هذا العنوان كتب الأستاذ وائل عبد الفتاح في جريدة (الدستور) بتاريخ 19/9/2009م يَنْعى لمدينة القاهرة شكلها القديم، كما يذكر أنها الآن أصبحت مقسمة إلى مستوطنات؛ أبرز ملامحها خليجية سعودية بالتحديد، ويرى أن نموذج اللباس السعودي قد انتصر في الحياة، وأن هذا النموذج- كما يتخيَّل- فرض سطوته على العقل والذوق والإحساس بالحياة الوهابية، كما يدَّعي.

 

وهو يرى على غير حق أن هذه الهجمة- ويسميها هجمة!!- قادمةٌ من صحراء الجزيرة العربية بعدما تخلصت منها مصر منذ ما يقرب من 100 عام، ويعتبر أن خضوع مصر لهذا اللباس يَرجع بالناس إلى الجمود والانغلاق والبداوة والنصوص المغلقة التي تعتبر أن كل بدعة في النار.

 

ولنا على هذا التوجه في تناول هذه القضية ملاحظات:

1- أن الكاتب المذكور يعبِّر عن شريحة كبيرة من الكتَّاب الذين أخذوا على عاتقهم مهاجمة ظاهرة التدين؛ حيث يتبرَّم من الحجاب والصحوة الإسلامية ورغبة كثير من قطاعات المجتمع في استئناف الحياة الإسلامية بكل تكاملها وشمولها، والثورة المكتومة من محاولات فرض الإباحية والتحلل والعري والزي الفاضح الكاشف؛ فلا شك أن مثل هذه الممارسات وغيرها، وعبر وسائل الإعلام الرسمية والخاصة والعالمية، قد استفزت مشاعر الأمة، وجعلت الجميع يلوذ بما يعتقده أنه الزى الإسلامي الأكثر حشمةً ومرضاةً لله عز وجل عن رضا واقتناع.

 

2- والكتاب العلمانيون لا يتركون جزئية من الحياة الإسلامية إلا ويوجهون نقدهم إليها؛ لا رغبة في تصحيح المسيرة ورغبةً في الأحسن، ولكن رفضًا لكل مظهر من مظاهر هذه الحياة لا يكون صادرًا من الغرب المناوئ للإسلام أو ممهورًا بخاتمه؛ فهم لم يجربوا استقلالية الرأي والقرار والتوجه، ولا يتحمسون للإسلام والمعيشة بأخلاقه، وهم (أسرى) تقليد الحياة الغربية بما لها وما عليها.

 

وأحسب أن أكثرهم معذورون؛ فهم لم يعيشوا النموذج الإسلامي، وتربَّوا على التبعية وتقليد الغير، ورأوا في هذا النموذج مصالحهم وتماشيًا مع أهوائهم بعدما جهلوا النموذج الإسلامي الأصيل؛ فالناس أعداء لما جهلوا.

 

وهذه هي مسئولية الدعاة إلى الإسلام بصورته الوسطية الهادئة الجميلة، ويتحمل المسئولية كذلك السلطة والأمن اللذان تحاصران نموذج الإخوان المسلمين بكل ما يحمله من خير للإسلام والمسلمين، بل ويجري إقصاؤهم عن جوانب الحياة المختلفة، وليس ذلك في مصلحة مصر ولا الإسلام.

 

3- بيت القصيد في الهجوم؛ فهو على الإسلام نفسه، سواء في الزي أو الحجاب، أو المطالبة بتطبيق شرعه وأخلاقه وقيمه وموازينه على كل جوانب الحياة المختلفة.

 

وها نحن الآن ومع الانهيار المريع في الاقتصاد الأمريكي والعالمي وما ينعكس بذلك سلبًا على اقتصادنا في مصر والبلاد العربية والإسلامية نرى هناك صحوة عندهم في الغرب تعيد النظر في نظرياتهم الاقتصادية والمالية، ويعتبرون نموذج البنوك الإسلامية يحسن العودة إليه، وأن الربا أو الفائدة هي أساس الدمار.

 

4- ولعلم كثيرٍ من الكتاب أصحاب التوجه العلماني وفصل الدين عن الحياة، فإن الإسلام لم يحدد زيًّا معينًا أو شكلاً خاصًّا يلتزم به المسلم؛ ذلك أن اللباس أو الزي يرتبط بالبيئة وبالمناخ والعادات والتقاليد، ورسولنا صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن القيم في (زاد المعاد: ج 1، ص 70): "كانت له عمامة تسمى السحاب، ويلبس تحتها القلنسوة، ولبس القميص، والجبة والقباء، والأزرار والرداء والحلة (إزار ورداء)".

 

ونحن لا ندعو إلى زي معين، بل نلبس كما يلبس أهل مصر، ومع احترامنا للزى السعودي فلا ندعو إليه ولا نلبسه، ومؤسِّس دعوة الإخوان رحمه الله لبس الجلباب المصري، والعمامة الأزهرية، والطاقية، والطربوش، والقميص، والبنطال، والبدلة، ولبس الكشافة والجوالة بالشورت.

 

قولوها صراحةً.. أنتم تهاجمون الإسلام وكل مظهر من مظاهره، وليس العيب عندكم في الزي السعودي، ولكن الخطيئة الكبرى عندكم هي في عودة الناس إلى الإسلام الصحيح والمعين الصافي.