في مساء الإثنين 6/10/2008م، وفي برنامجه (تسعين دقيقة) قدَّم معتز الدمرداش السيدة جيهان السادات في حلقةٍ استغرقت قرابة ساعتين، وفي السطور الآتية نُقدِّم إلى القارئ مضامين حديثها، ورأْيَنَا فيما قالت:
والسيدة جيهان السادات زوجة الرئيس السابق محمد أنور السادات، كان يُطلق عليها "سيدة مصر الأولى"، وهو لقب مقحم على عقلية المصريين؛ فهم لم يتعودوا على ترتيب الرجال والنساء ترتيبًا تنازليًّا أو تصاعديًّا؛ فهذه سيدة مصر الأولى، وهذه سيدة مصر الثانية، وأخرى الثالثة.. مما يعد لونًا من العبث وإهدار الفكر.
ولكن المصريين جميعًا يعلمون- بل رأوا بأنفسهم- مظاهر النفوذ الهائل الذي كانت تتمتع به السيدة جيهان، حتى إن بعض القوانين كانت تُنسَب إليها، فيقال: "قانون جيهان السادات".
ولا نقف الآن أمام ما قيل وما تردد، ولكن وقفتي مع كلماتها الخطيرة الغريبة، وأنا أقول: من حق السيدة جيهان أن تتحدث عن عاطفة حبها الغامر لزوجها، ومن حقها أن تتحدث عن نفسها، وعن قيامها بالتدريس في خمس جامعات أمريكية، وكنتُ أتمنى أن تُحدثنا عن تجربتها في هذه الجامعات حتى يفيد منها جيل الشباب.
ولكن ليس من حقها أن تُنكر حدوث وقائع يعرف كل مصري مدى صدقيتها، مثل وقعة لقائها بأم كلثوم، وردها القاسي عليها حينما سألتها عن "أبو الأنوار" بظرفٍ وحسن نية، وكان رد السيدة جيهان عليها: "خليكي مؤدبة.. ده رئيس جمهورية، وإنت حتة مغنية"، أو عبارة قريبة من هذه العبارة، وما زال بعض مَن شهدوا هذا الحوار أحياءً، وقد بلغ انتشار هذه الوقعة حد التواتر، وإنكار السيدة جيهان لها لا يُغيِّر من الحقيقة شيئًا، وهناك دليلان على صحة الوقعة:
1- أن السيدة جيهان لم تُنكر ولم تنفِ هذه الوقعة في حياة أم كلثوم، وهنا أذكر المثل العامي "ده مات، وخد عصايته معاه"، أي مات فحرمه الموت أن يدفع عن نفسه ما يُسيء إليها، وأنا أعتقد أنها لو أنكرت أو نفت هذه الوقعة في حياة أم كلثوم لردت أم كلثوم على هذا الإنكار وذلك النفي.
2- أن أم كلثوم بعد هذا اللقاء انقطعت عن الغناء مدةً طويلةً، فلما عادت إلى الغناء بعد هذا الانقطاع الطويل لم تكن هي أم كلثوم "الأصل"، ولكنها كانت أم كلثوم "الصورة".. لقد فقد صوتها "سره المهيمن" الذي كان له وجوده في مثل وُلد الهدى، ومصر تتحدث عن نفسها، وشعر أبي فراس الحمداني.
***
والسيدة الفاضلة ترى في زيارة السادات للكنيست غزوًا للأعداء في عقر دارهم، وعملاً شجاعًا لا يقدم عليه إلا قائد كأنور السادات!.
وأذكِّرها بوقعةٍ صاحبت هذه الزيارة لم تُشر إليها الصحف المصرية، وخلاصتها أن أحد كبار اليهود صرَّح قائلاً: "اليوم تحققت نبوءة التوراة؛ فقد جاء فيها: ويأتيكم فرعون خاضعًا مستسلمًا؛ يُقبِّل الأرضَ بين أيديكم".
والحديث عن (كامب ديفيد) على أنها كانت نصرًا سياسيًّا كبيرًا يرفضه الواقع، وقد وضعه في حجمه الطبيعي كبار الساسة العالميين، ومنهم الرئيس كارتر وكسنجر وغيرهما؛ فمما كتبه كسنجر متسائلاً: "إنني لا أعرف لماذا لا يحاول السادات استعمال حقائق لكي يضغط من أجل انسحاب "إسرائيلي" شامل؟"، ثم رد كسنجر على نفسه وقال بالحرف الواحد: "إن السادات فيما يبدو وقع ضحية الضعف الإنساني.. إنه يتصرف بسيكلوجية سياسي يريد أن يرى نفسه وبسرعة راكبًا في سيارةٍ مكشوفة، داخلاً في موكب منتصر إلى شوارع السويس، بينما آلاف المصريين يصفقون ويهللون له".
وقال الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر في مذكراته التي نُشرت في نوفمبر سنة 1982م ما نصه: "لقد لاحظتُ في كامب ديفيد أن السادات يريد أن يتخذ قرارات مصر بنفسه، ولم يكن يحب وجود أحد من مساعديه معنا، وكان يبدو بشكلٍ أو بآخر غير مستريح إذا كانوا قريبين منا، وقد كان السادات يقضي وقتًا قليلاً مع مساعديه، وعلى العكس من ذلك كان بيجن.. كنا نُعد أية صيغةٍ نراها معقولة، ثم آخذُها للسادات الذي كان يلقي عليها نظرةً سريعةً ويُوافق عليها بسرعة، وأحيانًا يُدخل عليها تعديلات طفيفة، ثم كنتُ آخذُ نفس هذه الصيغة إلى بيجن، وإذا بنا نقضي ساعات، وأحيانًا أيامًا يشترك فيها الوفد "الإسرائيلي" كله".
وفي كتابه القيِّم "السلام الضائع في اتفاقيات كاب ديفيد" كتب الدكتور محمد إبراهيم كامل (وزير الخارجية الذي رافق السادات): "وقلتُ له: المهم.. ما هو الاتفاق الذي ستُوقِّع عليه؟ فأجاب السادات: سأوقع على أي شيءٍ يقترحه الرئيس الأمريكي كارتر دون أن أقرأه، فقلت له: ولماذا يا ريس تُوقِّع عليه دون أن تقرأه؟ إذا أعجبنا وقَّعنا، وإلا فلا نُوقِّع، وهبَّ السادات واقفًا، وقال بصوتٍ ملؤه التحدي: "بل سأوقع عليه دون أن أقرأه"، واستدار، وغادر التراس إلى داخل استراحته" (ص 581).
والخلاصة أن كامب ديفيد كانت بدايةً للضياع والهوان، وأذكر أن السادات الذي كان يفخر بأنه يعرف ثماني لغات، زار "مدينة بير سبع" التي ضمها اليهود إلى الكيان الصهيوني، وأمام العمدة وعدد كبير من الحضور خطب السادات خطبةً بالإنجليزية البطيئة الثقيلة، وبعدها نهض عمدة بير سبع اليهودي الصهيوني وألقى خطبةً بالعربية الفصيحة الراقية، وأذكر أنه مما جاء فيها: "وباتفاقنا منحناكم- يا سيادة الرئيس- أرضًا مساحتها ثلاثة أمثال مساحة إسرائيل" (يقصد سيناء)، وأنا أعجب كيف تقبَّل رئيس مثل السادات إهانة هذا العمدة بقوله "منحناكم"!!، ولكنا رأينا السادات يستمع له منصتًا، ويهز رأسه وهو يدخن "البايب".
***
ولستُ هنا في مقام تقييم اتفاقية كامب ديفيد؛ فقد تكفَّل بذلك- كما رأينا- مَن هم أعلم مني بالسياسة من مصريين وأجانب.
ولكني أقف أمام نقطة خطيرة جدًّا أثارتها "الهانم"، وهي تصريحها بضرورة التطبيع الشامل مع الكيان الصهيوني اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وكررت هذه الدعوة، وأصرَّت عليها، وتؤيد رؤيتها بقولها "مهو التطبيع قائم فعلاً؛ فهناك كثيرون من العرب يعالجون في مستشفيات إسرائيل و.....و..."، وإني لأسأل الهانم التي كانت من قبل سيدة مصر الأولى:
1- ألا تعلم أن كل الأرض التي يشغلها الكيان الصهيوني الآن كانت أرضًا عربيةً فلسطينيةً نهبها اليهود تدريجيًّا، وطردوا منها أهلها، وما زالوا يلتهمون ما بقي للفلسطينيين من مساحات ضيقة؟!.. فهل نُطبِّع العلاقات مع دولةٍ من اللصوص والخونة والناهبين؟!
2- ألا تعلم "الهانم" أن في سجون الكيان الصهيوني السوداء عشرات من المسجونين الفلسطينيين؟!
3- ألا تعلم "الهانم" أن الصهاينة خلال ثماني سنوات فقط قتلوا 5526 فلسطينيًّا، وهدموا ونسفوا من البيوت 3800 منزل، هذا غير مَن قتلوه من المصريين على الحدود بأعذار واهية.
هذا عدا المذابح الدامية التي قتل وحرق فيها من قبل عشرات الألوف، مثل مذبحة دير ياسين، ومذبحة دير سنيد وغيرهما.
وما زالوا حتى الآن يغتالون، ويقتلون، وينسفون، وينهبون مزيدًا من الأرض، والتطبيع الذي تَدْعِين إليه، وتجدين فيه ضرورة حيوية يطرح سؤالاً ربما لا يخطر لك على بالٍ؛ مؤداه: هل تريدين تطبيعًا مع الكيان الصهيوني بوضعه الحالي، آمرًا ناهيًا، حاكمًا، متحكمًا، لا مكانَ للفلسطينيين فيه إلا رعايا؟! أم تريدين التطبيع مع الكيان البغيض ليلتزم بالقرارات الدولية ويرجع إلى مواقعه قبل سنة 1967م، بل قبل سنة 1956م، وتقوم دولة فلسطينية ذات سيادة وكيان؟!
أعتقد يا "هانم" أن المعروض الثاني لا مكانَ له في فكرك، وأنت تعلمين- أو لا تعلمين- أن اليهود على مدار التاريخ لا يحترمون سلامًا، ولا قيمًا، وما يرتكبونه حتى الآن يفوق الهوليكوست النازي إن كان هذا الهوليكوست حقيقة كما صوَّر اليهود.
***
يا سيدتي- التي كانت أولى- إن وجود الكيان الصهيوني وعدوانه الدائم على الفلسطينيين المساكين لا يرجع إلى قوته بقدر ما يرجع إلى هشاشة النظم العربية، وتفريط حكامها، وضعفهم إلا على شعوبهم، على حدِّ قول الشاعر:
أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاءُ تنفر من صفير الصافرِ
--------