أيمن حجازي

استمعوا معي إلى قصة هذا التلميذ الصغير في الحضانة في فرنسا (5 سنوات) والمدرِّسة تسأل التلاميذ: "ماذا تتمنى أن تكون؟"، فقائل: طيار، وقائل: ضابط، وآخر: مهندس، أما هو فقال: "أتمنَّى أن أكون صحابيًّا" فكان سببًا في إسلامها.
انظروا إلى أمنية هذا الغلامِ الصغيرِ في سنه، الكبيرِ في تفكيره.. إنها أمنيات الكبار.
كل الناس لهم أمنيات؛ فهناك من يتمنَّى أمنياتٍ كبيرةً وعظيمةً، وهناك مَن يتمنَّى أمنياتٍ تافهةً كما هو الغالب على أمنيات هذا العصر، وشتان بين الفريقين.
انظروا إلى أمنيات بعض الكبار:
جلس عمر بن الخطاب مع بعض أصحابه في مجلسٍ من مجالس الأحلام والأماني السامية، فقال لهم: "تمنوا".
- فقال أحدهم: "أتمنَّى أن يكون عندي ملءُ هذا الوادي ذهبًا فأنفقه في سبيل الله".
- وقال آخر: "أتمنَّى أن يكون عندي ملءُ هذا الوادي خيلاً أتصدق بها في سبيل الله".
فقال عمر- رضي الله عنه-: "وأنا أتمنَّى أن يكون عندي ملءُ هذه الغرفة رجالاً كأبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة".
وانظر في المقابل: كان هناك رجل يدعو دائمًا قائلاً: "اللهم أمتني ميتة عرفجة" قيل: وما ميتة عرفجة؟، قال: "أكل حملاً مشويًّا ثم شرب ماءً نميرًا ثم نام في الشمس ثم مات، فمات شبعانَ ريانَ دفآنَ"، وكأنَّ هذا كل ما شغله في الدنيا كلها.
هذه الأمنية هي وظيفة البهائم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ (محمد: من الآية 12).
فهناك البعض أمنياته كلها أمنيات دنيوية زائلة، فتجد كل ما يشغله في دنياه هو الحصول على الترقية أو المنصب.
والبعض أمنيته أن يرضى عنه رئيس المدينة، أو أن يعرفه المحافظ، أو أن يتم ترشيحه على قوائم الحزب الوطني حتى يضمن الحصول على المقعد ولو بالتزوير، ومنتهى آمال أمثال هؤلاء هو دخول لجنة السياسات!.
أين هؤلاء ممن يحملون همم الصحابة وغايات الأنبياء والصالحين والشهداء؟! أين من يستيقظ في الصباح ليتذكر ذلك العهد الذي أخذه على نفسه منذ سنوات أن يحيا لله وأن يعمل لدين الله؟!.
انظروا إلى عمر بن عبد العزيز، هذا الرجل العظيم، وهو يروي عن نفسه فيقول: "إن لي نفسًا توَّاقةً؛ كلما وصلت إلى شيء تاقت إلى ما هو أعلى منه... تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فتوليتها، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة فأرجو أن أكون من أهلها".
محمد الفاتح.. منذ كان عمره 15 عامًا يركب حصانه ويركض داخل البحر وعينه على القسطنطينية حتى فتحها بعد 8 سنوات فكانت هدفه وأمنية حياته.
البخاري.. وهو ابن 14 سنة وأثناء جلوسه في أحد الدروس سمع اثنين من شيوخه يتحدثان عن كتب الحديث ويتألمان لأنها تحوي الصحيح والضعيف والموضوع، ويتمنيان أن يظهر مَن يهتم بجمع الأحاديث الصحيحة فقط في كتاب، فقال في نفسه: "أنا لها".. وجعلها أمنية حياته حتى أخرج أصحَّ كتابٍ بعد كتاب الله.
وفي العصر الحديث نماذج:
الإمام حسن البنا:
كان موضوع الإنشاء في السنة النهائية بعنوان: اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك وبيِّن الوسائل التي تعدها لتحقيقه.
فكتب البعض: أمنيته السفر والمال، وكتب البعض الآخر: الزواج والوظيفة، وكتب غيرهم: المنصب والشهرة، فماذا كتب حسن البنا؟ اسمعوا إلى ما كتبه:
"أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:
خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي والوفاء لأصدقائي إلى أكبر حدٍّ تسمح به حالتي ويقدرني الله عليه.
عام: وهو أن أكون مرشدًا معلمًا؛ إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار قضيت الليل في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم؛ تارةً بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة"، وقد كان وحقق هذه الأمنية.
الشيخ أحمد ياسين.. آخر كلماته من الدنيا: أملي أن يرضى الله عني".
الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.. "أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى".. "إن كان لا بد من الموت فلتكن الشهادة".
شاب صغير كان يتمنى أن يحييَ الله به سنة رسوله ويبلغ صوته الأفاق وقد كان.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا تمنى أحدكم فلينظر ما تمنى؛ فإنه لا يدري ما يُكتَب له" (رواه أحمد).
أين هذا كله من أصحاب الغايات المنحطة الذين لم يعرفوا لماذا جاءوا إلى الدنيا؟!.
اسمعوا إيليا أبو ماضي:
جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيتُ
وسأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبَيْتُ
كيف جئت كيف أبصرت طريقي
لستُ أدري
(عيشة والسلام).. أين هذا من أمنية وهمة عجوز بني إسرائيل؟!.
عن أبي موسي الأشعري قال: أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعرابيًّا فأكرمه، فقال له: "ائتنا"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَلْ حاجتك"، فقال: "ناقة نركبها وعنزًا يحلبها أهلي"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟" قالوا: يا رسول الله.. وما عجوز بني إسرائيل؟، قال: "إن موسى لما صار ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق، فقال ما هذا؟، فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله ألا نخرج من مصر حتى تُنقل عظامه معنا، قال فمَن يعلم موضع قبره، قالوا: عجوز بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته، فقال: دليني على قبر يوسف قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟، قالت: أكون معك في الجنة، فكره موسى أن يعطيَها ذلك فأوحى الله إليه أن اعطِها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع ماء فقالت: انضبوا هذا الماء، قالت: احتذوا واستخرجوا عظام يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار" (صحيح ابن حبان والحاكم).
شتان ما بين همة وطموح وسمو هذه المرأة وهمة وطموح الآخرين.
فيا أخي الكريم..
راجع أمنياتك في الحياة حتى تكون مع الكبار أصحاب الهمم العالية، ورَبِّ أبناءك على ذلك حتى نرى منهم من يتمنَّى أن يكون كالصحابة، أو من يكون كصلاح الدين، أو محمد الفاتح، أو البخاري، أو ابن تيمية، أو حسن البنا، أو القرضاوي.