إنه مما لا شك فيه أن كل مسلمٍ سيكون في أشد الحاجة لحسنةٍ يوم الحساب، والمسلم الكيِّس هو الذي يجتهد في جمع الحسنات في الدنيا لتكون له زادًا يوم القيامة.
ولقد عدد لنا الإسلام طرق الخير وجمع الحسنات؛ فأشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس"، ومن حديث أبي هريرة المتفق عليه أيضًا قال صلى الله عليه وسلم: ".. تعدل بين اثنين صدقة، وتُعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة..".
والشاهد أن طرق جمع الحسنات كثيرة، ولكن من باب الأولى والأفضل أن نتخير الطرق التي تعود بالمصلحة والخير على المسلمين حتى يشاركونا الثواب؛ فأداء العمرة مطلوب، ولكن إغاثة الملهوف أكثر طلبًا، خاصةً إذا كانت العمرة للمرة الثانية أو الثالثة، واستعمال السواك سنة مطلوبة، ولكن الصلح بين اثنين أولى وأفضل؛ لأن الخير والثواب متعدٍّ وليس خاصًّا بصاحبه فقط، وتقصير الثياب ولبس العمامة (الطاقية) سنة وهيئة تُثاب على فعلها، ولكن الإحسان إلى الجار وصلة الرحم والكلمة الطيبة أفضل؛ لأنك أشركت أخاكَ المسلم معك في الخير والثواب.
إن الإسلامَ والكتب السماوية نزلت لغايةٍ واحدةٍ هي توحيد الله أولاً ثم رفع الظلم وإقامة العدل؛ ولذلك عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابع أصحابه في فعل الخيرات قال في الحديث الذي أخرجه مسلم: "مَن أصبح منكم اليوم صائمًا؟"، قال أبو بكر: أنا. قال: "مَن عاد منكم اليوم مريضًا؟"، قال أبو بكر: أنا. قال: "فمَن اتبع منكم جنازةً؟"، قال أبو بكر: أنا. قال: "فمَن تصدَّق منكم بصدقة؟"، قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة".
والملاحَظ هنا أن رسول الله سأل عن أمرٍ واحدٍ من الأمور التي تعود بالنفع على صاحبها فقط، وهو الصيام، وسأل عن ثلاثة أمور تعود بالنفع على العباد الآخرين وبالنفع على فاعلها أيضًا.
فكن حريصًا يا أخي على حصد الحسنات من الطرق التي تعود بالنفع والثواب على الآخر؛ ولذلك جاء في الأثر: مَن أراد دعوةً مستجابةً فليجعلها لغيره؛ لأن الملائكة تقول له "ولك بمثل"، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبدٍ مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل".
وإليك يا أخي هذه القصة التي أوردها الأستاذ الرافعي في كتابه وحي القلم: "أعطى الشيخ عبد اللطيف البغدادي درسًا في مدينة بلخ في العراق، وقال الشيخ للحضور: سأروي لكم قصة رؤيا رأيتها في ذات يوم. يقول الشيخ: في ذات مرةٍ اشتدَّ الفقر بي ولم أجد طعامًا في بيتي، وكان بكاء طفلي وجوع زوجتي يؤلمني، حتى كأني جائع بثلاثةِ بطونٍ خاوية، وفكرتُ أن أبيع داري، فانطلقتُ فقابلني أبو نصر الصياد فقال لي: إلى أين أنت ذاهب؟، فحكيت له حكايتي وعزمي على بيع بيتي، فقال لي أبو نصر الصياد: خذْ هذه الحلوى (بركة الشيخ) وأطعمها لعيالك، فقلت له وما بركة الشيخ؟ قال لي أبو نصر الصياد: لقد خرجت من بيتي بعد الظهر وليس في بيتي طعام، فقابلني الشيخ بشر الحافي فسألني: ما أخرجك في هذا الوقت؟ قلت الحاج، فقال لي هاتِ شبكتك وتعالَ معي، فأخذتُ الشبكة وذهبنا إلى النهر فأمرني بالوضوء والصلاة، ثم قال لي ارمِ شبكتك وظلَّ هو يصلي، وبعد برهة من الزمن وجدتُ الشبكةَ قد ثقلت، فحاولتُ جذبها فلم أستطع، فاستغثتُ بالشيخ فخرجت سمكة عظيمة، فأخرجناها معًا ثم قال لي خذها وانتفع بثمنها، فأخذتها وبعتها واشتريتُ لأولادي طعامًا وشرابًا.
وبينما أنا في فرحتي مع أهلي تذكرتُ الشيخ وفضله عليَّ فقلتُ لأهدينه قطعةً من الحلوى، وذهبتُ إليه وطرقتُ عليه الباب فلمَّا أدخلني قلت له: يا فضيلة الشيخ.. تذكرتُ فضلك عليَّ فجئتك بهذه الحلوى هديةً لك، فقال لي الشيخ: خذ الحلوى؛ فلو أطعمنا أنفسنا هذه ما خرجت السمكة.
فأخذ عبد اللطيف البغدادي الحلوى من أبي نصر الصياد وانطلق عائدًا إلى بيته، فبينما هو عائدٌ قابلته امرأة ومعها طفلٌ صغيرٌ فقالت المرأة: يا شيخ.. أطعم ابني هذا شيئًا؛ فإنه يتيم وجائع.
يقول عبد اللطيف البغدادي: فأنستني نظراتُ اليتم في عيني الولد زوجتي وابني فأعطيتُه الحلوى ورأيتُ الفرحَ في وجه الطفل ودموع الفرح في عين أمه، وأسعدني هذا وشغلني عمن في داري، وذهبتُ إلى شاطئ النهر أتدبر حالي وأُفكِّر في أمري، وبعد قليلٍ من الزمن جاءني أبو نصر الصياد وهو في فرحٍ شديدٍ وقال لي: أبشرْ يا عبد اللطيف أبشرْ فقد امتلأ بيتك خيرًا، قلت: كيف؟ قال: لقد ذهبتُ لأستدين لك، وبينما أنا ذاهبٌ إلى بيتك قابلني رجل يسأل عن أبيك فقلت له: ِلمَ؟ قال: لقد أعطاه أبوك مالاً منذ ثلاثين عامًا، وجاء الرجل ليسد أصل المال وربحه وهدايا كثيرة فدللته على بيتك.
يقول عبد اللطيف البغدادي: فقلتُ: يا سبحان الله.. إن أبي مات منذ عشر سنوات، وهو كان مغمورًا في حياته فكيف بعد مماته، ولولا أن قابل التاجر أبا نصر الصياد لما وصل إلى داري، ورجعتُ إلى داري فوجدتها قد مُلئت خيرًا، ووجدتُ خيرًا ومالاً كثيرًا، وتذكرتُ أم اليتيم وطفلها فأقسمتُ أن أكفلها طيلةَ حياتي، وتذكرتُ الفقراء والمساكين فكنتُ أتصدق عليهم وأُحسن لهم.
وفي ذات يوم رأيتُ في المنام وكأنَّ القيامةَ قد قامت، وأنه قد نُصب الميزان ووضعت سيئاتي في كفة وحسناتي في كفةٍ أخرى فوجدتُ سيئاتي وكأنها جبال تهامة، وحسناتي وكأنها لفافة قطن، وطاش الميزان وثقلت كفة السيئات، حتى أيقنتُ أني هلكتُ ونادى منادٍ: هاتوا بحسناته؛ فما من حسنةٍ يضعونها إلا ووراءها شهوة خفيفة أو حب لظهور أو استشراف مدح فلا تكاد تُثقل الميزان، ثم قال قائلٌ: أولم يبقَ له من حسنةٍ؟!.
قال آخر: بلى.. حسنة قطعة الحلوى للطفل اليتيم فجاءوا بها فأخذ أبو نصر الصياد نصف ثوابها، ولكنها ثقَّلت الميزان، ولكن لا تزال كفة السيئات راجحة فأيقنتُ أني هلكت، فقال قائل: أوليس له من حسنةٍ؟ قال آخر: بلى.. دموع الفرحة في عيني أم اليتيم، فجاءوا بها فوضعوها في كفة الميزان ففارت الدموع ثم فارت ثم نزلت على الأرض فصارت لجةً- أي بحر صغير- ثم خرجت منها سمكة عظيمة ثقَّلت ميزانَ الحسنات، فاستيقظتُ وأنا أصيح: "لو أطعمنا أنفسنا ما خرجت السمكة".
أخي المسلم.. أختي المسلمة: إن القصةَ السابقةَ توضح مدى احتياجنا للآخر ومدى احتياج الآخر لنا؛ فالثواب والمصلحة متبادلة، ولولا إيثاري للآخر ما عاد علينا هذا الخير والثواب العظيم.
والآن يا أخي.. هل ستجعل دعوتك لإخوانك المسلمين حتى يدعو لك الملك ويقول "ولك بمثل"؟ أم ستكون شحيحًا على نفسك وشحيحًا على غيرك؟!.
كل عام وأنت وكل المسلمين في عزة ونصر وفي أطيب حال، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.