تشهد مصر حالةً من الصراع السياسي، والذي عبَّر عن نفسه كثيرًا في صراع على الهوية.
وهذه الخلفية ضرورية لفهم موقف الأقباط، أو لمتابعة مواقف الأقباط المتنوعة، والبحث في موقفها من الأسس التي قامت عليها الجماعة المصرية، وهنا نسأل: هل يريد الأقباط أو فريق منهم تغيير الأسس التي قامت عليها الجماعة المصرية تاريخيًّا؟.

 

والحقيقة أن هناك العديد من المواقف القبطية التي نراها ترفض علاقة العهد التي قامت بين المسلمين والمسيحيين في مصر، تلك العلاقة التي أسست للجماعة المصرية الواحدة، التي تتميز مكوناتها وتتضامن في آنٍ واحد.

 

وأول هذه المواقف هي تلك الخاصة بالانتماء العربي والإسلامي؛ فهناك رؤية قبطية تريد تأسيس الجماعة المصرية بوصفها جماعة متميزة عن محيطها ولا ترتبط به، وبالتالي يصبح الانتماء المصري نافيًا لأي انتماء عربي أو إسلامي، وهذه الفكرة تعني رفض انتماء المسلم المصري لأمته الإسلامية، وهذا المعنى يحرم المسلم من جزء أساسي في عقيدته، وهو الأخوة الإسلامية وأهمية، بل ضرورة، تحقيق وحدة الأمة الإسلامية، وبهذا تكون هذه الفكرة تفرض شرطًا يؤثر على تميز فئة ويفرض عليها ما يخالف ما تؤمن به، رغم أنها تمثل الأغلبية.

 

وبهذا تكون فكرة إخراج مصر من الانتماء العربي والإسلامي فكرةً تهدم عقد العهد بين المسلم وغير المسلم؛ لأن هذا العقد حفظ لكلٍّ منهما التزامه بعقيدته، كما أن عقد العهد بينهما قام على أساس الحفاظ على التوجهات العامة للأغلبية، بأن تكون توجهًا عامًّا للجميع، بمعنى أن العهد قام على أساس أنه بين المسلم والمسيحي في مصر، وهو في ذات الوقت عهد أمة المسلمين جميعًا مع المسيحيين وغيرهم في البلاد العربية والإسلامية جميعًا؛ ولهذا تصبح فكرة تأسيس الجماعة المصرية على أسس تفك رابطها بالأمة العربية والإسلامية خروجًا عن العهد.

 

ومن جانب آخر نجد بعض الرؤى لدى الأقباط تقوم على فكرة تأسيس المساواة بين المسلم والمسيحي في مصر من خلال التدخل الخارجي، ومن خلال القواعد الدولية والمواثيق الدولية، وهنا نواجه مشكلة الاستعانة بطرف خارجي لحسم قضية داخلية بين طرفي العهد الداخلي المؤسس للجماعة المصرية.

 

وهذا التوجه يحمل مشكلتين: الأولى تتعلق بالاستعانة بطرف خارجي، خاصةً أن هذا الطرف على عداءٍ مع الأمة الإسلامية، نقصد الإدارة الأمريكية خاصة.

 

المشكلة الثانية أن هذا التدخل الخارجي يقوم على فرض معايير دخيلة على الجماعة المصرية، وهي غير المعايير التي قامت عليها الجماعة المصرية، وبهذا يكون طلب التدخل الخارجي مُنهيًا لعقد العهد بين المسلم والمسيحي؛ لأن هذا العقد لا يسمح باستدعاء طرف خارجي، كما أن عقد العهد ينتهي تلقائيًّا في حالة التعاون من أي طرف مع طرف آخر تراه الأمة عدوًا.

 

يضاف إلى هذا أن التوجه القبطي المنادي بالتدخل الخارجي غالبًا ما يقوم بهذا من داخل منظومة فكرية علمانية؛ أي إنه لا يطلب التدخل الخارجي فقط، بل يطلب "علمنة" النظام السياسي والمجال العام أيضًا.

 

وبعض التوجهات القبطية- كغيرها من التوجهات لدى بعض النخب من المسلمين- تنادي بالعلمنة، أي تطبيق العلمانية في مصر، حتى وإن لم تطالب بالتدخل الخارجي، ونرى هنا أن فكرة تطبيق العلمانية في مصر تعني محاولة تغيير الرؤية السياسية الحاكمة للجماعة المصرية، ومطالبة هذه الجماعة بتأسيس كيانها ووجودها التاريخي والاجتماعي والسياسي على أسس جديدة، وهذه الدعوة في تصورنا هي دعوة للجماعة المصرية إلى تبني مرجعية جديدة عليها، وبالتالي الخروج من مرجعيتها السابقة، أي المرجعية العربية الإسلامية.

 

وتوصيف ذلك أن هناك دعوة علمانية تخرج عن الأسس التي قامت عليها الجماعة المصرية، وتطلب منها أن تتأسس على أسس جديدة، ومن يطالب بهذه الدعوة، سواء كان مسيحيًّا أو مسلمًا، فقد خرج عن عقد العهد التاريخي القائم على المرجعية الدينية أساسًا، ويدعو إلى مرجعية جديدة، وهنا يكون المحك الحقيقي لهذه الدعوة مرتبطًا بالجماهير؛ فإذا أيَّدته فتكون بذلك قد رأت أن تؤسس مستقبلها على أسس جديدة، أما إذا رفضت فهي صاحبة الاختيار ومصدر السلطات.

 

ولكن المشكلة تكمن في محاولة البعض جعل كل الأقباط مع هذه الدعوة، وهنا يكون كل الأقباط خارج دائرة العهد، وكلهم يطالب الجماعة المسلمة بقواعد أخرى لتأسيس الجماعة المصرية، وتكمن المشكلة هنا في حالة رفض الجماعة المسلمة هذه الرؤية، وهو رفض مؤكد؛ حيث تصبح الجماعة القبطية كلها خارج رابط العهد، وتدعو إلى رابط آخر ترفضه الجماعة المسلمة.

 

قضية أخرى نراها تمثل واحدة من القضايا الشائكة، عندما تظهر توجهات بين بعض الأقباط ترفض بالجملة أي تطبيق للشريعة الإسلامية، وهذا الموقف يعني رفض الأقباط الأحكام الإسلامية في المجتمع المصري، وهو مجتمع مسلم؛ حيث إن أغلبيته مسلمة، وهذا الموقف ينقض عقد العهد تمامًا، ويعيدنا إلى فكرة بحث بعض الأقباط عن هوية جديدة تقوم على المصرية العلمانية.

 

وهنا تتمثل المشكلة في أن الشريعة الإسلامية هي مرجعية الجماعة المسلمة، وهي أيضًا مرجعية الجماعة المصرية عبر العديد من القرون، ومعنى ذلك أن أحد مكونات الجماعة المصرية يرفض إعطاء مكون آخر حقه في تحديد مرجعيته رغم أنه يمثل الأغلبية.

 

والمشكلة هنا أن عقد العهد القائم بين المسلم وغير المسلم تأسس على الحفاظ على عقيدة كل طرف والتزامه بهذه العقيدة، وتأسيس المجال العام على أحكام عقيدة الأغلبية، والحفاظ للفئات الأقل عددًا على التزامها بعقيدتها وشريعتها إذا خالفت شريعة الأغلبية، وبهذا يكون العهد قائمًا على المرجعية الدينية أساسًا، وهو عهد نابع من الالتزام الديني، وبهذا يكون الاتجاه القبطي الرافض تطبيق الشريعة الإسلامية هو اتجاه يحرم الأغلبية من تطبيق مرجعيتها، رغم تعارض ذلك مع أسس الديمقراطية السياسية القائمة على الأغلبية؛ ولهذا نرى أن هذا الاتجاه يمثل توجهًا نحو العلمنة، ويصبح دعوة من حق الجماعة المصرية أن تقبلها أو ترفضها.

 

ولكن نؤكد مرة أخرى أن من الخطورة أن تكون تلك الدعوة ممثلة لكل الأقباط؛ لأن معنى رفضها من الجماعة المسلمة، هو انتهاء عقد العهد بين المسلم والمسيحي في مصر، وتفكك الجماعة المصرية.

 

لهذا يصبح من الضروري أن يراجع كل طرف مواقفه، ومن المهم ألا يوضع الأقباط جميعًا في سلة واحدة، سواء من أصحاب الدعوات التي تخرج عن عقد العهد التاريخي بين المسلم والمسيحي، أو من الأقباط أنفسهم؛ لأن رهان الأقباط على مستقبل خارج أسس عقد العهد الذي تشكلت عليه الجماعة المصرية يمثل مخاطرةً في حق تاريخهم كجزء أصيل من الجماعة المصرية، ومخاطرةً في حق مستقبلهم ومستقبل الجماعة المصرية.