لم يتبقَّ من رمضان إلا ساعات معدودة ويرحل، وها نحن نُودع الشهر العظيم ونتمنَّى أن تكون السنة كلها رمضان؛ لما شهدنا فيه من الخير والبركات والإقبال على الله تعالى.
لقد جاء في الأثر أنه ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي منادٍ: "أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني؛ فإني لا أعود إلى يوم القيامة".
فهنيئًا لمَن أحسن استقبال رمضان واغترف من خيراته وأقبل على الله فيه فأدَّى صلواته وأقامها كما أمر الله، وصام أيامه صيامًا خالصًا جادًّا، وسهر لياليَه منتصبةً قدماه بين يدي الله متضرعًا باكيًا خاشعًا في محرابه، وختم القرآن متدبرًا متفهمًا مراد لله تعالى، وأنفق من ماله في سبيل الله على الفقراء والمساكين، ودعا وابتهل وطلب من الله الرحمة والغفران والعتق من النيران، وقام ليلةَ القدر؛ يسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة والمعافاة التامة في المال والأهل والولد.
وخاب وخسر مَن أدرك رمضان ولم يغفر الله له، ولم يغتنم الفرصة المتاحة للقرب من الربِّ الغفور الرحيم الذي له عتقاء من النار في كل ليلةٍ من رمضان.
وفي وداع رمضان نتذكر حكمة الصوم التي قررها الله تعالى في الآية التي فرض علينا فيها الصوم.. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 183).
أثر الصيام يبقى بعد رحيل الشهر في سلوك المسلم، وإلا فإنه يحق على الصائم قول الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم: "ورُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش" وينطبق عليه الحديث الشريف: "مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
هل ننقطع عن الصيام بعد رمضان؟ هل نهجر القرآن بعد العيد؟ هل نتوقف عن القيام بقية العام؟ هل نُمسك عن الإنفاق في سبيل الله ونترك الفقراء للجوع والعري؟ هل تجف ألسنتا وحلوقنا من ذكر الله إذا أفطرنا؟.. اللهم لا.. اللهم لا.. اللهم لا.
إن المسلم الحق يتزود من رمضان ليُكمل مسيرته مع الله بقية العام وهو يرقب بنظره قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه: "الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة.. مكفرات لما بينها من الذنوب إذا ما اجتنبت الكبائر".
صوم الفريضة انقضى بانتهاء شهر رمضان إلا لذوي الأعذار الذين أفطروا ثم يقضون أيام الفطر بعد رمضان.
وهناك الصوم الواجب في النذور والكفارات ثم صوم التطوع الذي يبدأ بعد يوم العيد عيد الفطر؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: "مَن صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر كله"، ويستمر صوم التطوع مع المسلم طوال العام في ثلاثة الأيام القمرية كل شهر 13، 14، 15، وصيام يوم عرفة أو الأيام العشر الأُول من شهر ذي الحجة وصوم يوم عاشوراء وصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام داود عليه السلام الذي كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، والمحافظة على الصلوات في الجماعة في المسجد دأب المسلم الملتزم بعبادة ربه تعالى.
والعاقل مَن يحرص على شرف قيام الليل بعد رمضان ولا يحرم نفسه ركعاتٍ يخلو فيها إلى ربه منفردًا بين يديه في الثلث الأخير من الليل؛ حيث ينام الناس أو قبل أن يهرع إلى فراشه ليختم بها يومه، أو على الأقل بعد صلاة العشاء يزيدها على السنن الرواتب.
والمؤمن لا يهجر القرآن أبدًا، بل يخشى على نفسه أن ينطبق عليه شكوى برسول كما جاءت في القرآن ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)﴾ (الفرقان).
والأهم أن يظهر أثر ذلك كله في سلوك المسلم والمسلمة؛ في علاقته بربه فيتعود أن تكون أعماله كلها إيمانًا واحتسابًا؛ أي تصديقًا لأوامر الله والتزامًا جادًّا بكل الأوامر حتى تلك التي تكرهها نفسه ويضيق بها صدره وطلبًا للأجر الأخروي عند الله تعالى، وليس رياءَ الناس؛ فلا ينشط للعمل وسط الناس ويكسل عن العبادة إذا خلا بربه، ولا يتوقف عن المعصية خشيةَ نظر الناس إليه ويجترئ على المعاصي إذا خلا بنفسه، فيجعل الله تعالى أهون الناظرين إليه، وهذا هو جوهر التقوى.
ولا بد أن يظهر أثر الصيام في علاقةِ المسلم بالمجتمع من حوله، وبالناس جميعًا؛ بدءًا بأقرب الأقربين: أهله وزوجته وأولاده وذوي رحمه، ثم جيرانه وشركائه، ثم الناس أجمعين؛ فتصبح علاقة سويةً يسودها الود والرحمة والتعاطف والتساند، وتقوم على العدل والتكافل، ويتقن عمله كما أمر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
أيها الإخوة والأخوات..
رمضان أوشك على الرحيل، والصائمون ينتظرون الجائزةَ من رب رحيم، والعيد أقبل وهو عيدٌ للصائمين القائمين الذين أقبلوا على الله تعالى واجتهدوا في الشهر الكريم.
تقبَّل الله صيامكم وقيامكم، واستجاب لدعائكم، وجعلكم جميعًا من عتقائه من النار ومن المقبولين، وأعاد علينا رمضان بعد رمضان، ونحن في صحةٍ وعافيةٍ وسَتْر وحرية؛ نرجو رحمة ربنا ونطلب عفوه.
أيها الإخوة والأخوات..
كل عام وأنتم بخير، تقبَّل الله طاعتكم وتقبل منا ومنكم؛ فالعيد بعد أيام، وهو عيد للفرحة والسرور وصلة الأرحام.
ويا مَن أنتم خلف الأسوار جميعًا..
تحيةً خاصةً مع قدوم العيد الذي لن تمنعه الأسوار ولن يحجبه الحرَّاس، فكَّ الله أسركم وأحسن خلاصكم، وجمع شملكم بأهلكم في بيوتكم قريبًا، وأعادكم إلينا وإلى دعوتكم ونشاطكم وجهادكم جميعًا منصورين.