قال العلماء: وسميت ليلة القدر لما يكتب فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق التي تكون في هذه السنة كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان: 3، 4) وقوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) (القدر: من الآية 4).
ومعناه: يُظهر الله للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره له.
وقيل: سميت ليله القدر لعِظَم قدرها وشرفها، وقيل أيضًا لأن العمل الصالح فيها يكون ذا قدر عند الله لكونه مقبولاً.
فضلها
هي أفضل ليلة في ليالي السنة؛ قال الله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)؛ أي أن العمل الصالح في هذه الليلة خيرٌ من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهذا بعض عطاء الله تعالى لعباده المؤمنين.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليله خير من ألف شهر؛ من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يُحرَم خيرَها إلا محروم" (رواه بن ماجة)، وعن أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه".
وهذا فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء من عباده، ولا يسع المؤمن إلا التسليم والإقرار، والسعي والاجتهاد؛ حتى يُكتب من السعداء في هذه الليلة.. جعلنا الله تعالى وإياكم من السعداء في هذه الليلة المباركة.
وقد اتفق العلماء على وجود ليلة القدر ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث الصحيحة المشهورة.
حكمة إخفائها
وقد أخفى الله ليلة القدر عن الناس لحكمة بالغة؛ هي أن يحصل الاجتهاد في التماسها؛ بخلاف ما لو عُيِّنَت لها ليلة لاقتُصِرَ عليها، لكن لمَّا أُخفي تعيينها عن الخلق نشط المتَّقون في طلبها، وشمَّروا لها؛ فهم يطلبونها من أول ليلة في الشهر الكريم؛ فإذا دخل العشر الأواخر اقتدَوا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأحيَوا الليل كله، وأيقظوا الأهل، وشدوا المئزر، وعكفوا على طلبها مكابدين الليل والنهار؛ فحصل لهم من ذلك الخير العميم والثواب العظيم، وهم لا يبالون بما اختلف فيه الفقهاء في أية ليلة تكون ليلة القدر؛ فهم في كل ليلة مستعدون، وبين يدي ربهم الجليل واقفون، يطلبون الفضل منه والإحسان؛ فكيف يردهم الملك الجليل؟!
وقد ذكر الإمام ابن حجر في (الفتح) أن للفقهاء في تحديد ليلة القدر أقوالاً كثيرةً؛ أحصاها فبلغت ثمانية وأربعين قولاً، وبعضها يمكن رده إلى بعض وإن كان ظاهرها التغيُّر، ثم قال: وأرجح هذه الأقوال أنها في وتر العشر الأخيرة، وأنها تنتقل كما يُفهم من الأحاديث التي أوردها الإمام البخاري في ذلك الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة واحد وعشرين أو ثالث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.
بم يحصل قيامها؟
أقل القيام ما قال به الإمام الشافعي رحمه الله: من شهد العشاء والفجر ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها.
ويستحب أن يكون اجتهاده في يومها كاجتهاده في ليلتها.
وهي تعمر بالقيام بين يدي الله العظيم وبتلاوة القرآن الكريم والذكر الحكيم والصلاة والسلام على النبي الأمين وكثرة الاستغفار والتوبة.
نسأل الله تعالى أن يكرمنا جميعًا بهذا الفضل العظيم.
---------
* عضو مجلس الشعب.