د. محمد سعد

"إذا قيل لكم: إلامَ تدعون؟ فقولوا ندعو إلى الإسلام، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه".

 

نعم، والحرية، رددها معي وبصوت أعلى: الحرية فريضة.

 

صوتك حلو، ردد معي: "والحرية"، وردد الأخرى: "فريضة من فرائضه"، نعم.. فريضة وليست ترفًا أو مندوبًا.

 

هذه الكلمات الواضحات القاطعات صدح بها إمامنا الشهيد منذ أكثر من سبعين عامًا ليعلِّم الإخوان أن الدعوة للحرية هي جزء أصيل من دعوة الإسلام.

 

ولم يأت الإمام البنا ببدع من القول، إنما كان صدى للدعوة الأولى، مذكرًا بما لا يجب أن يُنسَى: أن الحرية هي الحياة للنفوس؛ علَّمها ربنا لرسوله الكريم فقال في كتابه ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية 99)، وربَّى المصطفى عليه الصلاة والسلام الصحابة الكرام عليها، فقال لهم: "سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله".

 

وجعلها الراشدون دستورًا لهم؛ فهذا الصديق أبو بكر يفرح أن وجد في الرعية من يجاهر بتقويمه إذا أخطأ، وهذا الفاروق يعلن الدستور الخالد حين جاء القبطي من مصر يشكو ابن الوالي عمرو بن العاص "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!"، والذي أصبح فيما بعد من ميثاق الأمم المتحدة: "يولد الناس أحرارًا".

 

وهذا ربعي بن عامر صحابي جليل من خريجي مدرسة الحرية؛ يلخِّص فهمه للحرية حين دخل على ملك الفرس فيقول: "إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

 

على هذا الفهم الواضح تربَّى الصحابة الكرام وعلى هذا المعنى من عشقٍ للحرية تموت دونها الأنفس، وتُبذل في سبيلها المُهَج والأرواح رخيصةً، عاش هذا الجيل القرآني الذي دانت له الدنيا بأسرها في أقل من ثلاثة عقود.

 

والمتأمل في كل العبادات الإسلامية من شهادةٍ وصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ يجد معنى الحرية وتأصيله في نفوس المؤمنين واضحًا لا لبس فيه:

 

فالشهادة تثبت أن لا معبود بحق إلا الله؛ لا ندَّ ولا شريك له، ولكن استجابة وتسليم وانقياد.
والصلاة يخرُّ المؤمن فيها ساجدًا لله؛ يتبرأ فيها من كل راكع وساجد لسلاطين الدنيا، ويستشعر أن حريته الكاملة في سجوده لمالك الملك قيوم السماوات والأرضين.

 

ويجيء شهر رمضان المبارك ليتدرب المسلم على الانعتاق من أَسْر الشهوات؛ شهوة الطعام والشراب وشهوة الفرج، وتحلق روحه في روحانية عالية مع باب الريان ورفقة الحبيب صلى الله عليه وسلم في الجنة والفردوس الأعلى، ويشعر الصائم بالحرية الحقيقية حين ينتصر على كل شواغل الدنيا، متمثلاً قول رب العزة: "إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به".

 

أما الزكاة فبها يتحرر الإنسان من حب الدنيا والتعلق بالمال، وتدفع عنه خاطر الفقر والحاجة، مرسخةً في نفسه أن "ما أنفقتم من شيء فإن الله يخلفه"، وأن خزائنه جل وعلا لا تنفد، وأن النفس لن تموت قبل أن تستوفيَ رزقها وأجلها، فيعيش المؤمن حرًّا؛ لا يخشى فوات الرزق أو الأجل.

 

أما الحج فهو الرحلة الكبرى التي يتحرر فيها الحاج من كل شواغل الدنيا، ملبيًا نداء الواحد القهار ليرسِّخ في نفسه معنى العبودية الحقيقية، ويشعر أنه يرتكن إلى القوي القادر، المنتقم الجبار.

 

ولعلنا الآن نعرف سرَّ المعركة الدائرة على الإسلام من القوى الإمبريالية والصهيونية ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية 217)، إنها الحرب على الكينونة والهوية وتدمير بنية الإنسان المسلم؛ حتى لا يصبح قادرًا على حملها مرة أخرى.

 

لقد أدركوا أن الإسلام حين يتلبس بالشخصية المسلمة فهمًا وعملاً تحوله إنسانًا آخر؛ يأبى الضيم ويرفض الذل والهوان، ولا يقبل إلا أن يكون سيدًا يتعامل بمنطق الندية لا التبعية كما يفعل الأذناب.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الحرية الآن؟.

يقول علماء الأصول إن مناط الثواب والعقاب في الإسلام الحرية والعقل والإرادة، وشعوبنا الإسلامية على امتداد أراضيها لا تعرف للحرية معنى، وتعيش مسلوبة الإرادة ومغيَّبة العقل بفعل فاعل عن طريق ‘علام فاسد أو تسهيل لغيبوبتها عن طريق حرب المخدرات التي تستهدف شباب الأمة دون محاربة حقيقية لهذا الداء.

 

ولعل شعوبنا تستعذب أن تكون بلا حرية أو عقل أو إرادة؛ حتى لا ينالها العذاب!.
إن مجتمع العبيد لن يبنيَ أمة أو يشيد حضارة، ولكن همه طعام وشراب وفساد، ثم تواريه القبور لينعم بالنوم الطويل مع الديدان والهوام.

 

أما مجتمع الأحرار فبه يعلو البنيان، وتتفجر الطاقات الكامنة، ويأنس العبيد، وربما تتغير أخلاقهم لينضموا إلى فريق الأحرار، وصدق الشاعر:

ذرني أَنَلْ ما لا ينال من العلا                  وصعب العلا في الصعب والسهل في السهل

 تريدين إدراك المعالي رخيصةً                    ولا بد دون الشهد من إبر النحل

 

 لهذا أيها الأحباب كانت دعوتنا للحرية في بلادنا ليست تكتيكًا سياسيًّا نتبعه كما يحلو لأعدائنا أن يرددوا، ولكن دين نتعبد به إلى الله، آملين أن تنكشف الغمة وتعود الحرية السليبة إلى كل بلاد العالم الإسلامي.

---------

* أخصائي العيون- مطوبس.