نحن ننعم الآن بصوم شهر رمضان المعظم، تغشانا الرحمة، وتنزل علينا السكينة، ونحسب أن الله يُذكرنا في ملأ عنده، النفوس صافية والأرواح طاهرة، والقلوب مطمئنة، ورضاء الله يُحيطنا من كلِّ جانبٍ ننعم بإشراقات روحية وفيوضات إيمانية، نعيش مع القرآن تلاوةً وحفظًا وتدبرًا، نرتفع فيه عن مألوفات الحياة ومتطلبات الجسد، ونترك كثيرًا من الملهيات ونسعد بالقرب من ربنا عز وجل.
وشهر رمضان، شهر العمل والجد والنشاط والحركة في أمور الحياة، ومعترك النهضة والرقي والتقدم الحضاري، كما هو شهر النهوض في أمور الرقي الروحي والسمو النفسي، والتخفف من ثقل المادة، ومطالب الجسد، وأوزار الطين، وهو (أي رمضان) سوق رائجة لمضاعفة الحسنات، وحصاد للأجر والثواب العميم والخير الفياض؛ فهو شهرٌ فيه ليلة خير من ألف شهر.. جعل صيام نهاره فريضةً وقيام ليلة تطوعًا من تقرَّب فيه بخصلةٍ من الخير كان كمَن أدَّى فريضةً فيما سواه، ومن أدَّى فيه فريضة كان كمَن أدَّى سبعين فريضةً فيما سواه.
ولعلنا نذكر أن الانتصارات العظيمة في حياة المسلمين إنما تمت في شهر رمضان.. وهي التي بدأت بـ(بدر) الكبرى وانتهت (ونرجو ألا تكون النهاية أو الأخيرة) انتهت ببعض الملامح والومضات المشرقة في يوم العاشر من رمضان هنا على أرض سيناء وعبور قناة السويس.
ويشير ذلك بيقين- أن المسلمين إذا عادوا إلى الله عودًا حميدًا، واستيقظوا من غفوتهم، وشمروا عن ساعد الجد، وأحسوا أن الله بيده سبحانه مقاليد السموات والأرض، وأنه هو الكبير المتعال، وهو أكبر من كل القوى على وجه هذه الأرض، وأنه هو القاهر فوق عباده وأنه سبحانه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون.
ورغم تحفظي على إطلاق أو ادعاء أن انتصار العاشر من رمضان كان كيوم بدر، أو الفتح أو عين جالوت.. إذ إن هذا التشبيه فيه بعض التجاوز ولا يتماثل، مع هذه المعارك العظيمة إلا في زاوية محدودة وضيقة، وهي زاوية اللجوء إلى الله والدعاء اللحوح له، وتكبيره وتعظيمه، وطلب عونه ونصره وتأييده، ثم تتماثل هذه المواقع في أنها قد جرت أحداثها في شهر رمضان؛ حيث الجنود صائمون، وهم أقرب لأن يكون دعاؤهم مستجابًا.
ومع أني لا أقلل مما حدث في العاشر من رمضان.. إلا أنني لا يمكنني أن أدَّعي ولا أوافق مَن يدَّعي أنه كان نصرًا كاملاً ومؤزرًا من عدة وجوه؛ منها أن الأمة لم تكن قد عادت في كل أمورها، وجوانب حياتها إلى الله، وأقامت منهجه في واقع الحياة، وأظلت شريعة الإسلام كل مناشط الواقع المعاش في النواحي الاجتماعية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية.. إذن لم يكن هناك شمول في العودة ولا في اللجوء إلى الله، ومع ذلك فإنَّ الله بقدرته لم يُخيِّب رجاء مَن دعاه ووقف متذللاً يرجو رحمته ورضاه.
فما بالنا إذا تحقق ما نحب لأمتنا ونرضاه لها من نزولٍ كاملٍ على مقتضى شريعة الله وإقامة واضحة على تطبيق الإسلام تطبيقًا واعيًا شاملاً، وانطلق الناس جميعًا، وليس الجنود فقط إلى تكبير الله وتعظيمه، وإعلاء أمره ورفعة قدره.. يومها، ويومها فقط، كنا سنُشاهد انتصارات أكثر شمولاً وأعمق أثرًا يصل بنا إلى تطهير أرض المسلمين والأقصى والقدس من كلِّ محتل غاصب، ومن كل دعيٍّ كاذب.. بأن له أن يُقيم في أرضنا- أرض المسلمين- وطنًا قوميًّا له.. على حساب حقِّ الغير وملك الغير.
ومن هنا كان دعاؤنا وابتهالنا لله عزَّ وجل.. أن يمنَّ الله على أمة الإسلام بيومٍ كيوم بدر، وبنصر حقيقي كامل، وليس جزئيًّا مبتورًا؛ نصر يُعز فيه دينه.. ويُحَكَّم فيه كتابه، ويُعمَل فيه بشريعته، ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى عن المنكر.
ولأن يوم بدر يعتبر نموذجًا للنصر المنجز فقد سماه القرآن بيوم الفرقان، يوم التقى الجمعان؛ حيث فرَّق فيه ربنا بين الحق والباطل، وكان نصرًا مؤزرًا للإسلام ولرسول الإسلام- صلى الله عليه وسلم- أعز فيه دينه وأظهر وحيه وتنزيله- كما يذكر ابن كثير في تفسيره- وبيَّض وجه النبى صلى الله عليه وسلم.
ولهذا فإن الإمام الشهيد حسن البنا كان يعتبر أن مهمة المسلمين العظمى تحرير الوطن الإسلامي من كل المحتلين المغتصبين لأوطان المسلمين وثرواتهم، وما أكثر هؤلاء، حيث لا يقتصر على الاحتلال الاستيطاني، وأكبر مثل صارخ له هو العدو الصهيوني الذي جثم على قطعة غالية من أرضنا، وهي فلسطين وفي القلب منها القدس الشريف.
ومن هنا أقول إنَّ النصرَ الذي تم في العاشر من رمضان كان البداية- ولم يكن النهاية.
وحتى يَمُنّ الله علينا بيومٍ كيوم بدر.. وأن يُوفِّق المسلمين لأن يكونوا كذلك يستحقوون فضل الله وتأييده وتمكينه.. فإننا يحسن بنا أن نعيش بعض دروس وعبر غزوة بدر الكبرى لعل الله يمنُّ علينا بمثلها.. وما ذلك على الله بعزيز.
أول هذه الدروس أن النصر لا يتوقف على الكثرة أو القلة في العدد أو العُدد؛ فلقد كان عدد المسلمين (313) رجلاً، وفيهم (فارسان) فقط و(سبعون بعيرًا) والباقون مشاة، أما قريش فقد جاءت بخيلها وخيلائها، وأرادها أبو جهل حربًا إعلاميةً تتمثل في الدعاية لقريش ومكانتها، وأصرَّ على ألا يرجع حتى َيرِد بدرًا، فنقيم- برأي أبو جهل- ببدر ثلاثًا وتنحر الجزور ويُطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا.
وثاني هذه الدروس الشورى، وما أعظم هذا الدرس في حياة المسلمين قديما وحديثًا، فهي فضيلة يلتزم بها الصف المسلم العامل لتحقيق نصرة الإسلام، ولأن أولى مهام الإسلام حقيقة إعانة الناس على التخلص من الاستبداد والهيمنة على مقدرات الناس وسلب أغلى ما يملكون وهو الحرية العامة والخاصة التي يحرص عليها الإسلام في مسيرته لتحرير الأمة من كلِّ عوامل القهر والإذلال والبطش والانفراد بالرأي.. وإقصاء الرأي الآخر، والانفراد بالسلطة والثروة معًا، وما جر ذلك على الأمة من بلايا ومصائب وانتكاسات.
وقد تمثلت الشورى في أجلِّ معانيها في أثناء المعركة، وعلى أرض بدر؛ وذلك في مواقف ثلاثة:-
1) فعندما احتدم الموقف وأصبحت المعركة مائلة للعيان؛ حيث إن الخروج إلى بدر لم يكن من أهدافه المعركة والقتال، فهم أرادوا بخروجهم العير تعوضهم بما تحمل من أموال بعض ما فقدوا وأراد الله لهم النفير ليكون أول نصرٍ في سجل التاريخ أروع صفحاتهم: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ(8)﴾ (الأنفال).
كان لا بد إذن أن يتعرَّف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على موقف الأنصار ويأخذ رأيهم في القتال، خاصةً أن شروط بيعته ونصرته في العقبة لم تتناول ما هو خارج المدينة فقال: "أشيروا عليَّ أيها الناس"، وهو يريد الأنصار لأنهم أكثر الصحابة آنذاك، فسمع منهم على لسان سعد بن معاذ رضي الله عنه ما نحفظه من السيرة وما أثلج صدر الرسول صلى الله عليه وسلم.
2) كما نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مواقف نتعلمها منه على مرِّ الزمان؛ نزل صلى الله عليه وسلم على مشورة الحباب بن المنذر- رضي الله عنه- ليتخذ موقعًا للجيش أكثر مناسبةً فيجعل مصدر الماء خلف الجيش، وهذه لفتة إستراتيجية كبيرة.
3) كما أخذ- صلى الله عليه وسلم- بمشورةِ سعد بن معاذ كذلك بأن يسمح له ببناء عريشة له صلى الله عليه وسلم يكون فيه وتكون معه ركائبه لاستخدامها عند الحاجة.
وثالث هذه الدروس العدل والمساواة؛ فعندما كان يسوي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صفوف المقاتلين مرَّ بأحد الصحابة ويُدعى (سواد بن غزية) وقد خرج قليلاً من صفه، فطعنه طعنًا خفيفًا في بطنه، فيقول الصحابي وهو جندي بسيط في الجيش "أقدني" يا رسول الله.
فيكشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بطنه الشريف ليقتاد منه "سواد" والقصة معروفة.. إنما دلالتها هنا أن المساواة التامة والعدل والإنصاف كلها قيم مطلوبة وأصيلة في الإسلام، وهي لكل الناس وليست قاصرةً على فئةٍ أو طبقةٍ خاصة.
وبعد.. فإن نصرَ المسلمين في بدر قد تكرر في فتح مكة وعين جالوت والعاشر من رمضان في زمننا الذي نعيشه، وهو يمكن أن يتكرر بنفس الشروط التي أحاطت أو مهَّدت لهذه الانتصارات وما أحوج أمتنا لهذا النصر وهذه الفرحة، بعد ما تكالبت علينا القوى الباغية وأحاطت بالأمة من كل جانب، وصارت كل البلاد تعاني إما احتلالاً مباشرًا لأرضها أو احتلالاً غير مباشر؛ حيث تخضع لتدخلاتٍ أجنبية تُؤثِّر في قرارها واستقلالها وأسوأ أشكال هذا الاحتلال ما تعاني منه فلسطين الحبيبة من غطرسة العدو الصهيوني.
فاللهم يومًا كيوم بدر، وما ذلك على الله بعزيز.