بعض المذنبين "الظرفاء" كانوا يعرفون رغبة العفو عند الخلفاء وأولي الأمر؛ فكانوا يستغلون ذلك في حسن التخلص من العقوبة.
فلما حضر أحدُهم أمام الخليفة هارون الرشيد الذي دعا بالسيف والنّطع، بكى الرجل، فسأله الرشيد: ما يُبكيك؟! ألم يكن تركُ الذنب أولى من البكاء؟!، فأجاب الرجل: "إنني ما أبكي من الموت؛ لأنه لا بدَّ منه، ولكنني أبكي أسفًا على خروجي من الدنيا وأميرُ المؤمنين ساخطٌ عليَّ"، فضحك الرشيد وعفا عنه.
وهذا آخر يأمر زيادٌ بضرب عنقه، فقال له: "أيها الأمير.. إن لي حقًّا عندك؛ فقد كان أبي جارَك بالبصرة"، فسأله زياد: "ومن أبوك؟"، قال: "يا مولاي.. إنني نسيت الآن اسم نفسي، فكيف أتذكر اسم أبي؟!"، فغطَّى زيادٌ وجهه لكي يُخفيَ الضحك، وعفا عنه.
وكان الخليفة المأمون يحب العفوَ، ويقول" "لقد حُبِّبَ إليَّ العفوُ، حتى إنني أخاف ألا أثاب عليه"، وكانوا يقولون: لذة العفو يلحقها حمد العاقبة.
ومن المعروف أن العفو هو أليق شيء بالمقدرة؛ ولذلك كان يُعرف ويُطلب عند عظماء الخلفاء والوجهاء وأولي الأمر، وجاء إلى الخليفة المأمون رجلٌ قد أذنب ذنبًا، فقال له المأمون: "أنت الذي فعلت كذا وكذا؟"، قال: "نعم يا أمير المؤمنين.. أنا ذاك الذي أسرف على نفسه، واتَّكل على عفوك"، فعفا عنه وخلَّى سبيله.
والذي يُعَوِّدُ نفسه العفو عن الناس فهو إنما يُعرِّضُ نفسه للعفو من الله تعالى، خاصةً وهو يدعو في العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم بالدعاء الذي علَّمه رسول الله للسيدة عائشة حين سألت: "ماذا أقول إن أنا أدركت ليلة القدر؟"، فقال لها عليه الصلاة والسلام: "قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فَاعْفُ عني".
والعفو خلقٌ جميلٌ نبيل عندما يكون في موضعه، فيكون عن مقدرة، ويكون عن حقٍّ شخصيّ لا عن حقوق الغير، ولا عن حدٍّ من حدود الله، ويكون عمَّن تُرجى منه الإنابة وعدم تَكرار الذنب، وإلا لم يكن عفوًا، بل كان ضعفًا وتهاونًا وتضييعًا للحقوق؛ فهذا رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي لم ينتقم لنفسه قط، بل يحلمُ ويعفو، أبى أن يتهاون في شأن المرأة المخزومية التي سرقت، وكلَّمه بعض الصحابة في شأنها، فغضب وقال بحزم وعزم: "وايم الله.. لو أنَّ فاطمةَ بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يدها".
إن إقامة الحد في هذه الحالة هو عفوٌ من نوعٍ متميز.. إنه عفوٌ عن الأمة كلها؛ حتى لا تستشريَ فيها السرقات والاجتراء على الحرمات.
ليت أولي الأمر عندنا يفتشون وراء الأسوار عن البريء الذي حُبِسَ ظلمًا ليأخذ حقه، ويُطلق سراحه، حتى لو اعتبر هذا عفوًا مجازيًّا، أو يفتشون في القوانين والقرارات الظالمة التي اكتوى الناس بنارها، فيعفون عن الناس بإلغائها.
اللهم تقبل دعاءنا في هذه الليالي، اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا.
--------