(الأمانة) من أهم الفضائل الأخلاقية التي جاء بها الإسلام وحضَّ عليها بوضوح وتأكيد؛ فهذا الخلق له أهمية كبيرة على مستوى بناء شخصية المسلم كما ينشدها الإسلام، وعكسها الخيانة التي هي من أحطِّ وأرذل الصفات والعياذ بالله.

 

وتزداد الخيانة سوءًا حين تكون من البطانة، أي من الداخل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس البطانة الخيانة".

 

ذلك أن الأمانة هي عماد المجتمع المسلم الذي ننشده في صورته المثلى، وبها وعليها تقوم وتنشأ جميع الروابط بين الناس أفرادًا وجماعاتٍ.

 

الأمانة من الصفات التي تربط الإنسان بالله سبحانه تعالى من جهة، وتربطه بغيره من الناس من جهة، ومن جهة أخرى ترسم علاقته مع نفسه؛ فالإنسان الأمين مع نفسه إنسان اقترب كثيرًا من الفلاح والصلاح.

 

ويتسع مفهوم الأمانة لأبعاد مختلفة وواسعة من حياة الإنسان؛ فالأموال والثروات والمناصب أمانة.. الأطفال أمانة لدى والديهم.. الطلاب أمانة لدى معلميهم.. المرضى أمانة لدى أطبائهم.. الآلة أمانة لدى العامل.. السيارة والحافلة أمانة لدى السائق.. وهكذا.

 

وإلهامنا في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته".

 

الماء والتراب والهواء وجميع ما خلقه الله تعالى من الكائنات الطبيعية لتيسير حياة الإنسان في حياته الدنيا، أمانة يُعدُّ التفريط فيها وعدم أداء حقِّها خيانةً.. هكذا ببساطة شديدة، الأموال والثروات المادية والمقامات والمناصب الاجتماعية والسياسية هي أيضًا أمانات في يد الناس، ويجب عليهم مراعاتها من موقع الحفظ وأداء المسئولية.

 

القرآن الكريم يحدثنا مباشرةً عن مدى أهمية هذه الفضيلة العظمى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: 8).

 

﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: 58).

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).

 

﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ (البقرة: من الآية 283).

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72).

 

ولنلحظ ورود الأمانة في صيغة الجمع..(الأمانات) في إشارةٍ إلى أن الأمانة لها أنواع وأشكال مختلفة، كما نلحظ ارتباطها في إحدى المواضع بالوفاء بالعهد، وفي موضع آخر بالعدل في الحكم؛ باعتبار أَنْ لا يمكن أن يكون عهد ولا عدل بلا أمانة.

 

ورغم أن العدل له مكانة رفيعة في المفهوم الإسلامي فقد ورد الأمر بأداء الأمانة قبله، وهي إشارة مفهومة.

 

تحدث العلماء عن ثلاثة أنواع من الأمانة: الأمانة مع الله، والأمانة مع الناس، والأمانة مع النفس.

 

الأمانة مع الله في تقواه وصدق العبودية له سبحانه وإخلاص العمل في السر والعلن.

 

الأمانة مع الناس، والتي هي من قبيل الودائع التي يضعها بعض الناس لدى البعض الآخر، وكذلك تَرْك التطفيف في الميزان وفي البيع والشراء، وترك الغِيبة وباقي الأمور المتعلّقة بالشئون المالية أو بأسرار المعيشة والحياة الشخصية لدى الأشخاص وما إلى ذلك من مناحي السلوك مع الآخرين.

 

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "يـا أبـا ذر.. المَجـالِس بِالأمـانَةِ وإفشَـاءُ سرّ أَخِيك خِيـانَة".

 

أما أمانة الإنسان بالنسبة إلى نفسه فيرى فيها العلماء أن على الإنسان أن يختار لنفسه خير الدين والدنيا ولا يستسلم لدوافع الشهوة والغضب والزيغ والانحراف وإهماله لوقته وصحته وماله، وكل ذلك مما يترتب عليه ذنوب وآثام؛ فهذا من أمانته مع نفسه.

 

وهناك الأمانة مع النبي صلى الله عليه وسلم بصون الدين الذي أودعه النبي لدى أمته.

 

أما عن الأمانة الإلهية العظيمة التي عجزت السماوات والأرض والجبال عن حملها وحفظها ولكن الإنسان حملها ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72).

 

أورد المفسرون أن المقصود من الأمانة الإلهية الكبيرة هذه هو المسئولية والتكليف الملقى على عاتق الإنسان؛ حيث لا يتيسر ذلك إلاّ بوجود العقل والحرية والإرادة: مناط التكليف والمسئولية.

 

فإن التكليف والمسئولية أمام الله تعالى والناس والنفس هي وظيفة ثقيلة لا يكاد يتحملها ولا يليق بحملها أي موجود آخر سوى الإنسان؛ لذلك فقد جعل الله تعالى العقل والحرية والإرادة مناط الثواب والعقاب، ومجموع هذه الصفات الثلاث تبين مكانة الإنسان بين المخلوقات بحيث اختاره الله لمقام الخلافة الإلهية وميَّزه على سائر المخلوقات الأخرى.

 

ولكن هذا الإنسان لم يقدِّر هذا المقام الرفيع، وتورَّط في منزلقات الشهوة والهوى، وبذلك ظلم نفسه وجهل قدرها وحرمها من نيل السعادة العظيمة التي تنتظره في حركته نحو الحق والانفتاح على الله؛ فكون الإنسان ظلومًا وجهولاً إنما هو لم يكن بسبب قبول هذه الأمانة الإلهية؛ لأن قبولها علامة العقل وسبب الافتخار، ومن دون ذلك لا يصل إلى مقام الخلافة الإلهية، بل كونه ظلومًا وجهولاً بسبب عدم حفظ هذه الأمانة وسلوكِه طريقَ الخيانة في أداء هذه المسئولية الكبيرة.

 

وإذا كانت خيانة الأمانة تنشأ عن الظلم والجهل فإن حفظ الأمانة يدل على العقل والعدل.
وورد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أَدِّ الأَمـانَةَ للِبَرِّ والفـاجر، في مـا قَلَّ وجلَّ، حتى فِي الخَيطِ والمخيط"، وكررها ثلاثًا.

 

وورد عنه صلى الله عليه وسلم توصيف شديد؛ حيث قال: "لا تَنظُروا إلى كَثرَة صَلاتِهِم وَصَومِهِم وَكَثرَةِ الحَجِّ وَطَنطَنَتِهِم بِالَّليلِ، وَلَكِنْ اُنظُرُوا إِلى صِدقِ الحَدِيثِ وَأَداءِ الأمانة"، وقال: "لا تَزَالُ أمتي بِخَير مـا تَحـابوا وَتهـادوا وَأَدوا الأَمـانَةَ وَاجتنبوا الحَرامَ وَوَقَّروا الضيفَ وَأَقـامُوا الصلاةَ وَآتوا الزَّكـاةَ؛ فَإذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ ابتَلَوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ".

 

ومما يروى عن الإمام علي أنه قال: "لا تنظُروا إلى طُولِ رُكوعِ الرجُلِ وَسُجُودِهِ؛ فَإن ذَلِكَ شيء اعتاده، فَلَو تَرَكَهُ استوحش لِذلِكَ، وَلَكِنْ اُنظُروا إلى صِدقِ حدِيثه وَأَداءِ أَمـانِتِهِ".

 

ولعنا نفهم من مقولة الإمام علي لماذا انتشرت مظاهر التدين بين الناس على حين أن أغلب معاملاتهم تخلو من الصدق والعدل الذي يتناسب مع كل هذا التدين.

 

ولنقف كثيرًا عند جملة "شيء اعتاده لو تركه استوحش"؛ فالدين كما يقول ابن القيم هو "الخلق؛ فمن زاد عنك في الخلق زاد عنك في الدين، ومن نقص عنك في الخلق نقص عنك في الدين".

 

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ (الأنعام: من الآية 115).