يظلم كثير منا الشعر القديم حينما يحصره فهمًا في الألفاظ الوعرة والأساليب التي تحتاج منا كي ندرك مراميَها صبرًا ووقتًا، وهذا طبيعيٌّ لعدم ممارستنا لهذه اللغة ولهجرانها؛ مما أوجد بيننا وبينها هوَّةً سحيقةً ومساحاتٍ شاسعةً؛ لذا يشعر كثير منا بالغربة معها.
والذي يتأمل ويتمعَّن معاني الشعر القديم يدرك بُعدًا تنمويًّا نحن بحاجة أن يتفاعل معه النشء، فشعرنا القديم ثروة أعزُّ من أي تراث يحظى بالرعاية والترويج؛ لأنه ينبض بالحياة ويمتد التواصل معه- عند من يدركه- ويوقن أنه نتاج عقول بلغت من الألمعية حدَّ الإعجاز، إلا أن الإعجاز لا يتأتَّى للبشر ولكن هذا الشعر لا حامي له.
وها هو الشاعر العظيم "الحُصين بن الحمام المُريُّ" كان سيد قومه بني مُرَّة، واشتهر بالوفاء وأدرك الإسلام فأسلم، وكان من المُجِيدين المُقلِّين في شعره، غير أن شعره يزخر بالمعاني التي تتربَّى على أمثالها رجالات الأمة؛ ففيه العمق الفكري والبعد التنموي وسمو التحليق النفسي، وإجادة الصياغة ومتانة السبك وروعة الغايات والمقاصد.
تأخرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْ لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدما
التجربةُ عقلٌ ثانٍ، والحكمة إفراز التجارب، والتجارب تصقل معدن صاحبها وتصوغه صياغةً تجعله متمرسًا على مواجهة المواقف، وقادرًا على التعامل مع أشدِّها وأدهاها.
وهذا الشاعر العربي القديم الذي أرضعته الصحراء جديتها ونقَّته من كل مظاهر التقاعس والتبلُّد.
إذا القومُ قالوا مَنْ فتىً خِلتُ أنني عُنٍيْتُ فلم أَكسلْ ولم أَتبلَّدِ
(عندما استعذب بنو إسرائيل الهوان، ونشأوا على العبودية لدى الفراعين، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدل بهم ربهم قومًا منهم آخرين، فحينما تاهوا في الصحراء أربعين سنةً وُلِدَ جيلٌ جديد تربَّى بين أحضان الصحراء، ورضع الحرية في آفاقها الرحيبة، وترعرع مستقلاًّ غيرَ مُستَعْبَدٍ إلا لله تعالى).
أمَّا هؤلاء العرب فأبناء صحراء ممتدة شاسعة لا يُكَبِّلُها قانون الملوك، ولا يَحُدُّها قهر الظالمين فساحوا في الأرض وانطلقت معهم نفوسهم أبيةً عزيزة.
يتحسَّر الشاعر على ما فاته من إدراكٍ للحقيقة التي قطع في إدراكها سنين طويلة، عانى خلالها التردد والحَيْرَةَ حتى أيقن بنفسه حقيقة الحياة ثم يخبرنا بها، وهو شيخ وقور اجتمع الجيل حوله كي يتواصل معه فيتلقى ما تمخَّضت عنه تجارب هذا السيد العظيم.
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدما
صيغة الفعل بنيت على (تفعَّل) وهي صيغة مطاوعة، وفعلها الخارجي الذي أدى إلى التفاعل (أخَّرَ) فعَّل، فالعوامل الداعية للتأخر من الخارج كانت قويةً، جذبته إلى إسارها فطاوعها وأصبح أحد أتباعها وفردًا ممن احتوتهم، فهذه العوامل هي الحرص على الحياة ورغبة الاستمتاع بالملذات والطموح إلى السيادة.. كل هذه العوامل وغيرها هتفت بالشاعر فلبَّاها (أخرته فتأخر) والفعل (تأخر) هنا غير متعدٍّ، والصيغة توحي بإرادة الاختيار الحر.. فلا قهر ولا جبر.
تأخرت.. رؤية واضحة بناءً عليها اتخذ قراره (تأخرت أستبقي الحياة...) استبقاءً لحياتي، تأخرتُ ولكنه قدَّّم الفعل الذي فيه زفرة حسرة، تغيرت رؤيته للأشياء فدفع بالفعل (قدمه) إعلانًا عن رفضه هذه المنهجية الخاطئة، وإعلانًا لتبرُّئه مما كان عليه.
تأخرت أستبقي الحياة.... أسأل الحياة بقاءً ودوامًا فيكون السؤال مجازيًّا، وهذا السؤال فيه مهانة وتعلق بأذيال الحياة، والحياة ركب يستوعبه وغيرَه، فلم يجد فيه ما كان عنه يبحث مما أوجد لدى قلبه الأسى، فهو يبحث عن حياة أخرى غير تلك التي ألفها الناس.
أستبقي.. توحي بطلبه حياته بأية صورة وبأية وسيلة كانت (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ).
تأخرت أستبقي الحياة..... الحياة لام التعريف ينوب عنه ياء التكلم؛ حياتي، فحرصه ذاتي ومسعاه تتجلى فيه (الأنا)، أما حين يحرص على التقدم فإن الذات تسمو، والأنا، هنا تعمل للجميع لا للفرد، وتعريف (الحياة) هنا أوحى بازدرائه هذا النوع من الحياة، وتأبِّيه له؛ لأنها الحياة المعهودة لدى الناس جميعًا؛ فالتعريف هنا حسن موقعه؛ حيث أبان عن تحقيرها، فالحياة المعلومة لدى الجميع انتقل تخصيصها إلى الشيوع فأضْحت بمنزلة النكرة، وهذا على خلاف ما تعارف عليه أهل اللغة، فالتنكير في (حياة) الثانية أوحى بالتعظيم والتفخيم؛ فالشاعر يبحث عن نوعية خاصة في الحياة.
تأخرت أستبقي الحياة... تأخرت لأستبقي الحياة؛ فالتأخر علة للإبقاء على حياته؛ فاللام المقدَّرة متعلقة بالفعل تأخر (تراجع وتخاذل مُسَوَّغٌ كي يوجد لنفسه شيئًا من التوازن)؛ لأنه كان يعاني صراعًا بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن.. حاول أن يتكيَّف مع واقعه الذي يرى فيه الكثيرين تغلبهم هذه النفسية.
وتأويل الفعل (أستبقي) مع أن المصدرية المقدَّرة بالمفعول له يُضعِفُ المعنى؛ لأن (الفعل) مع (أن) التي تخلصه مفعولاً له أي (تأخرت استبقاءً لحياتي) تجعله معلول العلة، وهذا يقيِّدها حيث يتعلق الفعل (تأخر) بالمفعول له المؤوَّل تعلقًا غير منفكٍّ، وهذا لم يُرِدْهُ الشاعر؛ بدليل أنه في نهاية البيت قال (أن أتقدَّما) فكانت النهاية مغايرةً للبدء.
فلم أجد لنفسي حياة.... الفاء تربط بين البداية (تأخرت) وبحثه وتنقيبه عن حياة عظيمة تليق به (فلم أجد)، ويبدو أن هذا البحث استمر وقتًا طويلاً؛ بدليل (فلم أجد) فتأخره مستبقيًا الحياة محصور في زاوية عدم الاقتناع؛ لذلك أخذ يبحث وينقِّب عن الأمثل، فجاءت (الفاء) رابطةً هذا الذي توصل إليه وتغيرت به رؤيته عمَّا كان عليه.
فلم أجد حياةً لنفسي... لكنه قدم مُتَعَلَّقَ الفعل (النفس) إشعارًا بأن بحثه الذي طال وأجهده، إنما مبتغاه نفسه التي يرجو لها أعظم سبل الحياة.
ولام (لنفسي) لام الاستحقاق؛ حيث وقعت بين معنى (حياة) وذات (نفسي)؛ فهو يبحث عن حية عظيمة تستحقها وتجدر بها نفسه التي يطمح لها السمو راقيًا به.
و(الحياة) المُعَرَّفَةُ لفظًا المُنَكَّرَةُ معنىً، تخصيصها جعلها عامَّة؛ لأنها بعض من جملة (فرد من أفراد)؛ حيث إن الماهيَّة المجردة عن البعضية أضعفتها القرينة التي جعلتها مشاعًا، فهي كمخصوص عممته القرينة؛ فالتعريف والتنكير ليست الدلالة فيهما وضعيةً بقدر ما هي سياقية تقوَى وتضعف وَفْقَ حيز المعلوم سياقًا.
أجد.. أي عرضت له خيارات عدة لكنها لم تَرُق له.
لنفسي حياة.. تنكير فيه قوة التخصيص والتفخيم فهي الحياة التي طالما بحث عنها.
مثل أن أتقدما.. مثل، المماثلة لا تكون إلا في المتفقين، وإن أُطْلِقَتْ مثل قُصِدَ بها أنه يسد مسده، ويوازيه صفةً ويحاذيه كفاءةً؛ فهو يبحث عن مثيل موازٍ يسد مسد التأخر حال اعتقاده بصلاحه لذلك لم يقل غير أن أتقدما، أو إلا أن أتقدما، فمعناهما لا يتفق ومثل.
ومثل تُشْعِر بأنه كان يبحث عن مُكافئ ونظير لما عليه اعتقاده، (التأخر منجاة) فلم يجد (مثل التقدم مُنجيًا) وأن والفعل (أن أتقدما) مصدر مؤوَّل خالٍ من الدلالة الزمانية، فالمعنى مجرد، ولكنه عبَّر (بأن والفعل)؛ لإفادة الحدث ذي الحركة لأنه لم يتوصل إلى تلك النتيجة إلا بعد مكابدة ومشقة.
شتان بين بداية البيت (تأخرت) وبين نهايته (أن أتقدما) كم بينهما من معاناة ومكابدة! هذا والرجل يفتقد المنهج إذ كان جاهليًّا، فما بال أبناء المنهج يتخاذلون وقد علموا أنهم لو كانوا في بروج مشيدة لأُلقي عليهم الموت وأدركهم، فلمَ الخوف؟ ولمَ التأخر؟
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدَّما
-------
* دكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير العرب.