بالرغم من قيام الحكومة السودانية برفض الموعد المحدد لبدء الجولة الثالثة من مفاوضات مشاكوس، إلا أن هناك مؤشرات تقول إن العام الحالي ربما يكون عام الحسم الذي يتم التوصل فيه إلى حل للحرب الأهلية السودانية الدائرة منذ ما يقرب من عشرين سنة.
لقد رفضت الحكومة السودانية الموعد الذي حدده وسطاء هيئة الإيجاد باستئناف المحادثات في 15 يناير الجاري؛ لمناقشة قضايا المناطق المهمشة، وهي جبال النوبة، وجبال إبي، وجنوب النيل الأزرق، وأوضحت الرسالة التي بعث بها الدكتور غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني للسلام إلى الوسيط الكيني الجنرال لازاراس سيمبويو أسباب هذا الرفض، حيث اعتبرت أن الموعد المحدد لمناقشة قضايا هذه المناطق، مخالف لما اتفق عليه في الجولة الثانية، التي اتفق خلالها على استئناف المحادثات، حول مسألة اقتسام السلطة والثورة، وبالتالي فإن هيئة إيجاد ليست معنية بتحديد موعد للتفاوض بشأن المناطق المهمشة الثلاث.
إلا أن هذا لم يكن الرفض الأول لاستئناف المباحثات، وتدخلت الولايات المتحدة في السابق بالوعود والضغوط في آن؛ لتعديل الموقف الحكومي، وهو ما أدى إلى دخول طرفي المفاوضات في جولة ثانية، وبالتالي فإن ذلك الرفض الحالي ربما لا يستمر طويلاً، وذلك من خلال المطالب الحكومية بأن يكون تحديد جدول الجولة الأخيرة على أساس ما تم التوصل إليه في الجولة الثانية، وبناءً عليه فإن استمرار فشل النخبة السياسية في إدارة الأزمات الممتدة للتعددية الدينية، والعرقية واللغوية والثقافية العقدية وتحولها من طلب المساعدات العربية إلى انتظار ثمار السلام، ومن الراعي الأمريكي من جهة، واعتماد حركة المتمردين على القوى الخارجية؛ لدعم مواقفها، أو استجلاب أشكال أخرى من الدعم المادي والسياسي من جهة أخرى، سيفسح المجال لتنفيذ ما تم التوصل إليه، وما ستقره الجولة الأخيرة.
لكن اعتماد هذه المفاوضات على توصيات تقرير المبعوث الأمريكي جون وانفورث، ما زال يعمق الهواجس حول السلام، الذي صنعه عبر مفاوضات مشاكوس بين الحكومة و(الحركة الشعبية لتحرير السودان) من خلال إثارة العديد من المخاوف، حول إمكان توصله إلى حل لقضايا السودان، يضمن الوحدة والتنمية والديمقراطية.
وقد تم البدء في المفاوضات من خلال المبعوث الأمريكي، الذي عمل على مقابلة الأطراف الإقليمية المهمة، كرؤساء مصر وكينيا وأوغندا؛ للبحث حول جهود بلادهم في إحلال السلام، والعمل على التوفيق بين مبادرة الإيجاد والمبادرة المصرية الليبية، إلا أن هذا التوفيق لم يتم تلبية لأهداف أمريكية خاصةً.
وكان هيكل توصيات وانفورث من شقين: الأول: التوصل إلى حل وسط بمشاركة أمريكية في عملية سلام "طويلة". الثاني: تقديم اقتراحات حول المسائل الأساسية وأهمها: التخصيص "العادل" للنفط كمفتاح لحل المسائل السياسية، تقرير المصير كوسيلة لحماية الجنوب من (الاضطهاد)، تقديم ضمانات لاحترام الحرية الدينية وعلمنة الدولة، وأن يقوم نظام الحكم بتمثيل كافة الفئات والتجمعات السياسية المهمة والقوية والعرفية واللغوية.
وقد انعكست هذه التوصيات بشكل واضح على نتائج الجولة الأولى من مفاوضات مشاكوس، حيث تم التوصل فيها إلى: حق الجنوب في تقرير المصير عن طريق استفتاء في نهاية الفترة الانتقالية المقررة (ست سنوات)، وإقامة نظام ديمقراطي يعطي الاعتبار للتنوع الثقافي والأدبي واللغوي. وأن يتم التنفيذ من خلال آليات مراقبة هي عبارة عن تمثيل متساوٍ لأعضاء إيجاد (جيبوتي ـ إرتيريا ـ إثيوبيا ـ كينيا ـ أوغندا) وأعضاء الدول المراقبة (إيطاليا، النرويج، بريطانيا، أمريكا).
وهذا الاتفاق الذي يجسد التصور العلماني استجابةً للوبي اليميني، ولجنة الحريات الدينية الدولية، التي تعبر عن الهيئات التبشيرية في أمريكا ما كان يتم التوصل إليه سوى في غياب دافع عربية للجهود التنموية الحكومية، ووجود شعور بإرهاق عام في السودان، يعبر عنه استمرار سقوط القتلى، فضلاً عن اشتداد وطأة الأزمة الاقتصادية، حيث كلفت الحرب الأهلية خزانة السودان ما يتعدى 2 مليون دولار يوميًا، في بلد تعطلت معظم مشاريعه الإنتاجية، التي كان يعتمد عليها، مثل مشروع الجزيرة، الذي كان إنتاجه من محصول القطن وحده يزيد على نصف المليار دولار سنويًا، فضلاً عن تحريكه وإنعاشه لكل مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وحركة الأسواق التجارية، وقد تدهور إنتاجه من المليون فدان إلى المائة ألف فدان.
وبالوصول إلى هذه النتائج في الجولة الأولى، ظهرت آثار خطيرة على الأمن القومي المصري، حيث يسمح هذا الاتفاق للولايات المتحدة بالبدء في تطويق وحصار الدور المصري في منطقة دول حوض النيل، بما يعني إضعاف المكانة الإقليمية لمصر، بكل انعكاساتها الجيدبوليتيكية والاستراتيجية. إضافةً إلى أنه قد يؤدي إلى ظهور طرف جديد بعد بضعة سنوات يطالب بتغير اتفاقية مياه النيل 1959.
حصاد الجولة الثانية
وكان من المفارقات أن تقوم مصر بالانسحاب من المفاوضات، تعبيرًا عن احتجاجها، عقب التوصل إلى تلك النتائج في الجولة الأولى، رغم أن ما تم يبعد مصر عن قضية محورية لا تقل أهميةً عن القضية الفلسطينية. واعتبر البعض أن هذا الانسحاب الصامت كان لمعاقبة الخرطوم، التي ظلت لفترة طويلة بحاجة لمزيد من الفاعلية من جانب الأطراف العربية المتهمة، بدلاً من الاستمرار في الإعلان عن التضامن الذي تم بصفة مستمرة.
وقد بدأ في الجولة الثانية في 14 أغسطس، ثم قامت الحكومة السودانية بتعليق المفاوضات في الثاني من سبتمبر، بعد استيلاء المتمردين على مدينة توريت، وتم الانسحاب بذريعة خدمة الهدنة، وقيام الطرف الآخر بتغيير حدود جنوب السودان المتعارف عليها.
وقد تعرضت الخرطوم أيضًا في ظل غياب وتراجع عربيين لضغوط شديدة من الدول الغربية، وخاصةً من الولايات المتحدة، حيث أصدر الكونجرس الأمريكي قانون سلام السودان، الذي يدعو الإدارة الأمريكية إلى توقيع العقوبات على الخرطوم إذا لم تتفاوض (بحسن نية)، خلال الأشهر الستة التالية التي تنتهي أول أبريل 2003.
وقد عبر هذا القانون عن قوة جماعات الضغط اليمينية و"التبشيرية" الناهضة لحكومة السودان، والساعية في آن إلى فصل جنوب السودان, لكن الإدارة الأمريكية عملت على تقديم الوعود, مع استمرار التلويح بهذا القانون, فأعلنت في هذا السياق عن استعدادها لإسقاط العقوبات الدولية عن السودان, ورفع التمثيل الدبلوماسي لدرجة سفير, وإعفاء السودان من ديونه وسحب اسمه من قائمة (الإرهاب).
وأدى هذا إلى استئناف الجولة الثانية, والتي انتهت بالتوقيع على مذكرة تفاهم, من أهم عناصرها: إجراء انتخابات عامة ونزيهة خلال النصف الأول من الفترة الانتقالية، الاتفاق على قيام حكومة وحدة وطنية على قاعدة تحالف عريض خلال هذه الفترة، وضع دستور جديد بواسطة لجنة تضم كل القوى السياسية، وتكوين مؤسسة تشريعية من مجلسين بتمثيل (عادل), لكن المذكرة عجزت عن تحديد نسب هذا التمثيل.
وكادت الخلافات في هذه الجولة بين الحكومة وحركة المتمردين أن تفضي إلى تعميق هو الخلافات، يما يعني نهاية المفاوضات، لولا أن قامت الأطراف المراقبة بالضغط عليها من أجل التوقيع على مذكرة التفاهم، وترحيل المسائل الخلافية، التي تتعلق باقتسام السلطة والثروة إلى الجولة الثالثة والأخيرة.
وتمحورت الخلافات حول السلطة بالأساس، فطالبت حركة جون جارانج بمنصب نائب أول للرئيس، بصلاحيات واسعة، وأن يكون له الحق في أن يكون رئيسًا في حال الغياب المؤقت أو النهائي للبشير، فيما اقترحت الخرطوم تعيين نائبين: أحدهما بصلاحيات واسعة للجنوب، على أن يختص الثاني بالإشراف على مجلس الوزراء. كما اختلف الطرفان حول نسبة تمثيل الحركة في مجلس الوزراء والبرلمان والخدمة العامة، فطالبت الحركة بنسبة 40 بالمائة إلى جانب توليه أعضاءها عددًا من الحقائب السيادية.
ويمكن القول أن موقف الحكومة ربما أصبح حرجًا بالنظر إلى الضغوط المختلفة عليها، وأن رفضها لتوقيت الجولة الثالثة وموضوعاتها ليس سوى لتقوية موقفها التفاوضي إزاء قضايا شائكة، قد لا تؤدي إلى احتمال انفصال الجنوب فقط، وإنما أيضًا إلى إمكانية أن يتولى جون جارانج، بماله من اتجاهات مناهضة للعرب، ومتحالفة مع أعدائهم ـ رئاسة البلاد في إطار ما يسميه الأمريكيون تقاسم السلطة، (وكان الموعد المقترح بالجولة الثالثة هو 6 يناير، لكن الوسيط الكيني حدد 15 يناير؛ لمناقشة قضايا المناطق المهمشة، والتي تعتبرها الحكومة من القضايا الفرعية).
وقامت الولايات المتحدة في منتصف ديسمبر الماضي بدعوة طرفي التفاوض إلى واشنطن، إلى جولة غير رسمية؛ بهدف تقريب الخلافات بشأن اقتسام السلطة والثروة، كما تناولت هذه الجولة إدارة أول مائة يوم بعد توقيع اتفاق سلام بينها. لكن الحكومة أعلنت أن مشاركتها كانت بهدف إيضاح موقفها من القضايا المطروحة، واستيضاح مواقف الولايات المتحدة، ومدى التزامها وفق معايير الحياء والنزاهة، مؤكدةً في ذات الوقت أن موضوع العاصمة القومية ووضعيتها، لن يتم مناقشته في المفاوضات على اعتبار أنه أمر محسوم.
وقد ظهرت إشارات نحو تغير الموقف الرافض من خلال تصريح وزير الخارجية السوداني مصطفي عثمان إسماعيل بأن حكومته كانت مستعدةً للمحادثات حسب الموعد المحدد 6 يناير، لكنها الآن في حاجة إلى اتفاق جديد؛ لتمديد موعد مناسب، وغير ملزمة بالحضور في 15 الجاري، وأن مستشارية السلام تجرى اتصالات مع نيروبي؛ لترتيب استئناف المفاوضات.
وتتبع واشنطن ذات الأساليب؛ لتعديل موقف السودان، وكان من بينها هذه المرة، ما نشر عن تقارير لوكالة الاستخبارات الأمريكية، وتتهم دولاً من بينها السودان بالسعي إلى امتلاك أسلحة دمار شامل، أو تكون لها قدرة على إنتاج أسلحة كيماوية، مما وضع الحكومة السودانية في موقف دفاعي، جعلها تنفي هذه الاتهامات، وتكشف أيضًا أن تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة لا يزال مستمرًا.
كما بدأ السيناريو الأمريكي جون دانفورث 12 يناير جولةً، يزور خلالها القاهرة والخرطوم وأسمرة ونيروبي، يلتقي خلالها رؤساء هذه الدول؛ بهدف دفع عملية السلام، في إطار مباحثات مشاكوس وتذليل العقبات أمام انعقاد الجولة الثالثة منها.
وقد صدرت تصريحات من القاهرة والخرطوم، على لسان وزيري خارجية البلدين، تؤكد أن دانفورث سوف يجد أجواءً مناسبةً لاستكمال تنفيذ توصياته، فمن ناحيته قال وزير الخارجية المصري: "إن وحدة السودان تعرضت للمخاطر بسبب سوء سياسات. ولم يحدد الوزير المصري كيفية التصور المصري لتصحيح هذه السياسات، وإعطاء مزيد من الفاعلية للدور المصري.
أما الحكومة السودانية، فترى أن الدخول في المفاوضات هو الخيار الوحيد في ظل التغيرات الدولية الحالية، معتبرةً أنها تتعامل مع عناصر معتدلة داخل الإدارة الأمريكية الحالية، وطالب مصطفي إسماعيل وزير الخارجية في هذا الإطار كلاً من الحكومة والمعارضة ـ بأن يضعا في اعتبارهما، أن التحول الدولي والمتغيرات الدولية ماضية نحو الديمقراطية، واصفًا نظرة الولايات المتحدة للسودان بأن: "هناك قوىً سياسيةً ذات منطلقات متناقضة أدت لازدواجية في التعامل معنا، وأفرزت اتجاهات متباينةً داخل الإدارة الأمريكية، أكثرها اعتدالاً تلك التي يجرى التعامل معها في الوقت الحال".