الصورة غير متاحة

حمدي عبد الظاهر

الشباب هو الطاقة المثلى للتغيير والعمل المثمر؛ لأنه الساعد الفتيُّ والعقل الوثَّاب والذهن الخالي من المعوقات الفكرية والاجتماعية والرواسب الفكرية، بل حتى المعوقات الاقتصادية التي تصيب جميعها عقول الشيوخ بالوهن وقلة الإنتاج نتيجة ما تضع من محددات لكل قضية ومسألة قد لا يكون لها أصل سوى إحدى وسائل التعويق التي ذكرنا، بينما لا صدى لها في الحقيقة يُذكر.

 

وإن كان الشباب قد حملوا عبء الدعوات جميعًا وساروا تحت عنوان ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ (الكهف: من الآية 13)، فإنهم لم يفعلوا ذلك مسوقين كالسوائم، وإنما هو ذلك الفهم وتلك القناعة اللذان يحملان الشاب على بذل الغالي والنفيس في سبيل ما يقتنعون به.

 

وقد قامت دعوة الإسلام نفسها على ذلك؛ ولذلك أثبت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ما قاموا به شكرًا لهم وتخليدًا لبذلهم وعطائهم، وقد ظهر منهم نماذج من أروع ما تكون تضحيةً وجهادًا والتزامًا ويقينًا وورعًا وتقوًى، حتى صاروا نجومًا؛ بأيهم اقتدى المرء اهتدى وأفلح.

 

وقد كان نبراس هؤلاء في المعرفة والاعتقاد "علام أبايعك؟" وكذلك كان سؤالهم "قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك"، وربَّاهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شبابًا وفتياتٍ، بل والصحابة جميعا بالسؤال والتوجيه والتبيين، بل والنَّهْر أحيانًا في حرصٍ على أن يصل ما يريد إلى كلٍّ منهم بلا غموض ولا لبس؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم أن الإنسان عدوُّ ما يجهل، فسأل: "يا جارية.. أين الله؟"، وأمَّن على صحيح كلامها، ووجَّه: "يا فتى.. سمِّ الله، وكُلْ بيمينك"، وبيَّن: "يا أسماء.. إذا بلغت المرأة المحيض فلا يظهر منها سوى هذا وهذا"، وفي لهجة شديدة اقتضاها موقفها كان منه صلى الله تعالى عليه وسلم: "قتلوه قتلهم الله، إنما كان جواب العي السؤال".

 

كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما ينفِّذ أوامر الله عز وجل في إفهام البشر جميعًا والمتمثِّلة في مخاطبة عقولهم، ولا ينبغي أن يحتجَّ محتجٌّ بأنه "لو أُخذ الدين بالعقل لمُسِحَ باطن الخف لا ظاهره"؛ لأن تلك أوامر ونصوص وتشريع لا يختلف اثنان على وجوب الطاعة فيها، أما ما يحتاج إلى العقل وإعمال الفكر فقد كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخاطب فيه عقل المؤمنين؛ لأنهم يستحقون أن يفهموا، حتى إنه صلى الله تعالى عليه وسلم أوكل إليهم تأبير النخل واعترف لهم بالدراية فيه وأنه ليس من اختصاصه.

 

ولم يخالف الإمام الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله تعالى ذلك؛ فقدَّم ركن الفهم على ركن الإخلاص في أركان البيعة، واشترط أن يحصل المرء ذلك ليكون لبنة في فصيل الدعوة، وهذا في أمور التشريع والاعتقاد، فما بالنا بما هو دون ذلك؟! خاصةً أنه نتاج فردي بشري محض في أمور السير والحركة.

 

ولقد ربَّى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صحابته على السمع والطاعة، فكانت استجابتهم ثقةً في صدق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي تأييده بالوحي، وأمر بالطاعة ولو لعبد حبشي، واستمع الصحابة إيمانًا بالنبي وثقةً في تقوى أهل ذلك الزمان وحسن تصرفهم ويقينًا في قبول الجميع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا حدث ما يقتضي ذلك.

 

وأما الآن فنحن في وقتٍ لم يعد هناك وجود فيه لهذه النوعية من البشر التي تلتقط الأمر وتسير لأسباب كثيرة، وإنما هنا الشباب المشاكس الجامع لكل ما تصل إليه يداه وعقله من الشبهات والسلبيات من روافد كثيرة؛ منها الغث ومنها السمين، وكلها تصب في عقله، بل ولعل ما سمِن من هذه المعلومات يفتح ذهنه على أشياء كنا لا نصل إليها إلا بعد لأْيٍ شديد، فأتاحتها له الفضائيات والإنترنت ليصبح احتياجه شديدًا إلى قائدٍ مُرَبٍّ على نفس المستوى الفكري الذي يصل إليه هذا الشاب، وهذه المرحلة السنية ليشبع حاجته تلك في إزالة الشبهات والشكوك وشرح ما استغلق من غيرها، بل وأصبح له آراء نعتبرها نحن خروجًا وقفزًا على الحواجز، بينما هي أفكار لم تعد أذهاننا نحن من جيل الكبار تستوعب التعامل معها؛ لأننا لم نواجه ما يواجهون من انهمار معلوماتي شديد على كل الأصعدة إلا ما نسميه القنوات الشرعية في الدعوة.

 

لذلك لم يعد مقبولاً أن نتعامل معهم على طريقة الرجل الآلي "المسئولون يريدون ذلك"؛ لأن ذلك استخفاف بعقولهم، خاصةً أنهم يسألون فيما يصلح به ما يؤدونه من أعمال، قد تكون تقنية أو إجرائية لا يفهم فيها هؤلاء المسئولون أصلاً، فكيف يزيدون الطين بلة ليرسلوا إليهم قائدًا يصيبه العجز في التفسير بتعسفٍ في التقرير فيطلب إليهم تنفيذ ما قرَّره من قرر؛ أيًّا كان مستواه في سلم المسئولية تحت دعوى "إنهم يريدون ذلك"؟!

 

من هؤلاء الذين يريدون؟! وما حجم معلوماتهم المتعلِّقة بالمسألة موضوع القرار؟! وما طريقة تفكيرهم فيها؟! وما الأسس التي بنَوا عليها قرارهم؟! وما الذي دعاهم إلى مخالفة ما اقترح أصحاب المسألة لها من طرق للتناول؟! ولماذا لم يَسْتَدْعِ هؤلاء أصحاب المسألة أو من يتحدث بلسانهم لمناقشتهم فيما يدعون؟!

 

كل هذه الأسئلة يجب أن يجيب عنها هذا الوسيط، بل ويجب عليه أيضًا أن يحمل اعتراض هؤلاء الشباب لإعادة مناقشة متخذي القرار فيما آلوا إليه حتى يصل إلى أداء ما يريد من الشباب بصورة مرضية ومقنعة لهم تحملهم على تبنِّي ما تم تقريره من أمورٍ مهما كانت الجهة التي قرَّرت، أما أن تتبنَّى الإدارة هذا المبدأ المنصرم والذي عفا عليه الزمن فلن تجنيَ من الشباب إلا الإحباط واليأس من الإصلاح والانصراف عن هذه الإدارة إلى ما يشبع نهمهم إلى المعرفة وصحة اتخاذ القرارات.

 

والحقيقة أن المطلوب ليس مجرد الناقل المستنير الواعي، وإنما المربي الرباني الحكيم أولاً، والذي يعصف بمنابع الشرور في أنفس الشباب فيما يسمَّى بالتخلية، ويجب أن يكون قدوة حقيقية في هذا الجانب، ولا بد ألا ننسى قول الخليفة الواعي لمربِّي ولده: "فإن أعينهم معقودة عليك"، وهذا مناط التأثير، ثم يثني بزرع روافد الخير، وهو ما يسمَّى بالتحلية، فإذا نجح في ذلك فسيكون أكثر إقناعًا لو طلب الطاعة أيًّا كان ثمنها ما دامت في غير معصية.

 

والمطلوب بعد ذلك أن يثقف من توكل له القيادة في مجال هؤلاء الشباب نفسَه ثقافةً يستطيع بها أن يجيب عن ما يُسْتَفْسَر منه عنه، بل وعليه أن يدرِّب نفسه على ملاحقة الفضائيات ومواقع الإنترنت وتتبع ما يتتبعون، فإذا ما استغلق عليه أمرٌ ما على اعتبار أنه ليس "سوبرمان"، فيجب أن تكون له قدرة على التفويض والإحالة إلى من يجيب، أما أن يحتميَ بـ"إنهم يريدون ذلك"؛ فهذا ما لا يصح مع توافر هذه الوسيلة الخطيرة التي جعلت الشبهات جبالاً تزداد كل يوم ضخامةً وهولاً وزادت من مكامن الخطر عليهم.