لكل سفينة ربَّان، ولكل ربَّان شروط إذا توافرت فيه استحق أن يكون ربَّانًا للسفينة، له حق السمع والطاعة من كل من في السفينة.
وإن من أهم بل ومن أخطر السفن سفينة الدعوة، تلك الدعوة التي صارت لنا حياة بعد موات ونجاة بعد فوات، هذه الدعوة وهؤلاء الربّان الذين يقودون سفينتنا لهم حقوق كثيرة علينا، بيد أن البعض منا لا يعرف هذه الحقوق وتلك الواجبات، وعدم معرفة هذه الحقوق يكون إما عن عدم دراية وعدم وضوح رؤية أو لفهم مغلوط، وإما استجابة لبعض المتنطعين في الدين الذين يتحدثون من عدم إجلال الربان وعدم التحدث عن المؤسس لكي لا نقع في خطأ التأله والتنزيه.
ولهؤلاء أسوق أول دليل شرعي ألا وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، وموقف الحبيب المصطفى مع سيدنا سعد بن معاذ حين قال لمجلس من الصحابة " قوموا لسيدكم".
وأسوق إلى حضراتكم درسًا تعلمته من السيد الأمين العام للجمعية الشرعية؛ أثناء حضوري بعض المحاضرات معه؛ فقد هالني ما حفظه من معلومات عن أئمة الجمعية الشرعية ومؤسسيها بتواريخ لم ينسَ منها شيئًا، وأخذ يعدِّد في الصفات الحسنة والخصال الحميدة التي تحلَّى بها كلٌّ منهم دون حرج من أحد، ودون الالتفات لتعليقات من أحد، وقال إن هذا حق من حقوقهم، علينا أن نُجلَّهم، ونحفظَ لهم مكانتهم؛ فما بال أحبابنا الذين نكنُّ لهم كل حب وتقدير واحترام؛ الذين يحملون عبء هذا الوطن بل وعبء هذه الأمة على عاتقهم!! ويتحملون المشروع الإصلاحي وتبعاته على عاتقهم ويدفعون أبهظ الأثمان في سبيل ذلك من حريتهم وأوقاتهم وأموالهم؟!
فكيف بنا ونحن في هذا المنعطف الخطير من عمر هذه الأمة، ووسط تلك الهجمة الشرسة على دعوتنا المباركة؟! كيف بنا أن نغفل حقوق قادتنا وأساتذتنا علينا؟!
وحينما أتحدث هنا عن القادة لا أقصد فضيلة الإمام المؤسس رضوان الله عليه أو فضيلة الأستاذ المربي المرشد العام للإخوان أو السادة الأحبَّاء المرشدين السابقين إلى رحمة الله إن شاء الله تعالى، ولكنني أقصد هنا بالقادة كل إخواننا في الدعوة الذين فقهوا؛ فدفعهم هذا الفقه إلى عمل وتضحية، والذين سبقوا فتحمَّلوا ما لا نستطيع نحن تحمّله، والذين لحقوا فاجتهدوا وعملوا حتى يكونوا على نفس الطريق ونفس المنهج، وأتمثلهم في قول الحق تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ..﴾ (الحشر: من الآية 9)، وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)﴾ (الحشر).
الذين سبقونا بالإيمان.. هؤلاء جميعًا قادة يجب علينا بل وعلى كل مسلم أن يجلَّهم ويُنزلَهم منازلهم؛ ليس أجرًا على ما قدَّموا لدينهم ولأمتهم، ولكنه استحقاقٌ لهم واعترافٌ منا بالجميل الذي أسدَوه لنا؛ ألا وهو طريق الدعوة.
فإذا كان كلامي هذا عن عموم الإخوان، فما بالنا بالربَّان الذي حمل الأمانة فتجرد لها وصبر على تبعاتها وعمل وضحى من أجلها؟! فما بالنا بأحبَّتنا وقادتنا الذين لا نزكِّيهم على الله، الذين غُيِّبوا وسُجِنوا وصودرت أموالهم، وحِيْلَ بينهم وبين أهليهم في سبيل الله، وحفاظًا على تلك الدعوة وأفرادها؟!
أليس من حقهم علينا أن نحفظ لهم فضلهم، وأن نعرف تاريخهم، وأن نمضِيَ على أثرهم في طريق رسموه لنا بدمائهم، ودفعوا ثمن علاماته المضيئة من حرياتهم؟! فقد استُشهد الإمام البنا رضوان الله عليه في سبيل تلك الدعوة الإسلامية المباركة، وفي سبيلها حُكم على مرشدنا الكريم بالإعدام وخفِّف للسجن المؤبد، وعلى الطريق سُجِنَ الشاطر وإخوانه من قادتنا وعلمائنا وأساتذتنا.
ألا يستحق هؤلاء الأخيار الأطهار الأتقياء أن نسير خلفهم باتباع دون ابتداع، وأن نتعلم منهم دون تفتح أو تبجح؟!
اعلموا أحبتنا في الله أنها أمانة قد أُلقيت على عاتقكم، وتفهَّموا طبيعة دعوتكم، واحذروا من الفتن والأخطار التي تحيط بسفينتكم، وأيقِنوا أن السفينة ستظل في المسير والإبحار إن شاء الله ثابتةً في طريقها، متغلبةً على صعابها، متمسكةً بسنة نبيها؛ سواءٌ بنا أو بغيرنا.
ولكن نتمنى أن نظل ركابًا لهذه السفينة، عاملين على دفعها للأمام، محافظين على أصولها وأركانها، لا نغفل فضلها علينا، كما قال الحق: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ (الأنعام: من الآية 122) وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)﴾ (المائدة).
فيا إخواننا في الله.. لا تطفئوا نور الله الذي منَّ الله به عليكم، ولا تعطِّلوا السفينة، ولا تعارضوا قادتها، ولا تثيروا الفتن، ولا ترهقوا الربَّان، وليكن شعارنا: "سفينة دعوتنا تسير بدمائنا حتى نفوز بجنة ربنا".