عن عمر ناهر الـ92 عامًا، وبعد حياة حافلة رحل عن دنيانا الفانية المهندس الزراعي إبراهيم شكري، الباشا ابن الباشا، المولود في شربين بالدقهلية عام 1916م، والذي اختار أن يكون مثواه الأخير بجوار أول رفيقٍ في درب الكفاح الشهيد محمد عبد الحكيم الجراحي؛ الطالب الذي سقط برصاص الاحتلال الإنجليزي 1935م عند كوبري عباس بالجيزة، أثناء تصدي جنود الاحتلال لمظاهرات الطلاب المصريين الذين خرجوا من جامعة القاهرة، ويومها حُمِلَ الطلاب إبراهيم شكري مضرَّجًا بدمائه إلى مستشفى قصر العيني، فظنَّ الممرِّضون أنه مات، وبعد قليل اكتشفوا أنه على قيد الحياة، فأَطلق عليه رفاقه لقب "الشهيد الحي".

 

ففي مقبرة متواضعة، وبعد 73 عامًا رقد أخيرًا المهندس إبراهيم شكري بعد حياةٍ حافلةٍ بالكفاح والجهاد، والوقوف بجوار الفقراء، فاستحقَّ عن جدارةٍ لقب "المجاهد الكبير".

 

اتسمت حياة إبراهيم شكري بالزهد والتواضع والانحياز للفقراء والوقوف ضد الفساد والظلم، حتى إنه ضحَّى بجزءٍ كبيرٍ من ثروته وأراضيه لصالح الضعفاء والفقراء، وتقدم في ظل النظام الملكي بنظامٍ للإصلاح الزراعي يقلِّص الملكيات الزراعية لأجل توزيعها على صغار المزارعين والمعدمين، وهو ما أخذت به ثورة يوليو بعد قيام الجمهورية، وهذا ما جعله مقرَّبًا من رجال الثورة.

 

ارتبط إبراهيم شكري قبل الثورة بزعيم مصر الفتاة المرحوم أحمد حسين، وشارك معه في نشاطه الوطني في إطار معارضة الاحتلال والنظام الملكي والفساد الحزبي، وبينما لم يتوافق أحمد حسين مع رجال الثورة ورفض نظام الاتحاد الاشتراكي، وعاش في عزلة حتى نهاية حياته؛ استطاع إبراهيم شكري أن يتواءم مع العصر الجديد حتى وصل إلى موقع الأمين العام للاتحاد الاشتراكي؛ التنظيم السياسي الوحيد لثورة يوليو، ومع أن إبراهيم شكري كان نائبًا في مجلس النواب قبل الثورة، ولعله كان من القلائل الذين استطاعوا أن يمثِّلوا الشعب في البرلمان خلال العهدَين الملكي والجمهوري؛ بل استطاع أن يعيش سياسيًّا خلال العصور الثلاثة للجمهورية؛ في عهد عبد الناصر كان نائبًا، وفي عهد السادات كان محافظًا ووزيرًا للزراعة والري، وفي عصر مبارك ظلَّ رئيسًا لحزب العمل الذي أسَّسه في نهاية عهد السادات، ثم استطاع أن يصبح زعيمًا للمعارضة في أشهر فصل تشريعي في البرلمان (9871- 1990) عندما شكَّل التحالف الإسلامي 60 نائبًا كتلة المعارضة الرئيسية على قائمة حزب العمل.

 

هذا جانب من شخصية إبراهيم شكري السياسية؛ فهو ليس ثائرًا وليس تصادميًّا، بل يميل إلى التوافق والمعارضة الهادئة الموضوعية، ويحاول أن يصل إلى الحلول الوسط؛ لذلك عندما اكتشف السادات حاجته إلى تأسيس حزب للمعارضة بجانب الأحزاب الثلاثة التي انبثقت عن الاتحاد الاشتراكي بقرارٍ فوقي من السادات، وهي: "مصر"، "الأحرار"، "التجمع"، والتي تمثل الوسط واليمين واليسار؛ قام السادات بتأسيس حزب جديد برئاسته، وهو "الحزب الوطني الديمقراطي"؛ الذي هرول إليه غالبية أعضاء حزب "مصر العربي الاشتراكي" الذي كان يرأسه رئيس الوزراء آنذاك ممدوح سالم، ولكي يحدث التوازن طلب من إبراهيم شطري أن يؤسس حزبًا في مواجهته، وهو ما حدث بالفعل فكان تأسيس حزب العمل الاشتراكي ليواجه حزب الوفد.

 

لم يطُل العمر بالسادات ليرى حصاد التجربة، وفشل الحزب الجديد في الحصول على النسبة المقررة للتمثيل البرلماني عام 1984م، فتم تعيين إبراهيم شكري وعدد من قيادات الحزب في البرلمان، وكان يفصل بينه وبين الـ8% أقل من 1%، ونجح حزب الوفد الذي شكَّل كابوسًا للنظام في عهد السادات ثم في عهد مبارك بتحالفه مع الإخوان المسلمين في اختيار النسبة ليشكِّل المعارضة الوحيدة في هذا المجلس.

 

حاول المرحوم إبراهيم شكري تشكيل تحالف عريض من كافة الأحزاب الرئيسية والإخوان المسلمين بزعامة حزب الوفد لخوض الانتخابات البرلمانية عام 1987م، وجاء الرفض من حزب الوفد، وهنا كان تشكيل التحالف الإسلامي بين حزب العمل والإخوان المسلمين وحزب الأحرار.

 

خاض التحالف الإسلامي الانتخابات وحصل على 60 مقعدًا، وتزعَّم إبراهيم شكري المعارضة، وشكَّل مع المرحوم المستشار محمد المأمون الهضيبي ثنائيًّا رائعًا متفاهمًا لقيادة هذا التشكيل الواسع من الأعضاء، وكانت تجربة ثرية جدَّا، وكان هذا أقوى البرلمانات خلال عهد مبارك، وقد شرفتُ بالعمل معهما، وكانا يمثِّلان الآباء والمرشدين والقيادة الحكيمة لفريق عمل برلماني ممتاز، ولكن هذه قصة تحتاج إلى حديث طويل.

 

كان لتشكيل التحالف الإسلامي أثر كبير داخل حزب العمل الاشتراكي؛ فقد تبلور داخله تيار إسلامي بزعامة المرحوم الأستاذ عادل حسين، وحدث تحوُّل في إستراتيجية الحزب وتشكيلته والخط العام للجريدة، وبدأت مرحلة جديدة في حياة الحزب، الذي شكَّل معارضةً قويةً للنظام، وبدأ دفع فاتورة المعارضة الجذرية بزرع الانشقاقات داخله وحصاره حتى دخل ثلاجة التجميد منذ عام 2001م وحتى الآن كان وقف صحيفته (الشعب).

 

ظل التحالف قائمًا بين الحزب وبين الإخوان ككيانَيْن مستقلَّيْن، ولم ينضمّ أفراد الإخوان إلى الحزب تنظيمًا على عكس ما حدث مثلاً في المغرب؛ عندما قدَّم المرحوم عبد الكريم الخطيب السياسي القدير رخصة حزبه للشباب الإسلامي؛ فكان تأسيس حزب العدالة والتنمية، والسبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى عوامل ثلاثة؛ أولها "طبيعة النظام المصري وعدم قبوله بالتعددية السياسية ولا الحياة الديمقراطية، وأنه سيسحب رخصة الحزب فورًا أو يجمِّد نشاطه فعلاً، وهو ما حدث دون انضمام الإخوان بالفعل.

 

العامل الثاني شمول حركة الإخوان وعدم إمكانية اختزالها في حزب سياسي.

العامل الثالث أخلاقي؛ يكمن في طبيعة التحالف الذي أسسه الإخوان مع حزب قائم بالفعل، وليس مع مجرد رخصة لكيان فارغ؛ فهناك حزب بالفعل تحوَّل فكريًّا وعاد إلى أصوله الإسلامية، وفيه تيارات فكرية متنوعة، كان التحالف سياسيًّا بين كيانين، وكان لا بد من الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وهو مجرد دعم الحزب فقط وليس الاندماج بين كيانين أو سيطرة كيان كبير على كيان أصغر.

 

بجانب تلك العوامل كان تردد الإخوان في حسم قضية التحول إلى العمل الحزبي؛ سواءٌ بتشكيل حزب مستقل أو الانضمام لأحزاب قائمة في ظل نظام سياسي معلَّق يتسم بالاستبداد والديكتاتورية.

 

شهد جنازة إبراهيم شكري حشد هائل من الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم المرشد العام ونائبه ونواب الإخوان في البرلمان، ووقف على قبره تلاميذه ومحبوه من أعضاء حزب العمل؛ يتقدمهم نائب رئيس الحزب المستشار محفوظ عزام والأمين العام مجدي أحمد حسين آخر رئيس لتحرير جريدة (الشعب) المغلقة منذ ثماني سنوات، ووسط الدعوات الحارة بالرحمة والمغفرة كان السؤال الحائر عن مستقبل حزب العمل بعد رحيل المهندس إبراهيم شكري.

 

هل يمكن لنظام يعيش لحظاته الأخيرة أن يعيد الحياة السياسية لسابق عهدها أم سينتظر الحزب بداية عهد جديد أو مرحلة جديدة ليستأنف نشاطه؟ الحقيقة الثابتة هي أن حزب العمل سيظل رقمًا في الحياة السياسية المصرية كما كان إبراهيم شكري عنوانًا للوطنية المصرية الصادقة ولا يمكن لأي حاكم أن يشطبه من الحياة السياسية.

 

لقد دفع الحزب ثمن تحالفه السياسي مع الإخوان، وثمن معارضته القوية طوال عشر سنوات بعد تحوُّله الفكري، وثمن ارتفاع صوت جريدته (الشعب) في وقت كانت هي الأعلى صوتًا قبل ظهور الجرائد المستقلة غير الحزبية.